فيلم وثائقي عن حياته في الصالات الفرنسية

عبدالاله الصالحي
(المغرب/باريس)

فيلم وثائقي عن حياته في الصالات الفرنسية مؤخرا عرضت احدي صالات السينما في باريس فيلما وثائقيا لافتا عن حياة الشاعر الأمريكي الراحل تشارلز بوكوفسكي من انجاز المخرج والشاعر جون داليغان. الموزعون اختاروا صالة واحدة لعرض هذا الفيلم/ التحفة لاعتقادهم الراسخ أن الفيلم الوثائقي لا يجذب عادة جمهوراً عريضا إلا أنهم فوجئوا بالكَّم الهائل من المشاهدين الذي تجمعوا خلف شباك التذاكر طيلة الأيام الأولي من العرض. الأمر الذي دفع بهم إلى مضاعفة وتيرة العروض وإنزال الفيلم في صالتين أخريين في باريس. ويكفي المرء أن يري التنوع الهائل في صفوف المشاهدين: شباب وكهول وشيوخ ونساء من كل الأعمار ليدرك أن بوكوفسكي ما يزال يحتفظ بتألقه بعد مرور أكثر من عشر سنوات علي وفاته وبأنه يجذب مع مرور الأعوام قراء جددا يستلهمون أعماله وحياته رغم أن ترجمات أعماله إلى الفرنسية، عدا نماذج نادرة، تستطيع عن جدارة انتزاع جائزة أردأ ترجمة. لكن الفرنسيين محظوظون بالمقارنة مع القراء العرب الذين تجهل غالبيتهم هذا الشاعر والكاتب الرائع. وربما يكون أكثرهم حظا قد اطلع بالصدفة علي مختارات من قصائده في بعض الملاحق أو المجلات الثقافية العربية النادرة. بمناسبة عرض هذا الفيلم نقترح عليكم نبذة عن حياة بوكوفسكي وقراءة في أعماله وحوارا مع مخرج الفيلم الوثائقي بالإضافة إلى نماذج من قصائده استللناها من ديوانه الحب كلبٌ من جهنم الصادر عن دار بلاك سبارو بريس عام 1977 بسان فرانسيسكو. اختار المخرج أن يبدأ فيلمه بلقطات نادرة لإحدى القراءات الشعرية التي قام بها بوكوفسكي في مستهل السبعينيات في مسرح بمدينة سان فرانسيسكو ونراه يتوجه بخطي مترددة نحو المنصة ثم يضع أوراقه علي الطاولة ويرتشف جرعة من كأس موضوعة أمامه. يحدق في الجمهور لبرهة ثم يرفع عقيرته بالصراخ أعطوني أموالكم، أعطيكم روحي فتضج القاعة بالتصفيق. ثم يقرأ مجموعة من القصائد بصوت محكم رغم الصخب الهائل في القاعة وصيحات الاستحسان والتصفيق كلما انتهي من القراءة. بعد هذا المدخل نري بوكوفسكي في بيته في الشارع وهو يتجول أو في ملعب الخيول وهو يصافح أصدقاءه. نراه يسوق السيارة متأملا العالم من خلف الزجاج . ثم يلتجأ المخرج إلى شهادات ناشره جون ويب والمغني الايرلندي بونو صاحب فرقة يوتو الشهيرة والمغني الأمريكي طوم وايتس والممثل شون بين وجويس فونت زوجة الكاتب الشهير جون فونت بالإضافة إلى ليندا أرملة بوكوفسكي. ورغم الطابع الكلاسيكي للفيلم فقد افلح في إعطاء فكرة وافية عن بوكوفسكي ورصد التحولات الأساسية في حياته من الطفولة إلى المراهقة ثم الشباب ومعاناته مع الفقر ومع الكتابة إلي أن صار الكاتب الشهير الذي نعرفه الآن. وتبقي الإضافة الأساسية في هذا الفيلم أنه لم يقع في فخ اختزال بوكوفسكي في صورة السكير والعربيد التي التصقت في أذهان الجمهور، بل تجاوزها ليصور بوكوفسكي الإنسان والمبدع المهووس بالشعر والمواطن المتذمر من قيم الاستهلاك والمال المستشرية في المجتمع الأمريكي.
عُدَّةُ بوكوفسكي: أبٌ قاس، وجه بشع وخيباتٌ متلاحقة

