عباس بيضون
(لبنان)

محيي الدين صبحييشق عليّ أن أصادف خبر وفاة محيي الدين صبحي من صفحة الوفيات، وأن أتحراه ملياً لاتأكد من أنه المقصود، وأن لا ينعى احد كاتباً كان في يوم حاضراً مسموعاً. ذلك مصير لا أظن أن كاتباً أو مثقفاً لا يشفق على نفسه من أن يلقاه. وهذه جريرة لا احسب أن مثقفاً أو كاتباً لا يخشى من أن يكون، من حيث لا يعلم ولا يحتسب، شريكاً فيها. شق عليّ لدرجة الخوف أن يغيب الكاتب والمثقف عن السمع والبال ما إن يختفي عن العين. كأن للأثر ولصانع الأثر وجوداً جسمانياً فحسب وحين يغيب جسم الأثر أو صانعه لا يعود له وجود. ذلك أننا عندئذ قد نسأل أنفسنا عن حقيقة ما نسميه ثقافة وما نحسبه صانعيها. بل قد يخطر لنا أن كل ذلك ليس أكثر من لعب ادوار في غياب أصحابها، وأن ما نظنه ثقافة ليس أكثر من التشبه بها، وما نحسبه آثاراً ونتاجات قد لا يكون سوى طبق الأصل. قد يخطر لنا أننا لا نريد حقاً ثقافة وأن الثقافة في واقع الأمر من بعض اجتماعياتنا، وأننا إذا وفيناها ما تستحقه من لياقة افترقنا عنها وافترقت عنا إلى لا معاد.

قرأنا وفاة محيي الدين صبحي خبراً في جريدة. وحين اتصلنا بلغنا أن أصدقاء له لم يعلموا بخبره وأن الرجل مات مكلوماً مهدوداً ولم يجد سوى قليلين ليقيلوا عثرته وفقد العزاء في الغالب واعتزل وانعزل. فليس للكآبة كما نعلم حلفاء، وليس للبؤس صديق.

تلك بالتأكيد لوحة مظلمة قاتمة لكنها ليست فريدة ولا استثنائية. الأرجح أنها مصائر شائعة ميسورة وظلمات على كل طريق. وإن لمن المحزن أن نزيد الناس ظلماً على ظلم وقهراً على قهر فنكافئ بالنسيان آلامهم ونهجرهم حين تهجرهم الغبطة، والمؤسي أنها جريرة لا تستطيع أن نأخذ بها أحداً، وظلم لا نجد له متهما. ولا نستطيع أن ندين المثقفين ولا الثقافة ولا المجتمع ولا الدولة، فذلك عطب انطولوجي لا ندري له أسساً ولا نهاية. انه ظلمنا لأنفسنا ولسوانا حين لا نجد من يظلمنا، ثم إنها إعانة القدر على أنفسنا وعلى غيرنا، ثم إنها في نهاية الأمر حياة بلا سعر وجهد بلا ثمن. ولنقل أن إنهاء محيي الدين صبحي خبراً في جريدة رغم السجال والنزال والكتابة العاصفة والقتال على أكثر من جبهة، لا يشبه فقط محارباً توسده الموت في فراشه، لكنه يشبه حياتنا على أكمل وجه، وهي حياة قلما نعرف أن لها وزناً وحجماً وامتداداً. إن هي إلا هواء طيار وتقليد أدوار ومحاكاة خائبة. ولعلنا نستطيع أن نقول هذا في ثقافتنا وسياستنا وفنوننا أيضاً. لا نجمع شيئاً ولا نواصل شيئاً إنما هي وساوس لا نعرف متى تلقيها الرياح ومتى تطردها الرياح.

كان محيي الدين صبحي منازلاً ولا نحب له أن يموت مغلوباً بلا نزال. وكان من قلة يملكون وجهة ورؤية في نقدنا وثقافتنا. ثم إن جرأته وجسارته حقيقيتان. من أحبه ومن كرهه كان مضطراً لأن يجد فيه محارباً عنيداً. مات الرجل مع ذلك وقد مل القتال والسجال والحياة بكاملها، ساعياً إلى هزيمته بنفسه وبيده. أليست هذه أيضا صورة حروبنا كلها. أليس هذا هو الثمن البائس لهزائم لا نستحقها ومعارك لا تحدث، وسجالات تطير مع الريح.

