عد وصولي بأيام إلى كردستان العراق شرعت في إعداد استفتاء حول رؤية المثقف الكردي إلى الثقافة العربية وماهية علاقته الراهنة معها، خصوصا ان الكردي عاش شبه مستقل عن الحكومة المركزية العربية منذ 1991 وحتى أواسط .2003 لكنني كنت أتخوف من ان الأجوبة ستزيد من الجفاء الحاصل أصلا بين الثقافتين بدلا من ان تسهم في توطيد العلاقات بينها، فلا يزال الكردي يعيش على مبعدة سنوات فقط من المجازر والفظائع التي ارتكبته حكومة قومية عربية. ومن جهة أخرى كنت أتخوف رؤية المثقف الكردي للإيديولوجي العربي فقط ومحاكمته للثقافة العربية انطلاقا من هذا الإيديولوجي السياسي وإهماله للمعرفي.. لكنني وضعت هذا الخوف جانبا وطرحت التساؤلات: كيف تنظرون إلى الثقافة العربية الآن وكيف تصفون كمثقفين أكراد علاقاتكم الراهنة معها؟ ترى ما الذي تمثله الثقافة العربية بالنسبة إليك خصوصا إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار العيش في إقليم كردستان شبه مستقل عن الجار العربي لمدة أكثر من 13 سنة؟ تساؤلات وجهناها إلى عدد من مثقفين أكراد (شعراء، كُتاب ومترجمين وصحافيين وأساتذة الجامعات) يختلفون في توجهاتهم واشتغالاتهم الفكرية والأدبية لكنهم، عاتبين، يتفقون على محور واحد وهو عدم سعي المثقف العربي إلا في حالات استثنائية جدا إلى التعرف على المثقف الكردي الساكن إلى جواره، بل وسعي بعضهم إلى قمع الثقافة الكردية عبر تماهييه مع الثقافة السلطوية المبنية على إلغاء الآخر...
اختلاف الأجيال
يقول الشاعر شيركو بيكه س والذي ترجمت له عدة دواوين شعرية إلى اللغة العربية منها <مرايا صغيرة> و<مضيق الفراشات>: الرؤية إلى هذا الموضوع تختلف من جيل إلى آخر. وبالنسبة لي تعتبر الثقافة العربية إحدى المكونات الأساسية لتجربتي الأدبية. فاللغة العربية هي لغتي الثانية اقرأ بها وأكتب بها أحيانا ومن خلالها اطلعت على مسار الأدب العربي والعالمي، وهي تمثل جسرا للتواصل مع الآخرين. كما ان الثقافة العربية عَبّدت لي طريق التعارف على نخبة من الشعراء والأدباء العرب فأصبحوا أصدقائي ويدافع البعض عن القضية الكردية. انقطعنا في كردستان العراق عن الثقافة العربية والمركزية العراقية لمدة 14 سنة وهكذا نشأ جيل تتراوح أعمارهم بين 15 إلى 25 لا يجيدون سوى كلمات قليلة من اللغة العربية أو لا يجيدونها مطلقاً. ولكي نفهم بنية تلك العلاقة التي تتحدثون عنها يجب ان نعود إلى الوراء قليلا، فمنذ تَشَكُل الدولة العراقية وإلحاق هذا الجزء من كردستان بالدولة العراقية في بداية العشرينيات من القرن الماضي دون العودة إلى إرادة الشعب الكردي، نظرت الحكومات العراقية المتعاقبة إلى المواطن والمثقف الكردي كأنه صنف من الدرجة الثانية والثالثة، إلى ان وصل الأمر في عهد الدكتاتور صدام حسين إلى عمليات الإبادة الجماعية. وقد اتخذ المثقفون العرب، باستثناء قلة من الأصوات الحرة والشريفة، موقفا شوفينيا عدوانيا ولم ينبسوا ببنت شفة إزاء المذابح التي ارتكبت بحق شعبنا، ان الكثير