ولد تشارلز بوكوفسكي في مدينة أنديرناخ بألمانيا في آب (أغسطس) عام 1924 من أب أمريكي وأم ألمانية. عام 1927 يعود والداه إلى الولايات المتحدة. طفولة بوكوفسكي كانت مشوارا طويلا من الألم بسبب نزوات والده العنيفة الذي كان يضربه لأتفه الأسباب ويحرمه من متع الطفولة الصغيرة ومن اللعب مع أطفال الحي. أما أمه فكانت سيدة صموتاً لا تتدخل في ما علاقة الأب بالابن الذي قضي طفولته ومراهقته وكأنه يؤدي ضريبة فشل أبيه في حياته المهنية خاصة بعد أن فقد عمله اثر أزمة انهيار البورصة في نهاية العشرينيات.
في العاشرة من عمره أحس بأول مرة بالقوة السحرية التي قد تمنحها الكتابة أحيانا حين كتب قطعة إنشاء في المدرسة يروي فيها معاينته لزيارة الرئيس الأمريكي هوفير للمدينة. وكان علي التلميذ بوكوفسكي أن يختلق كل شيء من خياله ذلك أن والده كان منعه من الخروج للشارع لرؤية الرئيس مع أقرانه. لاحقا سيصف بوكوفسكي هذه الواقعة بكونها كانت الحدث الحاسم في حياته والدافع الذي شجعه علي الكتابة. فقد تأكد وقتها أنه بفضل الخيال والكلمات يستطيع أن ينتزع إعجاب الآخرين. بعد حوالي خمس سنوات من هذه الواقعة سيصاب بوكوفسكي بمرض حب الشباب من النوع المستعصي يشوه وجهه إلى الأبد ويطبعه طيلة الحياة. الأمر الذي عَقَّدَ علاقاته مع الآخرين وضاعف من شعوره بالدونية خاصة أمام الفتيات اللواتي كن دائما ينفرن من بشاعة وجهه ولا يترددن في مصارحته بذلك. هكذا باكرا سيتربي بوكوفسكي علي عقدتي الاضطهاد والدونية ويفضل الوحدة ورفقة المهمشين. الحدث الثالث الذي سيطبع بقوة مسار حياته وقع ذات مساء عندما عاد إلى البيت ثملا وعندما عمد والده كعادته إلى صفعه وضربه نازله بوكوفسكي ندا للند وتبادل معه اللكمات واضعا بذلك حدا نهائيا لقمع الأب الذي لم يلمسه بعدها إطلاقا. التحق بوكوفسكي في العشرين من العمر بالجامعة وحاول أن يدرس الصحافة إلا أنه بعد سنتين غادر الجامعة وبيت العائلة وزاول مهنا يدوية متفرقة لأداء ايجار غرفة في الفندق ودفع مستلزمات العيش الأساسية من أكل وشرب. منذ ذلك الحين نظم بوكوفسكي حياته حول ثلاثة أقطاب: الكحول والأصدقاء والكتابة. ولأنه كان يعيش فقرا مدقعا يكفي بالكاد ثمن ايجار غرفة ضيقة في فندق مشبوه فقد كان محيطه الاجتماعي يتكون أساسا من المتسكعين وأبناء الشارع والنساء القبيحات المدمنات.
في تلك الفترة بدأ بوكوفسكي في كتابة قصص قصيرة تدور مواضيعها عن البؤس والتيه والإدمان وإرسالها للمجلات الأدبية وبعد محاولات شتي فهم أن هذا الشكل الروائي، علي الأقل في تلك المرحلة من حياته، لم يكن مناسبا البتة لما كان يريد أن يقوله بالطريقة التي يرغب فيها.