****

محطة إنسانية نادرة

ليلى عسيران

الدكتور محيي الدين صبحي، رحمه الله، تركنا نحن أصدقاءه في بيروت بالتدريج عندما عاد إلى مدينته المفضلة دمشق. ولعله لم يرد أن يثقل علينا بمعاناته الدائمة، وهي لازمة في عذاب كل مثقف ومنتج عربي في عصرنا العائد هو بدوره، إلى الوراء.
محيي الدين صبحي أحد كنوز الحضارة، نهم في التهامها، ولم يبخل على غيره من مشاركته إياها. وأنا بالذات قد تعلمت منه الكثير، وأدين له بالكثير. فالصداقة التي ربطت بيني وبينه حول فنجان من الشاي كل أسبوع توثقت وتعمقت. لكنه كان يحزنني بقدر ما كان يسعدني باحتواء ثوراتي وانفعالاتي العفوية. لقد كان من المحطات الإنسانية النادرة في هذا الزمن، يكفي أنه كان كريماً في بذله نحو الآخرين الذين أحبهم، غير أنه ظلم نفسه أكثر مما وجب عليه تجاه نفسه.

*******

باقِ ما بقي النقد الأدبي

رياض عصمت

فوجئت بخبر رحيله، فمحيي الدين صبحي من الأشخاص الذين تتوقع أن يعيشوا إلى الأبد. نظارته الصغيرة، ابتسامته الجامدة، نبرته الشامية الشعبية المحببة، لسانه اللاذع وسخريته المرة، كلها أشياء تشعرك بأن الرجل باق ما بقي النقد الأدبي. ترجم أمهات الكتب بدأب مذهل، من دون أن يتقن المحادثة بالإنكليزية. استشهد بأحدث مقالات كبار النقاد من دون أن يدرس في جامعة أجنبية، ربما لينافس صديقه اللدود خلدون الشمعة، أو ليتباهى أمام الساخر دائماً زكريا تأمر. محيي الدين صبحي إنسان عصامي بمعنى الكلمة، لم يسع إلى مجد، ولم تغره هالة الأدب. ولو اختار أن يهادن، لكسب الكثير، لكنه آثر الجرأة والصراحة، وكأنه يكتب للتاريخ، غير آبه بالراهن والآني.
كثيراً ما اصطدم في تهور حتى بناس لا يمكن أن يكون إلا معهم في خندق واحد، وخاض معارك شرسة على صفحات الجرائد والمجلات، ومنهم سعد الله ونوس وهاني الراهب، فانتقد الأول ببراعة وجرأة على مسرحيته (مغامرة رأس المملوك جابر) مظهراً الغاية المغرضة وراء تحريفها للتاريخ، والثاني على روايته (ألف ليلة وليلتان) كاشفاً سذاجة وتعسف نظرة الريفي إلى العاصمة والنساء فيها. لذا، كانت دائرة أصدقائه ضيقة في دمشق، واسعة الطيف في أرجاء الوطن الكبير، نظراً لما قدمه من خدمات جلى للنقد الأدبي، ولما لديه من حضور ثقافي بعيد هناك عن الحساسيات الداخلية والمهاترات الجانبية. وأذكر مرة، وكنت يومها في ريعان الشباب، أنني اصطدمت معه بسبب هجومه على الشاعر الراحل أمل دنقل، ودفاعي عنه. كان ناصرياً إلى العظم، لدرجة انه رفض ما قبل به عبد الناصر نفسه حين أوعز برفع الضيم عن الشاعر، ونشر ديوانه الذي تضمن هجاء لكافور الأخشيدي بما في ذلك من إسقاط. ولكنه دهش عندما أصبحت رئيساً للبرامج الثقافية في التلفزيون السوري، ورحبت باستضافته في برنامج صديقه الأثير عادل أبو شنب، فمشى معي في شوارع دمشق وأزقتها ليلاً وهو يغمرني بمحبة دافئة مشوبة ببعض الندم. سافر محيي الدين صبحي كثيراً، وقضى ردحاً من الزمن في المغرب وبعض دول شمال أفريقيا. تتلمذ على يدي الناقد الكبير إحسان عباس، وأعجب أيما إعجاب بمدرسة النقد الحديث الأميركي، ونال الدكتوراه بعد إنجازات لا تحيجه إليها. تزوج لفترة قصيرة وطلق، جمع قدراً طائلاً من المال، وأضاعه باستهانة، عندما خاض مشروعاً تجارياً فاشلاً لمطعم في عاصمة أوروبية، ولكنه ظل دائماً مخلصاً لدرجة التهور لقضية النقد الأولى وهي: عدم التهاون في المستوى الفني، عدم التنازل عن ثوابت القيم القومية، وعدم التسامح في رأي جريء على حساب خوف أو جشع. واسمحوا لي في رثائه بأن أقول:
إن محيي الدين صبحي لم يتعامل مع النقد بطوباوية، ولم يمنح شخصه هالة براقة، بل تعامل معه بوصفه مهنة عليه أن يجيدها كأي صانع ماهر يمتلك أدواته، ولا يتوانى عن التصريح بأنه لم يكن ليمارسها لولا أنها تدر بعض المال يمنحه المأكل والملبس اللائقين. ومهما اختلف المرء مع الراحل الكبير في التفاصيل، إلا انه لا يمكنه أن ينكر انه من جيل الديناصورات التي سنظل طويلاً نبحث عن بصمات أقدامها في حفرياتنا. ومن المؤلم أن يرحل هكذا في صمت، وكأنه يقول لنا إنه عاش حياته إنساناً عادياً لا يزعج أحدا، وها هو قد تسلل خارج الحياة على رؤوس أصابعه من دون أن يصفق الباب. ترى، هل رحل محيي الدين صبحي بعد ما رآه من خيبة أمل وفواجع تكشفت خلال وبعد حرب العراق؟

