عبد الحكيم عبدالله
(عُمان)

( 1 )

Krista Nassiكلُّ شيءٍ جميلٌ وآمنٌ في المقهى، الطعامُ جيدٌ والإضاءةُ مبهجةٌ، والنادلُ طيبٌ وحنونٌ مثلَ الأم الكبيرة.
قرب الباب شُجيرةٌ صغيرة، تمد أغـصانها النحـيلةَ بليونةٍ ومودة، لا تخدشُ أكمامَ النساءِ أثناء الدخول.
الإضاءةُ الرخويةُ تتحركُ بين عيونِ الجالسينَ الذين يتحدثونَ بفرح لأنهم أصدقاء، لديهم كلامٌ كثيرٌ ينطقون به بسهولةٍ لأنهم يحبون بعضَهم ويحبون المقهى والطعام. وقطعُ الضوءِ تقعُ على شفاهِ المتكلمين وتلامسُ أسنانَهم.
الكلامُ الخفيفُ يطيرُ في هواءِ المقهى ويصلُ إلى سمع الآخر، يسمعه ببهجة، يستمعُ إلى الكلام كاملاً.. ثم يتحدثُ متأنياً وبوضوح ودفءٍ لأن الوقتَ صديقُهم أيضاً، الوقتُ هنا ليس شريراً يتربصُ خلفَ الباب مُخفياً أسنانَهُ القديمة.
( ولأن أرضَ المقهى نظيفةٌ وجافة ).
الطاولةُ من خشبٍ سميكٍ عتيق، ألواحٌ متصالبةٌ متماسكةٌ بقسوة.
يحبون وضعَ الأرغـفةِ على سطح الطاولة، يُخرجون الخبزَ من السلةِ السعفيةِِ الخفيفةِ ويضعونه على سطح الطاولة النظيف، لذلك امتلأتْ الشقوقُ بذراتِ الطحين والنشا.
يتعمدون لَمْسَ خشبِ الطاولةِ الناعم الذي اكتسبَ لوناً أسمر بهشاشةٍ بفعل الأبخرةِ الرطبةِ المتصاعدةِ من الأطعمةِ والشاي.

( 2 )

المرأةُ، التي تـقفُ قريباً من النافذةِ مستـندةً بمرفقها الأيسر على المنضدةِ البنيةِ الكبيرةِ، ثوبُها رماديٌ شاحب، يتحدثُ إليها رجلٌ يلبسُ معطفاً جلدياً. قال شيئاً، استمعتْ بابتسام، ثم قال شيئاً صغيراً في نهايتهِ ضِحْكةٌ فَرحَةٌ، أغمضتْ عينيها لتتذكر، تذكرتْ، ضحكتْ بخَفَـر.

أخرجَ الرجلُ إصبَعَهُ من حَلْقَةِ قدحِ الشاي، لَمَسَ القلمَ في جيبِ السُتْرَة، مَرًّر يدَهُ اليمنى على سطح المِنْضَدَة.. أحسًّت المرأةُ بنَتْر خَفيٍ في شرايين الجَفْن، ولكنهُ حين أخرجَ لها وردةَ حبٍ حمراءَ من شفتيه، ارتعشَ ريقُها الصافي في فوالج أسنانها، وابتسمتْ مثلَ العرائس.
توهًّج الضوءُ في عيني الرجل و نظرَ إلى النافذة ثم تحسًّسَ بأصابعه كُم ثوبها، أسندَ مِرفقَه الأيمن على المنضدةِ البنيةِ الكبيرةِ ليتأملَ ثوبَها : ياقة كبيرةٌ وساذجة , أزرارٌ كبيرةٌ بيضاءَ مغطاةٍ بالمخمل. تمنى أنْ يقبّلَ ياقةَ ثوبها، ويَمَسًّ بأجفانهِ الأزرارَ البيضاءَ المخملية، ثم لا يبالي إنْ دهَـسَتْهُ شاحنةٌ بعد ذلك.

( 3 )

رجلٌ يرتدي سترةً كاكية، وجهُهُ نظيفٌ وشعرهٌ مسرحٌ جيداً. سحبَ الكرسيَ بهدوءٍ وجلسَ واضعاً مرفقيهِ على الطاولة. تكلمَ مع النادلِ ثلاثَ كلمات، استمعَ النادلُ ثم ردًّ بنصفِ كَلِمَةٍ وابتسمَ الاثـنان لأنّ كلمةَ النادلِ لم تخرجْ كاملة.
التصقَ النادلُ بالطاولة، وحركَ يدَهُ قليلاً نحو كأس الماءِ وقال كلمةً، كلمةً كاملةً هذه المرةِ ولكنها صغيرةٌ، صغيرةٌ جداً مثلَ نملة، وحين وصلتْ إلى وعي الآخر الجالس إلى الطاولة، ابتسمَ باتساع قريبٍ من ضِحْكَة، حينها
لمسَ النادلُ طرفَ الطاولةِ وقال - كعادته - كلمةً ضئيلةً أخرى، فحركَ الجالسُ رأسَهُ بإيماءةٍ وصارا يضحكان كصديقين في مدرسة.

مسقط 5/11/2002