بداية شعرية متأخرة

ورغم الفوضى الوجودية التي كان يتمرغ فيها بكافة جوارحه كان بوكوفسكي يحرص علي ارتياد المكتبات العامة بانتظام ويلتهم العشرات من الكتب الشعرية والنثرية ويطلع علي إبداعات ألمع أبناء جيله المعروفين تحت اسم حركة بيت جينيرايشين : جاك كيرواك وآلن غينسبيرغ ووليام بوروز. وأيضا هيمنغواي ولوي فيرديناند سيلين وألبير كامو وبعض الكتاب الروس وعلي رأسهم دوستيوفسكي. لكن الكاتب الذي سحره ودله علي الطريق كان هو جون فانت وروايته اسأل الغبار وما بهر بوكوفسكي، كما أكد ذلك لاحقا، هو قدرة فانت علي التقاط الأحاسيس حتى أكثرها تعقيدا بأسلوب بسيط ولاذع. وفي نفس الفترة أيضا تعلق بالموسيقي الكلاسيكية وافتُتِنَ بغوستاف مالر وبيتهوفن وفاغنر. وفي الخامسة والعشرين من العمر غدا بوكوفسكي الرجل الفوضوي، السكير المكبوت والحالم المعذب والتائه اليائس من الحب والحياة ولم يتبق له إلا أن يصير الشاعر الكبير الذي نعرفه.
وبما أن أحلام الأدب بدأت تتملكه قرر السفر إلى نيويورك ليجرب حظه هناك. لكن مقامه فيها لمدة عام زاد من إحباطه ويأسه وتحول إلى كارثة نفسية كادت تؤدي به إلى الانتحار وجعلته يتوقف نهائيا عن الكتابة بعد عودته إلى لوس أنجلس لمدة عشر سنوات كاملة.
وفي احدي جولاته الليلية المغمسة في الكحول واليأس سيلتقي بوكوفسكي بامرأة تكبره بعشر سنوات اسمها جين كوني بيكير تعيش حياة أكثر فوضوية وتعاسة منه وسيكون ذلك اللقاء بداية عِشْرةٍ دامت أكثر من عشر سنوات قضياها معا في الضراء أكثر من السراء. في الثانية والثلاثين سيعثر بوكوفسكي علي شغل قار في مصلحة البريد بلوس أنجلس الأمر الذي سيوفر له بعض التوازن ويبعده نسبيا عن منطقة الخطر. لكن هذا التوازن لم يدم طويلا بسبب معاناته مع مرؤوسيه في العمل وتَحَوُّل العلاقة مع رفيقته في البيت إلى جحيم. وتدريجيا عاد بوكوفسكي إلى الكتابة وبدأ ينشر قصائده في بعض المجلات الهامشية. وبدا واضحا منذ تلك المرحلة أن الرجل عثر علي ضالته فيما يخص الشكل الفني: قصائد مرعبة تتناول الحياة في صورها الأكثر بشاعة وقتامة من دون حشو بلاغي أو نواح عاطفي بلغة بسيطة وكلمات لا تخشي السقوط في البذاءة.
وخلال عشر سنوات سيقضي بوكوفسكي أيامه بين العمل والكتابة والشرب المنتظم وسيكتب بغزارة وكل يوم وكأن الرجل بركان شعري ملتهب. عام 1960 سينشر أول مجموعة شعرية وعمره خمس وثلاثون سنة إلا أن المجموعة التي لفتت الانتباه إليه كانت تلك التي نشرها عام 1965 الناشر جون ويب تحت عنوان أمسكت بقلبي بين يديها .