****

الغريب

أحمد برقاوي

وهوى كوكب آخر من سماء العرب المتشحة بالسواد. رحل محيي الدين صبحي، المثقف السندباد، الذي عاد من رحلته الطويلة إلى دمشق، ليعلن فيها نهايته ويصرخ منها صرخته الأخيرة.
رحل محيي الدين صبحي واضعا حدا لاغترابه وغربته. غادره روح التمرد الذي طاف به في كل العواصم. وحط به على كل واحات الفكر والأدب والنقد والسياسة.
ولأنه كان روحا متمردا كان مغتربا اغتراب الباحث عن وطن كبير، عن وطن كما يحب هو أن يكون، لا كما أراد له أن يكون الأعداء من كل أنواع الأعداء.
رحل سندباد دمشق الذي حط على كل الأسئلة الممطّة: فلسطين، الوحدة، التجزئة، التبعية، الهوية، الأنا، الآخر. وظل باحثا عن الأجوبة، يعتريه اليأس حينا، وحينا يطل من شرفة الأمل. لكنه لم يصدق يوما أن لا خروج من الظلام، منتظرا ظهور الشمس.
صبحي لم يغادر يوما انتماءه الكلي إلى الأمة جمعاء، الأمة التي أرّقه مصيرها، وأرّقه الحلم بها واحدة موحدة مستقلة حرة وأبناؤها مواطنون أحرار. فمن رحم المشروع القومي ولد، وفي رحم المشروع عاش ومنه غادر إلى العدم.
رحل محيي الدين صبحي الذي كان يخفي خلف ابتسامته الطفلة غليانا داخليا وغضبا عميقا تعين بلغة حارة، وأسلوب تهكم مأسوي، وحدوس صارخة بالحقيقة.
حين استبد به الغضب يوما على حال الأمة، وعيّت الجيولوجيا والانتروبولجيا والكوسمولوجيا جوابا عن أمة العرب وجد التفسير في إحدى نظريات علم الفضاء الكوني فقال: (في كل نجم ثقب أسود، تتكاثف فيه الجاذبية، بحيث تنصهر المادة وسطه، فيصبح مثل البالوعة التي تبتلع بالتدريج مادة ذلك النجم، مهما بلغ حجمه. وتمعنت وتدبرت، ثم أيقنت أن في جسم أمتنا ثقبا أسود.
من يومها ومحيي الدين صبحي يبحث عن هذا الثقب الأسود، ومن يوم أن وجده في الكيان القطري بوصفه أي هذا الكيان سلطة منبتة واستبدادا همجيا وتذررا أنانيا وطغاة تابعين وقهرا للإنسان، أقول: من يوم أن وجد هذا الثقب الأسود لم يكن له شغل سوى الصراخ: الثقب الأسود الثقب الأسود. اردموا هذا الثقب قبل أن يبتلع النجم كله.
هوى سندباد دمشق وهو يرى بأم عينه بغداد تهوي تحت أقدام الغزاة، وبعد أن رأى الثقب الأسود يبتلع بلاد الرافدين.
رحل محيي الدين صبحي الذي عاش أيامه الأخيرة في بيت يقع على سفح قاسيون، عاش وحيدا متوحدا كالسيف، باحثا عن بقايا جذور من صداقات قديمة، عله يقهر اغترابه عن زمن دمشق. لكن الزمن كان له بالمرصاد فحمل روحه على بساط من ياسمين دمشق وطار.