من هؤلاء هم ضحايا أنظمتهم التوتاليتارية ولكن المثير للغرابة هو ان تلك الضحايا المثقفة يتحولون إلى نوع من <السيافين الثقافيين> في رؤيتهم إلى الضحايا الأخرى مثلا إلى الشعب الكردي وحقه في تقرير مصيره بنفسه. هذه المواقف اللاانسانية أحدثت شرخا كبيرا في بنية هذه العلاقة. ومن جهة أخرى كانت الثقافة الكردية مظلومة ومهمشة وخاصة المكتوب منها بالعربية أو المترجم إلى اللغة العربية، فمثلا حين يكتب احدهم حول الأدب العراقي لا يكتب الا عن الأدب العربي فشاعر مغمور من قرية نائية في اسبانيا أو من أميركا اللاتينية مثلا معروف أكثر من شاعر كردي عراقي لدى القراء العرب في العراق. هناك نوع من عدم الثقة وخيبة أمل لدى مثقفي كردستان إزاء المثقفين العرب لذلك اهتزت العلاقات في الوقت الحاضر. ان إنسانية اية ثقافة في العالم هي التي تشير إلى ديمومتها وتواصلها مع الآخرين والثقافة العربية اليوم وخاصة في جزئها الإعلامي المسموع والمقروء بحاجة إلى انفتاح عقلي أكثر على الآخرين. إنني متواصل في قراءاتي العربية وآخر كتاب قرأته هو <طاووس الملك كبير الملائكة لدى الايزيدية> للكاتب العربي زهير كاظم عبود.
نافذة الثقافة الفارسية
ويركز الكاتب والناقد ريبين هردي على ضعف هذه العلاقة مقابل قوة العلاقة مع الثقافة الفارسية في المرحلة الراهنة: تشكلت معرفتنا بالثقافة العربية من خلال المكتبة العربية في عهد النظام السابق، ومن البداهة القول ان تلك المكتبة كانت خاضعة لرقابة صارمة، لكن الرقابة تلك عادت بالفائدة على صورة الثقافة العربية في مخيلة الكردي، لان الكرد كانوا يقولون بأن هناك اصواتا حرة ونزيهة كثيرة في داخل الثقافة العربية لكن رقابة النظام تمنعها من الوصول إلينا والنظام لا يختار إلا الأصوات التي تتفق مع الفكر الشوفيني البعثي، لهذا توجهنا إلى قراءة الكتب الأجنبية المترجمة إلى اللغة العربية. والمثقفون العرب الذين كانت تصلنا أصواتهم آنذاك كانوا منشغلين بطرح تساؤلات أخرى بعيدة عن همومنا وتساؤلاتنا التي كانت تصدمنا يوميا. وهكذا حدثت هوة، وهي في توسع دائم إلى يومنا الراهن، بين القارئ الكردي والثقافة العربية. لكننا أصبنا بصدمة بعد 1991 وانفتاح الأبواب الثقافية حين اكتشفنا ان الأصوات التي كنا نظنها أيام النظام القمعي أصوات حرة وإنسانية، ولم تصلنا بسبب الرقابة القمعية، كانت منشغلة هي الأخرى بطرح تساؤلات وقضايا لم تكن تمسنا. كانت هذه الأصوات تتساءل كم من الفلسطينيين قتلوا على يد الجنود الإسرائيليين وكنا نتساءل كم من القرى الكردية قام جيش البعث بإحراقها وكم ألفا من الأكراد قام البعثيون بإبادتهم. وتضخم الشعور بالصدمة حين رأينا ان الكثير من المثقفين العرب يغازلون جيش البعث هذا الذي استخدم الغازات الكيمياوية المحظورة وينظرون إليه على انه الذخيرة الإستراتيجية في الصراع العربي الإسرائيلي، كل هذا أدى إلى مقاطعة الأكراد لنتاجات هؤلاء المثقفين. وفي تلك الإثناء تعرف الأكراد على المكتبة الفارسية ووجدوا فيها