محمد سمير عبد السلام
(مصر)

محمد سمير عبد السلامنزعات الاكتشاف الأولى للذات، والعالم ، تنمو فى فضاء الرؤية والشىء المدرك معاً – فى رواية "نوافذ النوافذ" للأديب الأستاذ/ جمال الغيطانى الصادرة عن دار الهلال بمصر 2004م- فالراوى هنا يقيم رؤية للعالم والتاريخ الإنسانى وفق عنصر رمزى، هو (النافذة) وما يتبع هذا العنصر من تحليلات مجازية للوجود الواقعى فى ذاته فالنافذة هى الغطاء المصاحب لتفرد علامات الذات والكون جميعاً، إذ يستحيل التفرد، دون أن تحمل العلامة مدلول النافذة. أما (النافذة) فقد تؤدى إلى الظهور، أو تأجيل عملية الكشف برمتها، إذ إنها فضاء للاحتواء وللفراغ، لأنها سرمدية، وبلا مدلول أحادى، كما تحمل تناقضات الظواهر فى تكوينها الملتبس بين (الأطر والفراغ). إن السارد أيضاً- يقف خلف النافذة ليعاينها فى ذاته فيقف مندهشاً دون أن يدرك سر هذه الدهشة، كأنه يمارس لذة الكشف دون أن يصل إلى الكشف ذاته. تقبع النافذة- إذاً- داخل منظور الذات (العاكس) لتفرد الظواهر والاحتجاب الكامن فيها أيضاً، إذ ليست النافذة مركزاً أحادياً للإدراك، ولكنها عنصر التفرد المؤدى إلى نوافذ وعناصر غير مرئية أخرى فى الذات وعالم الموضوعات. لقد شكلت (النافذة) عالماً من الشخوص والبيوت والممارسات اليومية التى استولت على عقل الأم (المنعزلة)، دون أن تنخرط فيها. إنها الطاقة التى تحقق ممارسة وجودية- فى المتخيل- لأكثر من حدث بسيط فى وقت واحد عن طريق الآخر، فصور الحب تتحقق عبر إشارات فادية وفتحى. أما شتائم المرأة الحلبية وحركاتها تؤسس لأحداث تمثيلية أخرى فى وعى الأم. هكذا كانت النوافذ الأولى مصدراً للرؤية والممارسة وإعادة رسم الآخر فى وعى السارد وأمه.

وتعلو نوازع التحام الذات اللاواعية بالنوافذ فى (نوافذ الفزعات) فنظرات أم نبيل هادئة وغامضة ومقطوعة عن الجسد الواقعى فى لاوعى البطل، كما تحمل دلالات التحول الأسطورى أو المسخ إلى حجر أو كلب أعرج. هل كانت نظرة أم نبيل مقطوعة عن هيكلها الحجرى الثابت؟ أم أنها سر غموض الحجر كظاهرة فريدة؟ لقد استدعى هذا التداخل عند البطل – الامتزاج الكونى الأول واختلاط العناصر وتحللها قبل أن يضعها العقل فى قوالب ومسميات. تثير نظرات أم نبيل أيضاً، ذلك الغموض المصاحب للتقديس البدائى للطوطم أو زعيم القبيلة أو الكاهن، تلك الهيمنة الأسرة للذات وحدودها الزمكانية الضئيلة أمام السر الكونى.

أما المنزل الخرب فذو هيئة ذكورية حزينة صامتة، من احتلال الفراغ لأجزائه. هل هو الغضب الأسطورى القديم؟ أم أنه أسطورة الفراغ وامتلائه بالأعين والنوافذ غير المرئية؟ ألم يشعر البطل- أمامه- بأنه مراقب ومهدد؟. هكذا تخفى النوافذ كوامن اللاوعى فى الواقع، بينما تظهرها فى عقل البطل. ألم تخرج النار من حدودها وتلتهم الشيخ على الجرجاوى فى حادث أسطورى؟ كأنها خارجة للتو من أحلام البطل؟ إننا هنا أمام اختفاء مراوغ للظواهر خلف النوافذ. فدائماً ما يخشى البطل من أن يقع ضمن ما تحتويه نوافذ الظواهر والأشياء مثل عينى أم نبيل والمنزل المنهدم وتمرد النار، فهذا يعنى أنه فى موقع الضحية وما تحمله من دلالات القداسة والقتل فى وقت واحد. ويرى بهذا الصدد (رينيه جيرار) أنه بدون التحويل المصاحب للقتل، تفقد الضحية فاعليتها، أو قداستها، كما يشير إلى قابليتها للاستبدال بين البشر والحيوانات. (راجع- رينيه جيرار- العنف والمقدس- د.ت/ جهاد هوامش وعبد الهادى عباس/ دار الحصاد بسوريا سنة 1992م).