****

عاش مع الأصدقاء ورحل وحده

رضوان السيد

عرفت محيي الدين صبحي العام 1978 في بيت أستاذ جيلنا إحسان عباس أطال الله عمره. كان محيي الدين وقتها يحضر لأطروحة الدكتوراه في النقد الأدبي بإشراف إحسان عباس بالجامعة الاميركية في بيروت. ثم عملت مع محيي الدين في مجلة (الفكر العربي) بين العامين 1979 و1985، عندما توليت تحريرها، وتفرقت بنا السبل بعدها، فذهب إلى باريس والرباط، ثم عاد عبر بيروت إلى دمشق. وظللنا على تواصل إلى ما قبل أسبوعين، عندما زارني آتياً من الشام، وسلمني مقالات لمجلة (الاجتهاد) وصحيفة (المستقبل) واخبرني بمرضه، وانه متشائم هذه المرة بان يموت قبل أن يموت العراق كما قال.
عمل محيي الدين صبحي في مجال نظرية الأدب والنقد الأدبي العربي طوال حياته.
وبرع في قراءة النص الشعري العربي القديم والحديث نظراً وتجربة وجماليات. بدأ مع نزار قباني في الكون الشعري أواخر الخمسينيات، وتابع مع الفيتوري، وانتهى مع البياتي الذي كتب عنه كتابين. لكنه اقبل في السبعينيات والثمانينيات على قراءة النص الشعري العربي القديم وبخاصة لدى المعري والمتنبي وأبي تمام والبحتري. وقد تأثر كثيراً بإحسان عباس شيخ نقاد الأدب كما كان يسميه وبشكري عياد، لكنه ركز بخلافهما على نقد الشعر دون النثر. ثم انه ظل مغرماً بالترجمة عن الإنكليزية في مجالي نظرية الأدب ونظرية الشعر. واهتم في التسعينيات بفن الرواية والقصة القصيرة، لكنه اقتصر في مجالهما على الترجمة دون الدراسة.
محيي الدين صبحي الشامي القح بلهجة الأحياء الداخلية لدمشق في الخمسينيات، والمزاج السمح، سيطرت عليه في السنوات الست الأخيرة مزاجية سوداوية، وبدت في كتابيه الأخيرين عن الأمة والقومية والدولة وتفسير الانحطاط في التاريخ العربي كما قال قناعات قومية قوية، واقتناع في الوقت نفسه بفشل جيله في الوصول إلى شيء، وأسى ويأس بلغا حدود الجحود بكل شيء.
قال لي محيي الدين عندما رأيته آخر مرة وهو يشرب القهوة بتلذذ من يشربها للمرة الأولى: يحيا الواحد منا بجانب المعارف والأصدقاء، لكنه يموت وحده!
رحمه الله ورحمنا معه.