ما لم يستطيعوا إيجاده في المكتبة العربية: حركة ترجمة نشيطة استطاعت ان تعرّفهم باتجاهات وحركات فكرية كانت ضرورية لفهم واقعهم وتساؤلاتهم. تختلف المكتبة الفارسية عن المكتبة العربية كثيرا، فالمثقفون العرب يتكلمون كثيرا ويترجمون قليلا بينما يتكلم الإيرانيون قليلا ويدعون الآخرين يتكلمون عبر ترجمتهم إلى الفارسية. فعدد المترجمين الإيرانيين أضعاف عدد الذين يكتبون بينما يفوق عدد الكُتاب العرب عشرات المرات المترجمين العرب. هكذا انفتحت نافذة الثقافة الفارسية على الأكراد وبدأت حركة ترجمة فعالة من الفارسية إلى الكردية وعدد القراء الأكراد الذين يقرأون بالفارسية في تزايد مستمر بينما يقل يوما بعد يوم عدد الذين يقرأون بالعربية وخصوصا عند الأجيال الجديدة. لكن ومع كل ذلك هناك بين الأكراد من يبحث باستمرار عن الأصوات العربية الحرة والنزيهة ليترجمها إلى اللغة الكردية، فعلى سبيل المثال يُترجم كل ما يكتبه هاشم صالح إلى اللغة الكردية، كما ان كنعان مكية، المثقف الذي يتهمه الكثير من مثقفين عرب بالخيانة والعمالة لأميركا معروف لدى الأكراد وهناك محاولات جادة لترجمة كتبه إلى الكردية. بالإضافة إلى أننا نلاحظ، بعد سقوط صدام حسين، تزايدا مستمرا في عدد المثقفين العراقيين الذين بات الكردي يشعر بالقرب منهم وهذا مدعاة للسرور والأمل في نفق طويل من علاقات مظلمة.
صورة المثقف الكردي في الثقافة العربية
ويتخذ الشاعر والصحافي كريم دشتي من صورة المثقف الكردي عند الثقافة العربية محورا أساسيا لحديثه: تظل صورة المثقف الكردي، في نظر الثقافة العربية التابعة للأنظمة الحاكمة، هشة غير قادرة على الإبداع. فالمثقف العربي الذي يدعم المواقف المستبدة لسلطته السياسية يظل عبدا لتحليلات وتعاليم السلطة، لذلك فهو يعتبر الأكراد وثقافتهم ورماً مشوهاً لا بد من استئصاله. ان هذا النوع من المثقف العربي التابع للرؤية السياسية والإيديولوجية الحاكمة يعمل دائماً على الضد من طموح وآمال المثقف الكردي ولا يستطيع الاعتراف بحقوقه وإبداعاته. لكن لا يمكننا إهمال نوع آخر من المثقف العربي، وان كان نادرا، الذي يؤمن بالآخر ويحاول التحاور معه ولا يتبع خطى السلطة الحاكمة بالرغم من انتمائه القومي اليها. انه المثقف الذي استطاع التحرر من شوفينية الفكر القومي التي تلغي حريات الشعوب الأخرى، ولهذا فهو يتعامل من المثقف الكردي ثقافيا ويتفاعل معه اجتماعيا وينسجم معه سياسيا، انه المثقف الذي ينفتح على العالم وهذه قضية تدخل ضمن رؤية المثقف بشكل عام في هل انه يؤمن بالاختلاف أم لا؟ ظل الكثير من المثقفين العرب يعتبرون الآخر عدواً لهم، وهذا يعود في اعتقادي إلى التراث الذي تربوا في كنفه، وهو التراث الذي يحمل في طياته الشعور بخطورة الآخر ويخلق مبررات عديدة من أجل تعبئة العقليات بهذا الاتجاه. ان الغالبية العظمى من المثقفين العراقيين تحولوا إلى أبواق فجة لسلطة البعث ولزموا الصمت الرهيب تجاه كل المذابح والمجازر بل دافعوا عنها بقصائدهم وقصصهم .