وبفضل نشره المنتظم في الدوريات الأدبية ذات التوزيع المحدود طلبت منه احدي المجلات الشهرية في سان فرانسيسكو كتابة عمود أسبوعي لاقي نجاحا مذهلا بسبب لغته الاستفزازية وحكاياته المرعبة عن عوالم المدينة السفلية. الأمر الذي شجع الشاعر والناشر فيرلينغيتي علي تجميعها في كتاب تحت عنوان يوميات شيخ بذيء وسيكون الشرارة التي أتاحت له الوصول إلى قاعدة عريضة من القراء ذلك أن الكتاب عرف نجاحا كبيرا كرس بوكوفسكي كشاعر موهوب وكاتب من طينة الكبار. في الأربعين سيتعرض بوكوفسكي لأزمة صحية خطيرة تقعده عدة أسابيع في المستشفي يحس خلالها بشبح الموت يحوم حوله. ورغم أن الأطباء يأمرونه بالكف النهائي عن تناول الكحول فحالما يضع قدميه خارج المستشفي سيعود إلى عاداته القديمة. وابتداء من عام 1970 سيتوقف عن العمل في مصلحة البريد واضعا بذلك حدا لمعاناة لم يكن قادرا علي تحملها طويلا فالرجل لا يحب العمل المأجور ويكره أن يشتغل بعيدا عن آلة الكتابة.
ومنذ تلك الفترة شق بوكوفسكي طريقه نحو الشهرة وبدأت دواوينه ورواياته وقصصه تُتَرجَمُ إلى اللغات الأجنبية خاصة الألمانية والفرنسية. وقد تحول بوكوفسكي إلى نجم في الساحة الثقافية الفرنسية في 14 أيلول (سبتمبر) عام 1978 عندما أثار فضيحة إعلامية ما تزال عالقة في الأذهان حتى الآن. فبمناسبة صدور ترجمات لثلاثة من كتبه استضافه الصحافي الأدبي الشهير بيرنار بيفو إلى برنامج كان في غاية الشهرة آنذاك أبوستروف وقبل البرنامج شرب بوكوفسكي قنينة نبيذ كاملة وهجم علي أخري أثناء البرنامج الذي كان يُبث مباشرة. ومع مرور الدقائق شعر بالملل من أجواء البرنامج المصطنعة ومن الأسئلة المغرقة في أسلوب الصالونات الأدبية الراقية. فبدأ في إثارة الشغب مقاطعا الحاضرين محدثا فوضي عارمة في البلاتوه إلى أن طرده مقدم البرنامج بيرنار بيفو الذي استدعي الحراس خوفا منه. وبعد ذلك خاطب بيفو المشاهدين وهو يرجف قائلا: ألا ترون معي أن هذا الرجل دليل علي التعفن الذي يستشري في الأدب الأمريكي! ورغم أن بوكوفسكي أكد فيما بعد بأن معد البرنامج هو الذي شجعه علي الشرب قبل وأثناء بث البرنامج فان وسائل الإعلام التي تناقلت الفضيحة بشكل واسع حولت بوكوفسكي من كاتب مجهول في فرنسا إلى نجم تباع دواوينه وكتبه بالآلاف.
في المرحلة الأخيرة من عمره تزوج بوكوفسكي بإحدى المعجبات بشعره ليندا التي تمكنت من منحه التوازن الذي طالما بحث عنه في الحياة. فكَفَّ عن إيقاع العبث والتدمير الذاتي ليتفرغ للكتابة والمراهنة علي سباق الخيول إلى أن توفي عام 1994 عن سن تناهز 74 عاما مخلفا وراءه 45 عنوانا بين شعر ورواية وقصة واسما منقوشا بحروف من ذهب في جبين الأدب الأمريكي والعالمي. ومن المؤكد أن أولئك الذين يقضون وقتهم في التنديد بالغزو الثقافي الأمريكي عليهم أن يقرأوا كُتّابا من طينة بوكوفسكي أو ريمون كارفير أو جون فانت كي يدركوا أن الثقافة الأمريكية لا تختزل في ثقافة امبريالية توسعية بل أنها تضم في أحشائها منذ ولادتها ثقافة مضادة للقيم الأمريكية وأن أعنف الانتقادات التي تُوَجَّهُ لهذه الثقافة تأتي من داخلها وليس من التنظيرات الجوفاء الجاهلة بغني وثراء الأدب الأمريكي.