*****

متمرد على كل شيء

ياسين رفاعية

كان خبراً فاجعاً رحيل محيي الدين صبحي رفيق العمر منذ الستينيات. محيي الدين صبحي الناقد والإنسان الرائع الدمث المليء بالخيبات الشخصية والإنسانية والقومية.
لن أقول إن ما حدث في العراق هو الضربة القاضية، لكنني كنت أعرف كم كان حزيناً ومتألماً عندما رأى بغداد تسقط هذا السقوط المفجع.
محيي الدين صبحي وحيد أبويه، ابن مزارع الورد، أحلى ورد الشام، عاش حياة فوضوية لأنه كان يعاني من قلق مستمر، قلق وجودي إن أردنا التحديد. فهو كان متمرداً على كل شيء، متمرداً على كل الوظائف التي شغلها، متمرداً حتى على الحياة الأسرية.
كان يريد أن يعيش منفرداً، على همومه ومتاعبه، خصوصاً في السنوات الثلاث الأخيرة، حيث أصبح مهذباً مسحوقاً، ومدمراً بكل ما للكلمة من معنى.
عانى متاعب القلب. سقط في باريس قبل خمس سنوات ووجد من ينتشله. وسقط قبل ثلاثة شهور في دمشق فنقل إلى المستشفى، وأجريت له عملية قلب مفتوح. ومنذ ذلك الحين لم يعد محيي الدين صبحي هذه الشعلة الأدبية المتوقدة بالذكاء اللماح. وكنت قبل أسبوع هتفت للصديق الكاتب عادل أبي شنب، وسألته عن محيي الدين، قال: كان إلى جانبي في حفل عشاء أقيم على شرف عمر الحامدي الناشط القومي الليبي المعروف، ولكن كان متعباً للغاية.
كنت أظن أن محيي الدين المولود في دمشق العام 1935 ستكون له فسحة أخرى من العمر، لم يخطر ببالي أبداً أن يرحل بهذه السرعة، ليترك ابنتين متزوجتين وابنتين توأمين من سيدة لبنانية كانت زوجته الأخيرة.
سيترك محيي الدين فراغاً كبيراً في مسيرة النقد والفكر القومي. كم كان متحمساً للعروبة والعرب، وكم كان مغالياً في حماسته! ها هو يسقط مع سقوط بغداد... ترى هل شعر بأن الإهانة طالت قلبه إلى هذا الحد. فلم يعد قادراً على الاحتمال؟
وداعاً محيي الدين صبحي العجان.

