أصبح لقصيدة النثر التي يكتبها الجيل الجديد من الشعراء شكل نمطي مثلها مثل قصيدة التفعيلة والقصيدة العمودية وفى اعتقادى أن ذلك أفقدها الكثير من مبررات وجودها، إذ من المفترض أنها تشكل فى الأساس ثورة على نمطية الشكل وتقليدية المضمون، لكن المرء إذا أمعن النظر فى قصيدة النثر بتجلياتها الحالية لا يملك إلا أن يقرر وهو مرتاح الضمير أن معظم تلك القصائد التي تنشر فى المجلات الأدبية لا تدل على شاعرها على الرغم من ذاتية موضوعاتها، بل يبدو الأمر وكأن كل تلك القصائد قد كتبها شاعرُُ واحد!
(باستثناء بعض الأسماء القليلة التي أفلتت من ذلك الإطار النمطي ويرجع ذلك لامتلاكهم موهبة حقيقية ولحبهم واحترامهم لكل تاريخ الشعر قي هذا الوطن ولذا جاء نثرهم جميلاً و تمردهم أجمل لأنه لم يكن مفتعلاً).
إن ذلك يذكرني بما قاله لي الشاعر العظيم "فؤاد حداد"_ أثناء زيارتي له فى مطلع الثمانينات وكنت بصحبة الشاعر سمير عبد الباقي الذي طلب منه أن يستمع إلى بعض قصائدي ليبدى رأيه فيها_ فقال دون أدنى انفعال بعد أن أسمعته قصيدة " لقد أصبحت كيمياء الكتابة معروفة للجميع"،
من المؤكد أن شاعرنا العظيم كان يعبر بطريقة مهذبة عن عدم اقتناعه بما سمعه، لأنني اكتشفت بعد تأمل للقصيدة فى ضوء تعليقه أنها تشبه مئات القصائد الأخرى وليس فيها ما يميزها على الإطلاق،
كان علىّ إذن أن أتوقف عن الكتابة لأمحو من ذاكرتي كل تلك الطبقات المتراكمة التي صنعها الكسل والاستسهال الذي يأتي بعد معرفتنا بكيمياء الشعر، تلك الكيمياء التي تحولنا من شعراء حقيقيين نمتلك روح الشعر وجوهره إلى محترفي كتابة، وأعتقد أن هذا مافعله أيضاً الكثير من أبناء جيلي إذ بدأ يخفت صوت قصيدة التفعيلة ومن ثم كانت قصيدة النثر محاولة للانعتاق من أسر العمود الشعري وسطوته ورغبة فى الدخول إلى تجربة الكتابة عارين من كل الأدوات التقليدية من أجل تأسيس قصيدة تؤكد على أن الشكل جزءُُ أصيل من تجربة الشاعر وبالتالي تحرر القصيدة من إطار الشكل الواحد و من ثم يصبح لقصيدة النثر أشكالاً لا متناهية لأن كل قصيدة تصبح مغامرة جديدة،
ما الذي جعل من قصيدة النثر عند هؤلاء إذن عموداً أكثر صرامة وتقليدية من عمود شعر التفعيلة التي تمردت عليه؟
أعتقد أن مرجع ذلك فى الأساس يعود إلى أن معظم شعراء هذا الجيل من النثريين يفتقرون إلى الحد الأدنى من المعرفة بتراث الشعر العربي بل أن بعضهم يباهى بذلك دون أدنى خجل إذ يعتبر أن معرفته بالتراث تضبب رؤيته للواقع، بل الأدهى من ذلك أنهم مقطوعو الصلة بتراث قصيدة النثر ذاتها التي كتبها شعراء عظام كمحمد الماغوط وأنسى الحاج ولذا ترجع قصائدهم دائماً إلى مصدرها النثري فتصبح مجرد انطباعات لا يمكن لها أن تؤسس لشعرية جديدة بل أحياناً تكتشف أنك لا تقرأ شعراً بل مقالاً سمجاً مملاً، علاوة على أن تلك القصائد وقعت فى معظمها تحت تأثير القصائد المترجمة لشعراء الغرب، أي أنها تأثرت بنصوص غير حقيقية فأصبحت" صورة الصورة copy of a copy
لأن النص المترجم لا يمكن أن يطابق النص الأصلي فى لغته وروحه مهما بلغ المترجم من براعة،
من المهم هنا أن أقرر بوضوح ورغم كل ماسبق أنني لست ضد قصيدة النثر بأي حال من الأحوال، بل على العكس تماماً ولكنى أرى أنه لكي تحقق قصيدة النثر مبرر وجودها، ينبغي على كاتبها أن يدخل معركته عارياً من كل الأساليب التقليدية حتى وإن كانت أساليب نثرية شريطة أن يكون قد استوعب كل تلك الأساليب حتى يعرف لماذا وكيف يتمرد عليها،
إذ من الأهمية ألا تتم مصادرة التجربة لصالح اللغة النمطية لأن التجربة الحقيقية هي التي تفرض لغتها بل أن اللغة فى قصيدة النثر ينبغي أن تتطابق مع التجربة تماماً والجمال هنا هو أنه فى قصيدة النثر لايمكن لنا أن نفصل بين الشكل والمضمون ولو حتى من الناحية النظرية لأن مضمون القصيدة هو شكلها والعكس صحيح وتأسيساً على هذا فإن شاعر القصيدة النثرية ليس شاعراً بالمعنى الاصطلاحي ولكنه إنسان لا يمكن أن نميزه عن غيره من بقية خلق الله إلا من حيث قدرته المبهرة على التعبير عما يجيش بنفسه وكأنه يتنفس بشكل طبيعي إذ أنه غير مشغول بنا أساساً- أعنى أثناء الكتابة- وما قصيدته إلا رحلة تعرف على ذاته فى هذا العالم ونحن بدورنا لا نقرأ أشعاره فى إطار مرجعية قوالب أو نمازج سابقة لأن كل شاعر نثر هو عالم قائم بذاته وهو يحاول اكتشاف نفسه وحل معضلة وجوده عبر فعل الكتابة وبالتالي هو لا يدعى معرفة لا يمتلكها.. إنه باحث لاهث عن المعرفة وهو يورطنا معه فى رحلته المعرفية التي تسمى قصيدة من أجل اصطيادنا فقط ونحن نصدقه ليس لأنه يستدرجنا ولكن لأن قصيدته هي التي تستدرجنا لكي نتورط فى معاناته، فى بحثه عن حريته وعن معنى وجوده تلك المعاناة التي قد تشير بمحض الصدفة إلى معنى يتجاوز وجوده إلى وجودنا فنقول:- يالروعة اللغة!
| بينما يصرخ هو فيها قائلاً:- |
| | أيتها اللغة لا تكوني سياجاً حول روحي أريد أن أقول انني مجنون دون أن ينم ذلك عن كمال عقلي أيتها اللغة كوني مجنونة مثلى تماماً. |