أحمد عبدالمعطي حجازي
(مصر)

أعرف أن التتار الجدد يعملون الآن أنيابهم وخناجرهم في جسد العراق الدامي‏,‏ ويتداعون إليه‏,‏ ويتكأكأون عليه من جنوبه وشماله‏,‏ ويضربونه بالأسلحة التي زعموا أنه يملكها‏,‏ وأنهم جاءوا ليحولوا بينه وأن يدمر بها بلدا‏,‏ أو يهدد بها أحدا‏.‏
والتتار الجدد الذين كانوا سندا لكل طاغية‏,‏ ومددا لكل انقلاب عسكري يمنحهم امتيازا‏,‏ أو يعطيهم قاعدة‏,‏ أو يدخل معهم في حلف يزعمون اليوم أنهم يدمرون بغداد والبصرة والموصل‏,‏ ويمزقون ما سطره الخليل بن أحمد في العروض‏,‏ وسيبويه في النحو‏,‏ وأبوحنيفة النعمان في الفقه‏,‏ وإبراهيم النظام في علم الكلام‏,‏ وبشار بن برد‏,‏ وأبو العتاهية‏,‏ وأبو نواس‏,‏ وأبوتمام‏,‏ وابن الرومي‏,‏ والرصافي‏,‏ والجواهري‏,‏ ونازك‏,‏ والسياب‏,‏ والبياتي في الشعر‏,‏ وشاكر خصباك‏,‏ وفؤاد التكرلي في الرواية‏,‏ وما غني القبانجي‏,‏ وناظم الغزالي‏,‏ ويوسف عمر‏,‏ وما صور جواد سليم والعزاوي ـ التتار الجدد يزعمون أنهم يهدمون الحضارة‏,‏ ويمحون التاريخ ليبنوا من الأنقاض المتطايرة‏,‏ والصفحات المتناثرة‏,‏ والصور المحترقة‏,‏ والذكريات الغارقة في الدموع صرح الديمقراطية‏!‏
والتتار الجدد الذين آووا زعماء الإرهاب‏,‏ واستضافوهم وزودوهم بالأسماء المستعارة‏,‏ والأموال النجسة‏,‏ وجوازات السفر المزيفة‏,‏ واستخدموهم في صراعهم مع أي قوة تناوئهم‏,‏ أو نظام يعتبرونه معاديا لهم بأي وجه من الوجوه‏,‏ يزعمون اليوم أنهم يمزقون العراق‏,‏ ويفككونه‏,‏ ويدمرون وحدته لأنه ضالع مع بن لادن‏,‏ والظواهري‏,‏ وعمر عبدالرحمن في أحداث سبتمبر الأسبق‏,‏ أو يمكن أن يحالفهم‏,‏ أو ينضم إليهم في أحداث جديدة مماثلة‏.‏

ونحن نتابع هذه الحرب القذرة المنحطة‏,‏ ولا نملك أن نوقفها‏,‏ ولا نعرف حتي ماذا ينبغي علينا أن نصنع‏,‏ ولا ندري في أي طريق نسير‏..‏ لا نعرف كيف نواجه أعداءنا‏..‏ ولا نعرف كيف نواجه أنفسنا؟‏!‏
الأمريكان منفردون بالعالم‏,‏ أرضه‏,‏ ومائه‏,‏ وسمائه‏,‏ ونجومه‏,‏ وفضائه‏,‏ فهم الذين يعرفون الخير والشر‏,‏ ويرسمون الحدود الفاصلة بينهما‏,‏ ويصنفون البلاد والعباد‏,‏ فكل من يتبعهم خير‏,‏ وكل من يعارضهم شرير‏!!‏
وهم لا يكتفون بالمخاصمة‏,‏ بل يجعلون أنفسهم خصوما وقضاة وجلادين‏..‏ يوجهون التهمة‏,‏ وينطقون بالحكم‏,‏ وينفذون‏!‏
هل شهد العالم طغيانا أفدح وأنكي من هذا الطغيان؟‏..‏ إن تاريخه حافل بالإمبراطوريات المستبدة والطغاة المستبدين‏..‏ لكن إمبراطورية واحدة لم تنفرد بالعالم إلا في هذه المرحلة السوداء‏.‏

في العصور القديمة كان المصريون وكان البابليون والآشوريون‏..‏ ثم كان اليونان في الغرب والفرس في الشرق‏..‏ ثم كانت روما وبيزنطة‏,‏ ثم كان العرب والصليبيون‏,‏ ثم كان الأتراك والأسبان‏,‏ ثم كانت فرنسا وانجلترا‏,‏ ثم كان المعسكر الغربي والمعسكر الشرقي‏..‏ ثم سقط العالم في أيدي الأمريكان‏!‏

