ما أعرفه عن السيدة رنا قباني أنها كاتبة وباحثة متزنة تعيش في لندن منذ عقود، وهي ابنة الدبلوماسي والإعلامي المتميز الدكتور صباح قباني شقيق الشاعر الراحل نزار قباني. وكانت زوجة الشاعر محمود درويش سابقاً، ثم زوجة الكاتب والباحث البريطاني باتريك سيل، أبرز الكتاب الأجانب الذين تعاطو مع الشؤون السورية منذ الاستقلال حتى الآن... وهذا في اعتقادي كان كافياً لكي لا أتصور مطلقاً أن يأتي يوم في القرن الواحد والعشرون تفكر فيه سيدة كهذه محاطة بأسماء كبيرة كهؤلاء بطريقة طائفية أو مناطقية ضعيفة في الفن والثقافة .
فلقد صدمتني فعلاً في مقالتها المنشورة في القدس العربي بتاريخ 18/10/2005 بمطالبتها بأن يكلف ممثل دمشقي الأصل بتمثيل دور نزار قباني في المسلسل الذي يحمل أسمه وأنتجته شركة الشرق التي أديرها... وذلك بدلاً من (ابن الساحل) الفنان تيم حسن الذي لعب دور نزار قباني في هذا شبابه في المسلسل.
الصدفة ليست متأتية من طريقة التفكير المتخلفة هذه وحسب، فهي في النهاية حرة بأن تفكر كما تشاء، وليست بسبب التصريح بها علناً في الصحافة أيضاً .. إنما لأن شدة التعصب في هذه الطريقة حجبت عنها رؤية المسلسل بدقة وموضوعية.. رغم أنها لم تشاهد من المسلسل سوى حلقة واحدة من أصل ثلاثين حلقة باعترافها الشخصي في المقالة وهذا الأمر صحيح للغاية ، بعد أوقعها بكمية هائلة من الأخطاء والانتقادات العارية من الصحة والموضوعية .
فما تتبجح به الكاتبة في مقالتها تلك من أن دار جدها توفيق قباني والد الشاعر نزار (كان ملتقى لاجتماعات الكتلة الوطنية وصاحب الدار كان قد جند وقته وماله وجسده لوطنه لتحريره أولاً..) .
هو ماركز عليه المسلسل على مدى حلقاته السبع الأولى.. حتى أننا خشينا من أن نتهم بالمبالغة في رسم شخصية الأب على ذلك النحو الوطني وتلك المثالية الأخلاقية التي قدمت بها صورته كترجمة مخلصة وأمينه لما قاله الشاعر عنه .. وما أغفلنا من ذلك سوى قوله : (كان يصوم رمضان خوفاً من أمي، ويصلي الجمعة خوفاً على سمعته الشعبية) .. فهل كان علينا أن نذكر هذه الحقيقة لكي لاتتهمنا الكاتبة بطمس حقائق عائلتها كما تقول: (.. وبالرغم من هذا قررت أن أشاهد المسلسل وبعد حلقة واحدة فقط اعتراني شعور بالاشمئزاز لسطحية ما أرى ولابتعاده عن الحقيقة . فالشخصيات التي يصورها المسلسل لا تمت بصلة إلى أفراد عائلتي كما عرفتهم لا في الشكل ولا في المضمون).
إن هذا يعطينا فكرة واضحة عن الموقف العدائي المسبق الذي اتخذته الكاتبة ضد المسلسل فمشاهدة حلقة واحدة من أصل ثلاثين حلقة غير كافية بداهة لإعطاء هذا الاستنتاج الخالي تماماً من الصدقية ...
ومن ثم كيف يمكن أن تتجرأ كاتبة من وزنها على كتابة رأي نقدي في عمل لم يعرض منه على المشاهدين حتى تاريخ نشر المقالة أكثر من نصف حلقاته ؟!...
أليس لمهمة الكتابة أخلاقيات بدهية لو اعتمدتها الكاتبة لكانت جنّبت نفسها الوقوع في ادعاءات زائفة عن أخطاء وردت في المسلسل لمجرد أن المضامين لا تتفق مع ما في ذهنها من تصورات وتهيؤات ؟!.
تقول الكاتبة عن الشاعر الراحل (هناك اختراع لقصص درامية ليست لها أية صحة ومغامرات مليئة بالتقبيح .. فلماذا ربط اسم الشاعر بالحشاشين والحشاشات وبيوت الدعارة كما فعل المسلسل؟!..