كتابة متألقة تتغذي علي الحضيض الإنساني

في كتابات بوكوفسكي، شعرا وقصصا وروايات ثمة دفق إنساني يسطع من تلافيف الخراب الذي تتفنن المدن الكبيرة في إنتاجه. وقد يكون بوكوفسكي كاتب الومضات القليلة التي تُذكِّرُ بإنسانية الإنسان وهو في أقصي حالات الإحباط والدمار. لذا فشخصياته تكون دائما عند الحافة علي بعد خطوة من الهاوية وقد ترتكب الأفعال الأكثر غرابة في رمشة عين بدون أسباب مُقْنِعة. ان ما يتربص بالحياة في المدن ليس الموت لأن الجميع مهيأ للموت بطريقة أو أخري كما كتب ذات مرة: ليست الأحداث الكبرى هي التي تدفع بالإنسان إلى مستشفيات المجانين. ليس الموت ولا الجريمة أو السرقة أو الحرائق أو الفيضانات. ان الأفظع هو ذلك التراكم المتواصل والحثيث للمآسي الصغيرة التي تدمر الفرد وتدفع به إلى حافة الجنون . يشوب كتابة بوكوفسكي عنف متأصل يصل أحيانا حد عدوانية قلما نجدها في الشعر المعاصر ان استثنينا آلان غينسبيرغ. كما أنه يكتب عن الأشياء والتفاصيل الأكثر حميمية بطريقة صادمة واستفزازية دون أدني خوف من الفضيحة. وتخترق قصائدَهُ نزعة تمردية ضد المجتمع الأمريكي وقيمه الأخلاقية. ضد العائلة وسطوة الدين وضد القوة في مختلف تجلياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والجنسية. وحتى الجنس والكحول وتفاصيل الحياة المتشظية لا تحضر في كتاباته كخلفية شعرية بل كعناوين بارزة لقطيعة شخصية حادة مع السائد وكضربة ساطور في قلب الحلم الأمريكي وأوهامه.
ولا شك أن قوة بوكوفسكي الضاربة تكمن في التقاطه لتفاصيل البؤس اليومي والوحدة المدمرة ليبنيها في قصائد ذات لُحمة متأرجحة تحفل بالمتناقضات. كل هذا كان معجونا في أسلوب تهكمي سوداوي يجمع بين المبكي والمضحك في آن واحد.
ورغم أن النقاد يصنفونه في خانة الجيل الثاني من كُتاب البيتنكس من ناحية الأسلوب فهو يتميز عنهم بكل ما أسلفنا ذكره. زِدْ علي ذلك أن المادة الأساسية التي تلهم كتاباته يجدها في حياته ذاتها وليس في تجارب الآخرين أو عبر الخيال.

* * *

(حوار مع المخرج جون داليغان)

أتمني أي يُحدِثَ هذا الفيلم معجزةً في ذهنِ شاب ما

ما هي التحديات التي واجهتها لانجاز هذا الفيلم؟

نقص الأموال بالأساس. لقد تخليت عن عملي بعد البدء في انجاز المشروع. لذا فقد كنت من حين لآخر أوقف التصوير لأشتغل بشكل متقطع طيلة خمس سنوات وهي المدة التي تَطلبها التصوير بسبب حاجتي للمال. لدي زوجة وطفل ولم يكن من الوارد أن أتخلي عنهما من أجل الفيلم.