**********

البدوي الذي رحل خلف صوته

زياد علي

في المرة الأخيرة منذ أيام التقيته بفندق الشام مع بعض الأصدقاء (شوقي بغدادي، كوليت خوري.. وغيرهما) عاتبته على عدم اتصاله، فرد بأنه دخل المستشفى مرة ثانية وأجريت له أكثر من عملية.
لماذا لم تتصل فلا أحد من الأصدقاء يعلم؟
رد بصوت هادئ وكأنه لشخص آخر.. صوت يختلف عن صوته الذي تعودناه بخشونته وقراره وبداوته الرجولية:
إنني لا أريد أن أثقل على أحد، فضلت أن انسحب بهدوء، وسألته:
كيف تقضي وقتك؟
لا اخرج إلا في فترة الظهيرة حيث أذهب إلى مطعم (المرايا) بشارع باكستان لأحضر الطعام وأمكث أغلب الوقت أمام التلفزيون.
حاولت أن أعرف ما إذا كان يكتب أحيانا.
لا.. لم أعد قادرا على الكتابة.. ولا على القراءة، لقد هدّني المرض.
قال عبارته بحزن ليقطع باب المناقشة، وبالنسبة إلى الفكرة التي طرحتها عليه، بأن العزلة ستساعده على كتابة سيرة ذاتية أدبية، هز رأسه مع صوت مضغوط بين الشفتين بمعنى لا جدوى.
كنت أتساءل لماذا لم يتجاوز هذا الصديق موقعه البعيد نوعا، هل لأنه لم يراهن على الأدب فقط.. وهل كان للسياسة خرابها، أم انه تعود أن يكون حيث لا يختار غيره، كان يضع نفسه حيث يريد وأحيانا حيث يتم خداع طيبته، اهتم بصديقه الشاعر عبد الوهاب البياتي واشتغل على نصوصه بجدية أكسبته عداوات، ووقف في وجه بعض الرموز دون أن يحسب للخسارة حسابها، كان شفافا للحد الذي يسهل خداعه، وكانت أفراحه بسيطة، ولا يشعر محدثه بأنه (فهلوي) وكان محبا لأصدقائه يشتغل بجدية متعبة، ولم يهتم لكونه أحيانا يغرد خارج السرب.
هذا هو الناقد الصديق محيي الدين صبحي الذي ذهلت عندما أخبرني الأخ الشاعر عباس بيضون بوفاته، فقد انهالت الذكريات وحضرت المدن العديدة التي جمعتنا، وكان لصوته الجهوري الشامي حضوره وهو يغني طوال الطريق من مدينة فاس إلى الرباط وبفرح صادر فيه سنوات العمر ولم يعانق إلا الطفل.
كان قلب محيي الكبير الذي خانه يعانق هموم الأصدقاء، ويقفل نفسه على لحظات فرحة وخصوصياتها المقدسة. أن قدره أن يعطي ولا يأخذ، وكانت الشام صدفته التي يتمترس داخلها ويعرف كيف يتكيف مع صلابتها، عكس المدن الأخرى، بما فيها طرابلس التي يحتار في بحرها، والدار البيضاء وغواية بناتها وخداع طنجة. وما انتبهت له أن المبدع محيي الدين في أيامه الأخيرة بدمشق لم يعد يأسف على أشياء كثيرة برغم الحنين السريع لومضات خاطفة من الماضي.
عندما ودعنا وانصرف انتبهت إليه عائدا، فأسرعت إليه، همس لي: لقد تركت القبعة، ستجدها تحت الكرسي. أسرعت بها إليه... وأسرع في وداعه وابتسامته، وأسرع أكثر خلف صوته وشفافيته خوفا من فقدانهما.

****

"الغارة الشعرية"
تودع نفسها مع القرن العشرين

رشيد نيني

في مستهل سنوات التسعينات وفي أحد مقاهي مدينة مراكش اجتمع ثلة من الشعراء حول فناجين القهوة للتفكير في إطلاق مجلة شعرية غير عادية. كانت الفكرة تبدو مجنونة وعلي قدر كبير من الدعابة. حول المائدة كان هناك سعد سرحان الشاعر الذي يشاكس اللغة علي طريقته الخاصة وأستاذ الرياضيات الــذي يدرس العميان معادلاته المعقدة، ياسين عدنان الشاعر الذي فاز بجائزة اتحاد الكتاب للشعراء الشباب لديوان أطلق عليه اسم مانكان وأستاذ اللغة الإنكليزية في مجاهل مدينة وارزازات ، هشام فهمي الشاعر العاطل من العمل والمقبل علي الحــياة بشـهية لا توصف والمتسكع بين ديسكوتيكات مراكش ومقاهيها بقصائده ومخطوطاته، طه عدنان توأم ياسين عدنان في الشعر والذي يقيم في بروكسيل ويشـتغل في الصحافة هناك، والخطاط الفرساوي الذي كتب قصائد الغارة بخطه الجميل وقايضنا خطوطه بثمن القهوة!