حب من طرف واحد
وتُشبه الشاعرة والصحافية كزال أحمد العلاقات مع الثقافة العربية بعلاقة حب من طرف الكردي فقط حيث تقول: هناك أجيال من المثقفين الأكراد لها ثقافة عربية كما لديها إلمام كبير بتأريخها وتراثها، وهي متابعة حريصة لإبداعاتها. ان تأثير الثقافة العربية على المثقف الكردي شيء واضح وهو اكتسبه من خلال دراسته وعبر حتمية اختلاطه مع العرب واللغة العربية، لا سيما أنهم يعيشون في وطن واحد.
وهذا الاختلاط أدى إلى ان يصطبغ الكثير من النتاجات الكردية بصبغة قضايا وهموم تخص العرب والمثقف العربي. هناك، مثلا، قصائد تُخلد ذكرى الجزائرية (جميلة بحيرد) أو تناصر القضية الفلسطينية أو تتغنى بالإخوة العربية الكردية كما في قصيدة <قصة أخوة> للشاعر التجديدي (عبد الله كوران) وفيها يقول عن التعايش الأخوي بين العرب والكرد: أخي العربي ذو العيون السود/ نصيبك مر كنصيبي/ ولكن تذوقنا لنفس الكأس من المرارة/ حول إخوتنا إلى العسل. كما ان بعضا من مثقفينا كتبوا أشعارا باللغة العربية أو باللغتين العربية والكردية معا كما فعل الشاعر القومي (بيكه س 19051948) ولديه قصيدة عربية يقول فيها: سورية ملكت فؤادي بعينها/ ورمتني في بحر الهوى بسهام. وأنا قلت في إحدى قصائدي: قولوا ل(خالدة سعيد)/ أو للعرب/ (أدونيس) هو الشعر بعينه/ أحبه كثيرا. يحاول الكردي بشكل عام والمثقف الكردي خصوصا ان يتابع ويتواصل في التعرف على جديد الثقافة العربية ولكن السؤال الموجّه إلى المثقف العربي هو: هل لديك الإلمام والاهتمام الكافيين بالثقافة الكردية والتي لا تقل شأنا عن أية ثقافة أخرى؟ والجواب بالتأكيد هو لا... إذن حسب رأيي تشبه علاقتنا بالثقافة العربية علاقة حب من طرف واحد.. ونحن الطرف المعذب في هذه العلاقة. حتى القصيدة التي أهداها محمود درويش ل(سليم بركات) الكردي الذي لا يملك إلا الريح ليست كافية وهي حالة نادرة قلما تحدث في الأدب العربي.
يقول الروائي والأستاذ الجامعي الدكتور فرهاد بيربال: لقد ولى زمن صلاح الدين الأيوبي حين كان الكرد يخدمون العرب من أجل الإسلام. يحاول الكرد اليوم بناء هويتهم القومية ولا يتم ذلك الا بالقطيعة مع الثقافة العربية وفتح النوافذ أمام الغرب. ومقابل كل هذا الحب والخدمة والتعايش الأخوي الذي كنا نكنه ونبديه طوال تأريخنا للعرب والإسلام، كافأتنا السلطة العربية بالقصف الكيمياوي ومنع لغتنا والأنفال. مثلا ان كتابة رسالة ماجستير أو رسالة دكتوراه حول روايات سليم بركات محظورة في الجامعات السورية. انه شيء يدعو للحزن وللأسف حقا حين نرى العرب وهم يفقدون أجمل وأعز أصدقائهم التاريخيين. شخصيا وكمثقف كردي لست بحاجة ولا أومن بحوار عربي كردي، لأنني أعلم ان كل ما يعقد تحت هذا الشعار سيتم بتوجيهات السياسات الشوفينية للدول العربية. ويجب القول هنا ان كل ما تعرفه غالبية المثقفين العرب عن الكرد هو مثلا ان أحمد شوقي وصلاح السعدني والزهاوي والبدرخانين هم أكراد وانتهى!!