والأمريكان ليسوا مسئولين بالطبع عن سقوط القوي الأخرى التي كان وجودها ضرورة حيوية لتحقيق التوازن وكبح الجماح‏,‏ مع أن هذه القوي الأخرى لم تكن أقل طغيانا أو عدوانا‏,‏ ولكن وجودها إلي جانب سواها كان يفرض علي كل منها أن تقف عند حد‏,‏ وألا تتجاوز كل الخطوط كما يفعل الأمريكيون الآن‏,‏ وقد خلا لهم الجو بسقوط الاتحاد السوفيتي‏,‏ وانقسام الاتحاد الأوروبي‏,‏ والانتظار الطويل الذي فرضه الصينيون علي أنفسهم حتي يستكملوا قوتهم التي لا يريدون أن يدخلوها في مغامرة يعرفون أن نهايتها لن تكون في مصلحتهم الآن‏..‏ فحسبهم أن يأسروا طائرات الأمريكيين‏,‏ ويرغموهم علي الابتعاد عن كوريا الشمالية في هذه المرحلة‏,‏ وبعد ذلك يكون لكل حادث حديث‏..‏ والعالم كله يعرف ما نعرفه‏..‏ ويشهد ما نشهده‏..‏ والدليل هو هذه المظاهرات التي تجتاح مدنه وعواصمه في الشرق والغرب‏,‏ وفي الشمال والجنوب‏.‏
لكن الأمريكيين الذين كانوا يقفون عند حدهم لأنهم يخشون ردود فعل القوي الأخرى حين كانت هذه القوي لا تزال موجودة‏,‏ لا يقفون اليوم عند حدهم‏,‏ لأنهم لا يعبأون بالرأي العام العالمي‏,‏ ولا يعبأون بالشرعية الدولية‏,‏ ولا بالأمم المتحدة‏,‏ ولا بمجلس الأمن‏,‏ ولا بالشعراء‏,‏ ولا بالكتاب‏,‏ ولا بالموسيقيين‏,‏ ولا بالممثلين الذين ينددون بالحرب ويطالبون بالتزام الطرق السلمية في حل المشكلات وإنهاء الصراعات‏.‏

ومع أن الأمريكيين من القوة والقدرة والمنعة والتمكن ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ والأمن والطمأنينة‏,‏ ويمكنهم من النظر في كل مسألة تعرض لهم بفطنة وحكمة‏,‏ فهم يتصرفون بطيش وحمق وهوج وضيق صدر ونفاد صبر‏,‏ فلا يحترمون مبدأ‏,‏ ولا يبالون بنتيجة‏..‏ وهذا دليل جديد بعد ألف دليل علي أن السلطة مفسدة‏,‏ وأن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة‏..‏ لهذا قامت الديمقراطية الحديثة علي تعدد السلطات واستقلالها‏,‏ بحيث يكون التشريع سلطة‏,‏ والحكم سلطة‏,‏ والقضاء سلطة‏,‏ وكلها نابعة من الأمة التي هي مصدر السلطات‏.‏
وكما ينبغي لهذا المبدأ أن يحترم في كل مجتمع قومي‏,‏ ينبغي أن يحترم كذلك في المجتمع الدولي‏.‏