وكان الاتفاق أن نطلق العدد الأول من الغارة الشعرية، التي ستتحول في ما بعد إلي إشاعة شعرية كبيرة في العالم العربي. الجميع سمع بها أو قرأ إعلاناً بصدور أحد أعدادها في القدس العربي أو بعض المجلات العربية الوافدة من الخارج، لكن القليل فقط من القراء في المغرب أمسك بها بين يديه. اختارت الغارة الشعرية أن تظل مجلة غير قانونية نظراً إلي أنها لا تملك ترقيماً دولياً ولا إيداعا قانونياً، ومع ذلك تسافر بكل حرية إلي صناديق بريد الشعراء في كل الأقطار.

ولعل النقد الذي واجه المجلة لم يحطم الغارة الشعرية كما كان متوقعاً بل جعلها تستمر إلي الآن، علي رغم أن الصحافة الأدبية المغربية فضلت عدم الحديث عنها لاعتبارها مجرد نزوة سريالية لاطفت مخيلات بعض الشعراء الشباب... وهي تخرج علينا مع نهاية هذه الألفية بطريقة مختلفة لمواراة جثة هذا القرن المثخنة بالحروب والمجاعات والأحقاد تحت تراب النسيان.

اختارت الغارة الشعرية أن تحوّل عددها الأخير إلي بطاقات بريدية يكتبها عشرون شاعراً من مختلف بلدان العالم لتوديع هذا القرن. وكتبت البطاقات بالعربية والفرنسية والإنكليزية والأسبانية وأرسلت إلي الشعراء الذين تملك الغارة الشعرية عناوينهم في مختلف بقاع العالم. وأنجز لوحات البطاقات الفنان التشكيلي صلاح بنجكان في شكل يتناغم مع روح القصائد وإيقاعاتها المختلفة.

اختار الشاعر البحريني قاسم حداد الذي تحمس لتجربة الغارة الشعرية منذ أعدادها الأولي إلي جانب سعدي يوسف وآخرين، أن يودع هذا القرن قائلاً: أيتها النار /يا مليكة الوقت /أين أخبئك /والهشيم سيد المكان ؟ .

وبينما يكشف قاسم حداد عن خوفه علي مستقبل النار والملياني عن ذكرياته المتبقية يكشف هشام فهمي في بطاقته في وداع القرن عن نياته الإجرامية قائلاً: سنطلقهم /وسنختار بينهم /من سيأتينا برأس الليل .
ويختار أمجد ناصر الشاعر الأردني المقيم في لندن أن يؤبن القرن بسؤال: لمن إذاً /بيدين أوصلتا الجبابرة إلي البيت /وقدمت المفتاح /تنصب الأيام فخاخها /في ارتفاع المهج /وانقطاع الأنفاس؟ .

وفيما يحلم الشعراء المغاربة بإفراط كبير في النية بإصدار دواوينهم عن دار توبقال أو دار الساقي لا يكلف سعد سرحان نفسه مع نهاية هذه الألفية سوي تمني الموت بأسنان كاملة: لأجلك يا تفاحة الموت /لأجل دودتك النهمة /أحلم أن أموت /بكامل أسناني .

لكن اليائس الكبير بين كل الذين كتبوا بطاقاتهم الشعرية هو ياسين عدنان الذي يعترف أنه لم يعد قادراً علي الحب ولا علي المشي خلف هذه الجنازة المسماة الحياة: سئمتك أيها العالم /سئمت العيش بالتقسيط /سئمت صباح الخير والبرد /والثرثرات الجرداء /سئمت المشي في هذه الجنازة /الفادحة التي تسمي، عزاء، حياة /ولم أعد قادراً علي الحب .

إنها تحية شعرية إلي قرن يكاد يخلو من الشعر. مئة سنة من تطاحن البشرية بالحديد والنار غاب فيها الشعور الإنساني بالجمال والرهافة والحب. هل يمكن أن يفيد الشعر شيئاً خلال الألفية التي نظلّ عليها وجلين؟ إنه السؤال الخطير الذي تطرحه بطاقات الغارة الشعرية ، ويبدو أن السنوات المقبلة ستجيب عنه بوضوح مفترض!

المصدر : جردة الزمان 
08-02-2001