ويقول الناقد والأستاذ الجامعي شاهو سعيد: رغم اهتمامي المتواصل بالثقافة العربية ومديونيتي لها، كونها تشكل رافداً أساسياً من روافدي المعرفية، لكنني أجدها على العموم ثقافة ثابتة التصوير ومفتقرة إلى التنوع والحوارية. وكوني أشكل (الآخر الكردي) بالنسبة لهذه الثقافة، فإنني أحاول دوماً مراقبتها من الخارج والانفلات من هيمنة خطابها المموّه بلاغياً وإيقاعياً، سواء كان هذا الخطاب أصولياً أم قومياً أم حتى علمانياً تحرريّ الدعوة. فثمة خط مشترك يتجسد في التعالي المسبق على الآخر والانئسار داخل الأنا التاريخي. وإذا كانت هذه الخصوصية بيّنة عند الأصولي أو القومي العائش في زمنه الذاتي المفارق للزمن الواقعي حيث حضور (الآخر)، فإنها تتجلى عند التنويري ذي النبرة التقدمية في خطاب ينتقد الذات ويجلدها جلداً ليعود في النهاية إلى تحميل الآخر، مسؤولية كل ما آل إليه الوضع العربي. وقد يكون الآخر، في نظر هذا الخطاب المتقلب الأوجه، أميركياً آتياً من وراء المحيطات أو شعوبياً متربصاً بالأمة في الجوار أو كردياً مزروعاً في الخاصرة من الداخل. هذه الظاهرة لا تشكل خطورة على تفكير الإنسان العربي فحسب بل على غير العربي المتابع لها أيضاً. شخصياً اضطررت إلى البحث عن روافد معرفية بديلة وثقافات أخرى بلغات غير عربية، كي أكتشف ما هو مكبوت أو منكبت أصلاً في الثقافة العربية، لا في ما هو مؤلّف من قبل كتابها فحسب، بل حتى في ما هو مترجم عنهم، لأن البقاء تحت هيمنة هذه الثقافة لا يؤطر رؤية المتلقي بإيقاعها اللفظي السحري المؤثر فقط، بل يجبره على قراءة ما هو مترجم ومنتقاة من ثقافة الغرب أيضاً. وجدت نفسي مثلاً، لمدة طويلة، مسحوراً بالثقافة الفرنكوفونية وما تحمله من عقد بنيوية في الجانب المترجم انتقائياً إلى اللغة العربية. وبان لي مؤخراً أن العديد من الترجمات من الثقافة الغربية إلى اللغة العربية لا تهدف إلى الانفتاح على الآخر الغربي بقدر ما تنتقي منها ما هو ملائم لتبرير خطاب ذاتي مسبق. إن تواصلي كقارئ، ومتابع كردي، للثقافة العربية منوط بمرونة هذه الثقافة وآفاق انفتاحها على الآخر وتنامي خطاب المعارضة الفكرية فيها لتفكيك العقد التي دأب أصحابها على اختزال القضايا في مجرد أحكام مسبقة، وهي خرافية في معظمها.