لقد شجع بوكوفسكي جيلا كاملا من الكتاب علي المزاوجة بين الكتابة والشرب. أتظن بأنها فكرة جيدة؟

أعتقد أنه من بين القلائل من الكتاب الذي زاوجوا بنجاح بين الاثنين. ترومان كابوت كان كاتبا كبيرا لكنه حين كتب روايته بدم بارد تحت تأثير الكحول كانت النتيجة هزيلة. هيمنغواي كان يتفادى الشرب حين يكتب. لكن بوكوفسكي كان يلتجأ إلى الكحول من أجل الحفاظ علي نفسه الإبداعي وقد تفوق في ذلك. رغم أنه في السنوات الأخيرة من حياته توقف عن الشرب لأسباب صحية ولم يمنعه ذلك من الاستمرار في الكتابة بل أنه كتب أشياء في غاية الجودة من دون أن يشرب قطرة كحول. وربما يعود ذلك إلى اقترابه من عالم الموت.
أنت بالطبع معجب ببوكوفسكي ما هي في نظرك أهم أعماله؟
أنا أحب شعره أكثر من أعماله النثرية. لقد صدرت مجموعة من منتخبات أشعاره بعد مماته تحت عنوان ما يهم هو كيف تشق طريقك في أتون النار وهي تضم قصائد في غاية الروعة. بالنسبة للروايات أفضل رواية مكتب البريد التي يحكي فيها قصة موته البطئ في عمل يكرهه حد الموت.

ما هي الإفادة التي قد يجنيها المشاهدون من هذا الفيلم؟

أتمني أن يشجع بعض الشبان علي الذهاب بعيدا من أجل تحقيق أفلامهم والصمود أمام طاحونة الواقع. ففي مجتمعنا الحالي الثقافة الوحيدة السائدة هي ثقافة المال والاستهلاك. والأفراد منذ نعومة أظفارهم يتعرضون لعملية غسل دماغ تجعلهم يلهثون وراء المال والمظاهر. بوكوفسكي قام بالعكس تماما تحدي الفقر والمهانة واستمر يكتب قصائده في العتمة إلى أن عثر علي من يساعده ليصير الكاتب الشهير والكبير الذي نعرفه الآن. نعم أتمني أن يخلق هذا الفيلم معجزة صغيرة في رأس شاب ما ليحقق أحلامه ويصير كاتبا أو فنانا كبيرا.

****

( قصائد من مجموعة الحب كلب من جهنم )

سرير آخر

سرير آخر
امرأة أخري
مزيدٌ من الستائر
غرفةُ حمام أخري
مطبخ آخر.

عيون أخري
شَعر آخر
أقدام وأصابع أخري.

الجميع يتربص
انه البحث الأبدي.

تبقي أنتَ في السرير
بينما هي تلبس ذاهبة إلى العمل
ثم تتساءل في سريرتك
عن الذي حدث للمرأة السابقة
والتي قبلها.
كل شيء علي أحسن ما يرام:
المضاجعة
النوم المشترك
الحنان الناعم.

بعد مغادرتها تنهضُ
وتستعمل حَمّامَها
كل هذا في غاية الحميمية
وغاية الغرابة أيضا.
تعود للسرير وتنام ساعة أخري.
عندما تغادر بيتها تفعل ذلك بقلب حزين
لكنك ستراها مرة أخري
سواء نجحت العلاقة أم لا.
تقود السيارة حتى الشاطئ
وتظل قاعدا فيها متأملا البحر.
انه منتصف النهار.

سرير آخر، آذان أخري، أقراط أخري
أفواه أخري، قبقاب آخر،
ألوان، أبواب، أرقام هاتف...

في ما مضي كنتَ قويا بما فيه الكفاية
كي تعيش وحيدا.
لكن رجلا بِعُمْرِكَ وهو يشارف الستين عاما
عليه أن يكون أكثر تعقلا.
تُشغِّلُ السيارة وتقول في نفسك:
حالما أدخل البيت سأهتف إلى جاني
لم أرها منذ الأربعاء الماضي.

* * *

شيءٌ ما

نفدت أعوادُ الثقاب.
تكسرت أسلاكُ سريري.
سرقوا حذائي.
سرقوا لوحتي الزيتية
ذات العينين القرنفليتين.
سيارتي معطلة.
سمك الجريث يتسلق جدران حمّامي.
حبي محطم.
لكن أسهم البورصة في تصاعد هذا اليوم.