وفي ردي على هذه الفقرة أقول هناك فعلاً مشهدان يعودالبغاء،جارب الشاعر نزار قباني في مرحلة شبابه الأول يتعلقان بدار البغاء وماخور الحشاشين وهذا لا يعني أبداً أن المسلسل ربط بين الشاعر وبينهما إطلاقا (إلا في الحلقة الوحيدة التي شاهدتها الكاتبة عن ذلك !!) ففي أحد المشاهد يقترح عليه صديقه الذهاب إلى دار البغاء ، ولكنه يرفض الدخول .. وكان هذا كل شيء!!.. ولعل الرفض كان مغايراً للحقيقة، فمن يقرأ قصيدة (البغي) يجد وصفاً كاملاً لهذه الدار وساكنيها ، وفيه تفاصيل دقيقة من العطر الأنثوي إلى الحاكي إلى الأبدان المكشوفة وهذه القصيدة بالمناسبة تعد من أجمل القصائد الإنسانية التي يتحدث فيها الشعر عن تجارة الرقيق الأبيض وسحق الكرامة الأنثوية ... فهل جاء هذا من خيال الشاعر أم من معايشته له ؟ وأي ضير يمكن أن يصيب الشاعر في الحالتين وهو الذي اعترف في مذكراته بأنه لم يعاشر مومساً إلا وبكى ....؟!!وعندما ورد مشهد ماخور الحشاشين في المسلسل... فإنما ورد كحقيقة واقعة من حقائق قاع مدينة دمشق ، مثل كل مدن الأرض التي يوجد فيها قاع ...
ووروده كان ضرورة درامية لتبيان المحرض الذي أثر في خيال الشاعر ليكتب قصيدته الشهيرة (خبر وحشيش وقمر) التي هزت المجتمع الدمشقي في وقتها وحركت ضده السلفيين والتاريخيين وعبيد الخرافة الذين لا يعترفون بحقائق الحياة الخفية للمدينة... فهل كانت القصيدة تدينس لدمشق؟!...
وهنا اعتقد أن حزن السيدة رنا قباني وغضبها على سمعة دمشق والدمشقيين لا مبرر له وغير مقنع، وهو يصب في مسار العداء المسبق للمسلسل لا أكثر. فأنا كمنتج لهذا المسلسل دمشقي الأصل . وأحب دمشق ومعني بسمعتها لأنني أبنها وأعيش فيها ولا أحتاج إلى أناس يعيشون في العواصم الغربية ليعلموني طريقة هذا الحب والدفاع عن السمعة. ولأنني هكذا فأنا اعتبر دمشق عاصمة الجمهورية العربية السورية وليست عاصمة نفسها فقط. وفي دمشق يوجد كل شيء مثل كل مدن العالم.. ولا شيء مقدساً فيها سوى الأديان .. إن إثارة هذه (النعرة) لا تعني إلا أننا لا نزال عبيداً للطقوس والتقاليد العثمانية الموروثة التي تؤدي إلى ما يشبه جدار فصل عنصري بين مدينة دمشق وغيرها .
وتقول الكاتبة أيضاً : (... أما كان من الممكن لصانعي المسلسل أن يتوقفوا عند نزاهة القضاء ونظافة القضاة آنذاك ؟ محمد أقبيق أحد أشرف رجالات سورية وأكثرهم استقامة . كان يستحق تقديماً معمقاً أكثر من كونه والد زهراء زوجة نزار قباني)!!..
هذا الكلام يؤكد مرة أخرى أن السيدة الكاتبة لم تشاهد من المسلسل أكثر من حلقة واحدة، لأن المسلسل توقف عند هذه الشخصية القضائية .
باحترام شديد وأورد قصة استقامة بالتفصيل احتجاجاً على الفساد والتدخل في شؤون القضاء، على عكس ما تدعيه الكاتبة تماماً وكان هذا أقصى ما يمكن أن تسمح به الخطوط الدرامية المواكبة لشخصية نزار قباني المحورية في المسلسل.
أما أن تطالبنا الكاتبة بالدقة في ملابس جدتها وطريقة مشيه جدها الدمشقية...و...و.. وما إلى هنالك من تفاصيل صغير عن شخصيات عائلتها فإننا نذكر السيدة الكاتبة بأننا في هذا المسلسل لا نعيد أفراد أسرتها الراحلين إلى الحياة، إنما نصنع فناً وهو من نواح عديدة يكون انتقائياً وذاتياً طالما أنه لا يمس الجوهر.. ولكن ربما كان للكاتبة وجه حق في قولها بأن أم الشاعر (لم تكن هي التي اختارت زهراء زوجة له كما يزعم المسلسل بل كانت اختياره هو. وتزوجها دون موافقة والدته وبالرغم عنها)
فبهذا الملاحظة تفتح السيدة قباني الباب على مسألة شديدة التعقيد طرحناها على أنفسنا منذ البداية وهي على الشكل التالي : هل يحق لنا أن نكتب جميع ما نعرفه من حقائق عن حياة الشاعر وعائلته بما فيها بعض الحقائق التي تثير الحساسية أو تمس الكرامة ؟ وما هي الضرورة لذلك ؟ وهل سيكون ذلك مفيداً للناس في شيء ؟!.. وبطبيعة الحال توصلنا الى إجابة منطقية ومقنعة وعادلة وهي أنه لا يحق لنا ذلك ولن يكون ذلك مفيداً في شيء طالما أن اهتمامنا واهتمام الناس سيكون منصباً على شخصية نزار نفسه وعلى شعره ومواقفه من عصره والأحداث التي جرت في زمنه .