لقد سقطت القوة الأخرى التي كانت تقتسم العالم مع الأمريكيين‏,‏ لكن الشرائع الدولية لم تسقط‏,‏ والمنظمات الدولية لم تختف من الوجود‏..‏ وكان علي الولايات المتحدة أن تلتزم هذه الشرائع‏,‏ وترجع إلي هذه المنظمات‏,‏ لكنها لم ترجع ولم تلتزم‏,‏ فكلام الأمريكيين إذن عن الديمقراطية‏,‏ وحقوق الإنسان‏,‏ وحكم القانون‏,‏ كذب في كذب‏,‏ وهراء في هراء‏..‏
وأنا أصدق تلك القصة التي نشرتها بعض الصحف الفرنسية عن الدوافع الشخصية التي أملت علي الرئيس الأمريكي الحالي أن يضرب العراق مهما تكن معارضة العالم له‏,‏ ومهما تكن حجته واهية أو غير كافية‏..‏ والقصة تقول إن المخابرات العراقية كانت قد دبرت مؤامرة لقتل الرئيس الأب بوش في الكويت سنة‏1993,‏ غير أن المؤامرة العراقية فشلت‏,‏ ونجا بوش الأب‏,‏ لكن بوش الإبن لم ينس‏..‏ وظل يفكر في الانتقام من صدام حسين قائلا‏:‏ لقد حاول أن يقتل باباي‏!..‏ وها قد سنحت الفرصة‏!‏أريد أن أقول إن السيد الأمريكي‏,‏ كما سماه سرجون بولص في قصيدته‏,‏ ليس أفضل من السيد العراقي‏..‏ ليس أكثر منه ديمقراطية‏,‏ ولا أقل منه طغيانا ووحشية‏..‏ كل من هذين السيدين هو الموت الذي سمم آبار العراق‏,‏ وافترس رجاله ونساءه وأطفاله وحاضره ومستقبله‏..‏ وسوف نكون مجرد هتافين في مظاهرة غوغائية إذا لم ندرك أن الطغيان واحد‏,‏ وأن ما جره صدام حسين علي بلاده منذ ظهر في حياتها السياسية‏,‏ ليس أقل مما يفعله بها جورج بوش الإبن الآن‏..‏ بل إن الحرب الحالية هي الشوط الأخير في سباق الموت الذي بدأه صدام حسين بالحرب التي أعلنها علي خصومه السياسيين في داخل العراق‏,‏ سواء في الأحزاب المنافسة أو في حزب البعث الذي انتمي إليه‏..‏ وبعد أن قضي علي خصومه قتلا ونفيا واعتقالا واغتيالا فتح جبهة جديدة مع الأكراد في الشمال‏..‏ وبعد أن جرب في الأكراد أسلحته الكيميائية زحف علي إيران ليدخل مع الفرس في حرب الأعوام العشرة التي لقي فيها مئات الآلاف من الإيرانيين والعراقيين حتفهم‏..‏ ثم لما رأي أن قادسيته انتهت بلا نصر ولا غنيمة‏,‏ وثب علي الكويت ليعوض ببترولها ما خسره في إيران‏,‏ فكانت بداية النهاية التي نتابع أحداثها الآن‏,‏ ولا ندري ماذا نصنع في مواجهتها‏.‏
إننا ندين هذه الحرب القذرة‏,‏ ونندد بمن أشعلوها‏,‏ لكننا لا نعرف بعد ذلك ما يجب علينا أن نفعل‏,‏ لأننا ـ والضمير يعود هنا علي العرب جميعا‏,‏ وعلي المثقفين منهم بوجه خاص‏..‏ لم نقم دائما بواجبنا في مواجهة الأحداث والتطورات التي تؤثر في حياتنا وترسم مصائرنا‏,‏ حتي نفهمها فهما موضوعيا‏,‏ ونواجهها بحزم وفاعلية‏.‏

وأنا لا ألح علي مسئولية المثقفين إنكارا لدورهم‏,‏ أو مداهنة لغيرهم من أصحاب السلطان الذين يتحملون القسط الأكبر من المسئولية‏,‏ وإنما ألح هذا الإلحاح لأني أعرف أن المثقفين هم الركن الركين للديمقراطية‏,‏ وأن ديمقراطية بلا عقل ليست إلا غوغائية تتحول لا محالة إلي طغيان‏.‏
ولقد عرفنا الديمقراطية في مصر وعرفنا الدور الأول الذي لعبه المثقفون فيها‏..‏ ولينظر منا القادرون علي النظر في سيرة الطهطاوي‏,‏ ويعقوب صنوع‏,‏ ومحمد عبده‏,‏ وعبدالله النديم‏,‏ وطه حسين‏,‏ والعقاد‏,‏ وعلي عبدالرازق‏,‏ وسلامة موسي‏,‏ ومحمد مندور‏,‏ ولويس عوض‏,‏ وعشرات ومئات آخرين من المثقفين المصريين والعرب الآخرين الذين دفعوا أثمانا غالية لرأي رأوه‏,‏ أو كلمة جهروا بها‏,‏ أو موقف وقفوه‏.‏

لقد غصت السجون والمعتقلات في معظم البلاد العربية‏,‏ أو فيها كلها بالمثقفين‏,‏ وضاقت المنافي بهم طوال القرن العشرين‏,‏ فمن الظلم البالغ أن يطلق البعض لسانه فيهم‏,‏ وأن يعمم التهمة عليهم‏..‏ وسوف أنهي هذه المقالة بمثل واحد من العراق‏.‏
لقد حول صدام حسين حياة العراقيين إلي جحيم لم ينج منه أحد‏,‏ خاصة المثقفين الذين قتل منهم من قتل‏,‏ وسجن من سجن‏,‏ وفضل آلاف منهم الحياة في المنفي علي الحياة في الوطن‏,‏ ومن هؤلاء الذين نفوا أنفسهم فؤاد التكرلي‏,‏ وهو رجل قانون وروائي مقروء‏,‏ قصد باريس أول الأمر‏,‏ ثم استقر في تونس طوال الأعوام العشرة الماضية‏,‏ حتي قرر المغول الجدد أن يجتاحوا العراق فقرر فؤاد التكرلي أن يسبقهم إلي بلاده حتي يتحمل مع العراقيين ما سوف يتحملون‏,‏ وحتى لا يتهمه أحد بأنه آثر السلامة وترك شعبه بين المغولين‏,‏ مغول الداخل‏..‏ ومغول الخارج‏!‏

(الأهرام)