* * *

هذا ما يريدونه

فاليجو وهو يكتب عن الوحدة
بينما يحتضر من الجوع.
العاهرة وهي ترفض أذن فان كوغ
رامبو مبحرا إلى أفريقيا بحثا عن الثروة
ليجد سفلسا لا علاج له.
بيتهوفن وقد صار أصما.
عزرا باوند وهم يجرجرونه عبر الشوارع
في قفص فولاذي.
شاترتون وهو يتناول سم الفئران.
دماغ هيمنغواي يسيل في كوب ليمون.
باسكال وهو يقطع شرايين معصمه في الحمام.
آرتو مسجونا مع المجانين.
دوستيوفسكي وقد أوقفوه علي جدار الإعدام.
كراين وهو يقفز من مدسرة السفينة.
لوركا وقد صرعه جنود أسبان في قارعة الطريق.
بيرمان يرمي بنفسه من أعلي الجسر.
بوروز وهو يطلق النار علي زوجته.
مايلر وهو يطعنها بسكين.

هذا ما يريدونه:
مشهدُ لعنةٍ إلهية
لوحةُ إعلان بأحرف بارزة
وسط جهنم.

هذا ما تريده عصابةُ الحقراء هذه
الأغبياء، العجزة، البؤساء
مستهلكو المشهد.

* * *

أنا

النساءُ لا يفقهن أي شيء في الحب، قالت لي.
أنتم الرجال تعرفون كيف تحبونَ
بينما النساء لا يبغين غير مصِّ الدماء.
أعرف هذا لأنني امرأة.
هاهاها، قهقهتُ.

إذن لا تنشغل بقطيعتكَ مع سوزان
لأنها من دون شك بصدد مصِّ دماء
رجلٍ آخر الآن.
ثرثرنا هكذا بعض الوقت ثم ودعتها.
أعدت سماعة الهاتف إلى موضعها.
ذهبت للمرحاض
وقلت لنفسي بأنني سأظل علي قيد الحياة
ما دمتُ أستطيع أن ألفظ النفايات من جسمي
وبعض القصائد.
وبأنني طالما بقيت قادرا علي هذا
فبإمكاني تحمل الخيانة
والوحدة
والتصفيق
والتقارير الاقتصادية
في الصفحات المالية.

نهضتُ وغسلتُ يدي ثم فكرتُ:
حقيقةً
إنني أعرف كيف أحب.
لبستُ وتوجهتُ نحو الغرفة.

* * *

هذا المساء

ستظل قصائدكَ عن الفتيات
تُقرأ حتى بعد خمسين عاما من الآن
قال لي الناشر في الهاتف.

عزيزي الناشر
انك تتحدثُ كما لو أن الفتيات
قد انقرضنَ فعلا.

أعرف قصدكَ
لكن أعطني فتاةً حقيقية
من لحم وعظم هذا المساء
دَعْها تتدحرجُ نحوي علي البلاط

واحتفظ بكل قصائدي
الجيدة
والرديئة
وكل ما سأكتبه لاحقا

نعم أعرفُ قصدكَ
لكن هل تدري ماذا أقصد أنا؟

* * *

وحيدا مع العالم أجمع

اللحم يغطي العظام
ثم يضيفون دماغا
وأحيانا روحا.
النساء يضربن
المزهريات عرض الحائط
والرجال يفرطون في السكر
ولا أحد يجد ضالته،
لكنهم يحتفظون جميعا بالأمل
زاحفين من سرير لآخر.
اللحم يبحث عن ما هو أَنْفَسُ من اللحم.

ليس هناك أي خلاص:
كلنا منذورون لقدرٍ فريد.

لا أحد يعثرُ علي مثيله.

امتلأت المدينة بالقاذورات
امتلأت المزابل
امتلأت الملاجئ
امتلأت المستشفيات
امتلأت المقابر

انها فعلا الأشياءُ الوحيدة
التي تمتلئ.

القدس العرب
2005/03/04