ومن هنا اتخذنا موقفاً حاسماً : الابتعاد عن كل ما يسيء للعائلة أو يمس أحاسيسها . بما في ذلك ما يتعلق بزواج الشاعر من السيدة زهراء ثم طلاقها وما تطالبنا به السيدة قباني هو ابسط ما نملك من حقائق تم تجاهلها في المسلسل ونستطيع أن ندافع عن هذا الموقف الأخلاقي بقوة فأنهم بالنسبة لنا الشاعر نفسه وماعدا ذلك مما لا قيمة فنية أو فكرية له تجاوزناه تماماً براحة ضمير .
أما ما تأخذه علينا الكاتبة في الموضوعات العامة ، وتعلن استنكارها له عن مهاجمة حكومة سورية بعد الجلاء وعن تلك (الفترة المضيئة من التاريخ السوري آنذاك) .. فإننا لا نشاطرها الرأي في ذلك.. ولعلمها اختصاراً للنقاش في موضوع كهذا يحتمل الرأي والرأي الآخر ....
أقول بكل بساطة: إنه لم ترد كلمة واحدة أو حادثة سياسية واحدة عن تلك الفترة في المسلسل ليست من أدبيات تلك المرحلة أو مستندة إلى وثيقة تاريخية..وعليه ليس كل ما كان في ذلك التاريخ مضيئاً كما ترى السيدة الكاتبة.. ولكن من حقها بالطبع أن تعترض أو تحتج عندما لا ترانا نتابع المرور على جميع المراحل اللاحقة بنفس الروح النقدية التي بدأناها مع الاستقلال والتي عاشها الشاعر الراحل حتى عشية وفاته. ولو أنها انتظرت وشاهدت المسلسل حتى نهايته لوفرت علينا وعلى نفسها عبء المجادلة عن أمر تجهله أو لا تحب أن تعرفه.
وهنا أحب أن أنوه إلى أنني لا أرد على ملاحظات السيدة قباني التي جاءت في مقالتها تلك انتقائياً ، فهذا معظم ما جاء في تلك المقالة من انتقادات جدية . أما أن تقول : إن الممثل تيم حسن الذي لعب دور الشاعر الراحل في شبابه الأول (لا يجيد النطق حتى يجيد كتابة الشعر)..
وأن السيدة زهراء بدت في المسلسل داكنة اللون من فرط الماكياج)... وأشياء أخرى من هذا القبيل .. لا تستدعي الرغبة في الرد إنما الرغبة في الحزن والإشفاق على كاتبة تلجأ إلى السخافات لأنها لا تملك أفكاراً كبيرة ، وفي الوقت نفسه لا توفر مناسبة صغيرة أو كبيرة ، إلا تصب فيها جام غضبها على النظام السياسي في سورية .
هذا من حقها بالطبع، ولكن ليس من حقها بالتأكيد أن تختار مناسبة وساحة المسلسل لتخلط أحقادها على صانعيه مع أحقادها على هذا النظام السياسي، وتفجر غضبها على الاثنين معاً وكان النظام السياسي هو الذي أنتج المسلسل.
وهنا أسارع إلى القول. بأن الشاعر نزار قباني وشعره لا يشكلان أي مادة إغراء لأي نظام سياسي عربي قائم الآن.. وأن فكرة هذا العمل نبع من تفكيري ومشاعري الدمشقية الصرفة التي تفخر السيدة الكاتبة من قناتها.وأن الكاتب قمر الزمان علوش كتب السيناريو وفق رؤاه وبملء حريته ولم يتدخل أحد بتعديل سطر واحد مما كتبه. وبالنسبة لي كنت أتابع السيناريو يوماً بيوم . وأتابع التصوير مع المخرج باسل الخطيب يوماً بيوم... ومن يتابع المسلسل سوف يكتشف بسهولة أن الروح الانتقادية لجميع مراحل تاريخ سوريا الحديث، وكذلك الوطن العربي، وحتى نهاية القرن الماضي، كانت متوازنة وشفافة وتتناول الأشياء عامة بنفس القدر من الموضوعية فنحن الثلاثة وجميع أفراد فريق العمل، بدأنا العمل بروح واحدة هي أننا جميعاً أبناء بلادنا سوريا وأبناء أمتنا العربية، ولسنا أبناء أي سلطة أو نظام .