لعنة المقدس العربي
يقول المترجم وسكرتير تحرير (سردم العربي) نوزاد أسود: ثمة اتجاهان في الثقافة العربية: اتجاه ينصب في إنسانية الثقافة وانفتاحها الفكري، واتجاه يقبع داخل ثقافة أيديولوجية مغلقة ويقينية جامدة يمكن ان ندعوها بالايدولوجيا القوموية الاسلاموية وهي أيديولوجيا لا زالت مسيطرة على الجزء الكبير من الشارع العربي ومراكز القوى رغم انها فقدت مصداقيتها عند المفكرين الحقيقيين. نحن كمثقفين كرد نتفاعل مع الاتجاه الاول حيث الانفتاح والجانب الإنساني الغني من هذه الثقافة التي تشربنا منها. بالرغم من القطيعة مع المركز والابتعاد قليلا عن اللغة العربية في التسعينيات كنا على تواصل دائم مع الثقافة العربية الجادة. نعمل في الوقت الحاضر ومن خلال مجلتنا (سردم العربي) التي تصدر في السليمانية على تفعيل وتوثيق أواصر التواصل الثقافي الكردي العربي حيث تربطنا علاقات وطيدة مع عدد غير قليل من المثقفين والكُتاب العرب إيمانا منا بأن الشعب العربي لم يكن مسؤولا عن تلك الجرائم البشعة التي مورست ضد شعبنا الكردي. هناك أسماء عربية لامعة وذات تأثير في ساحة الثقافة الكردية نذكر منها على سبيل المثال هاشم صالح وجورج طرابيشي وأدونيس ومحمد أركون وادوارد سعيد وصادق جلال العظم وغيرهم.
نحن نتطلع إلى بناء جسور الحوار بين المثقفين الكرد والعرب والذي يتطلب قبل كل شيء إلغاء جميع أنواع مظاهر العنف في حياتنا، كما يتطلب إلغاء مظاهر الاستعلاء الثقافي من خلال دمقرطة الخطاب الثقافي.
ويقول الكاتب والصحافي أمين بوتاني: لا أجانب البديهة ان قلت بأن المثقف الكردي ينظر في الكثير من الأحيان إلى المثقف والثقافة العربية ذات النظرة التي ينظرها إلى السياسات والمواقف السياسية للدول والحكومات العربية، باعتبار ان المثقف العربي يصوغ منجزه الثقافي في كنف ثقافة سلطوية طاغية على مقدرات الرؤية والإبداع والمعرفة. ما أود قوله ان الكرد برمتهم وخصوصا الكُتاب والمثقفين منهم لهم ما للنخبة العربية المثقفة والمنفتحة على الآخر (وهم قلة بالطبع) من انتقادات يوجهونها لثقافة ومثقفي السلطات العربية. أنا لا أختزل موقف المثقف الكردي إزاء الثقافة العربية في اللغة العربية التي ينهل عدد لا بأس به من الكرد زادهم المعرفي، ما يهم الكردي من المنجز الثقافي العربي قبل كل شيء هو تضمين هذه الثقافة لتلك المساحة التي يدب عليها الآخر ويتنفس، حيث قلما يجد المثقف الكردي هاجس التعاطي مع موضوعة الاختلاف تعاطيا بناء وخلاقا لدى المثقف العربي، وبالتالي يرضخ الكردي عنوة بأن يقيس الثقافة العربية بأسرها على مقاس ما يكتبه بعض المثقفين العرب ولو كانوا قلة. يرى الكردي ان الثقافة العربية شبت وشابت على ارث لم يتبلور فيه الآخر المختلف كموجود شرعي بعد، لان الثقافة هذه قد جندت كل طاقاتها لمقارعة آخرها اللدود الذي يقف لها بالمرصاد (صهاينة، امبريالية، غزو ثقافي ... مثلا). ثيمة هذا الآخر الند في رؤية الثقافة العربية طالت جميع الآخرين أيضا ولو كانوا مناصرين لها ولقضاياها، فلا غرابة ان تلسعنا نحن الكرد (وكذلك الامازيغ...) لعنات المقدس العربي كلما تعالت صرخاتنا وبكينا بأبجدية غير التي تحوي الضاد، ومتى ما تجرأ المثقف العربي على فك التمائم ومجابهة الآباء مدخلا أدوات نقدية معرفية جديدة لقراءة الحال والماحول، عندئذ قد يكون لنا بصيص من الأمل نذيب به نتفا من صقيع هذا الجفاء.
(العراق)
السفير- 2006/09/01