ولكن المؤلف يضيف دلالات جديدة بخصوص من يمكنه القيام بالتضحية وفق عنصر النافذة المتخيل، ألا وهو الظواهر الحية للوجود. وقد يشكك السارد فى الصدق الموضوعى المصاحب لروايته عن حادث غرق قد رآه من استراحة فى مدينة المنيا، فالأهم من معايير الصدق، ذلك التشكيل الفنى والوجودى للصورة واستدعائها لأنين الضحية وعذابها، للخوف اللاإرادى من لا نهائية العمق فى المياه، وندائها الخفى.

وتستيقظ الحواس فى نوافذ (الرغبة) لتعيد بناء ما هو مرئى أو مسموع فى المتخيل، لتعيد الذات تشكيل صورتها وفق الأطياف الصوتية والحركية المتولدة عن الحواس، فتصير جزءاً من منظومتها الخاصة دون تفكير فى المادة الأصلية أو الجسد. هل هو التساؤل حول الآخر؟ أما أننا نحيا دائماً بين الظواهر القابلة للتلاشى؟ لقد استقرت آهة صفية مقطوعة عن سياقها، وتاريخها الواقعى فى وعى البطل، وتطور بناؤها الجمالى ليصير مصدراً لإدراك الأنوثة فى العالم. أما إشارات (نوال) مع اكتمالها الجسدى، فقد قوبلت باحتجاب السارد وإغراقه فى النظر عبر النافذة، وكأن الفضاء يحرر الصورة من ارتباطها بقيود الجسد فى اتجاه حركة الحواس المنطلقة. لم يكن البطل يسعى لمعاينة التجربة إذن، ولكنه يستحضر دون كيشوت ومغامرات الفرسان ليعايشها بحواس جديدة وآثار لصور وأصوات تختلط إبداعياً بهذه المغامرات.
وتصل الطاقة الذاتية المختلطة بالأثر إلى ذروتها عند الظهور المفاجئ للفتاة الراقصة أمام نافذة البطل، فدورانها السريع يستدعى التلاشى والعدم بداخله، أما حضورها المفاجئ أو تمركزها فى وعيه فيحقق فيه نشأة الكون ولذة الامتزاج، فتفجر الرغبة فى صورتها يعادل بناء الوعى الأول فى اكتشافه لحداثة العالم هل هى حاسته الفنية؟ وقد خرجت من إطارها الذاتى؟
لقد تمددت طاقة الفتاة إلى الحد الذى أصبح السارد فيه طيفاً من أطياف الرقصة الكونية، أو نافذة مقطوعة عن المدرك وما تحتوية من ظواهر، إنها نافذة للحواس وحركتها الأسطورية لاغير.

وفى (فوافذ السفر) يعيد البطل قراءة الأصل من خلال الظل أو الأثر المتولد عن حضور غامض يستعصى أبداً على التفسير، فانقطاع نظرة أبيه له أثناء سفره بالقطار، يوحى بتوحد مع الصورة كظاهرة لها وجود ناقص، وسريع التبديل، بينما يظل التواصل مع الأب عبثياً لأنه صامت. كما يقابل حماس الأيديولوجيا اليسارية، وما يصاحبها من حضور قوى للاسم أو التوقيع بظاهرة العصفور الأزرق الذى ينفلت من القوائم المعروفة وثوابت العقل واللغة. إنه يخرج الذات من السجن إلى انفتاح العالم كأنه نافذة للسماء، تسخر من أى أفكار قبلية لرؤية العالم.

وتمتد الرؤى الذاتية للسارد فى اتجاه غير خطى للزمن أو التاريخ الشخصى بذاكرته فى (نوافذ الظهور) و (نوافذ الروح) إذ تصير الذات جزءاً من صور فنية وحضارية فريدة، فالسفر إلى صورة (رمسيس الثالث) فى (معبد هابو) يختلط بالتكرار الإبداعى لصورة الشمس، ويذكر باستدارة الوجود والعالم دون مراحل خطية ثابتة هل هو حضور البعث من ذاكرة تؤمن بالإبداع؟
وفق منظور جديد للذات يمكن قراءة لوحات إدوارد هوبر أو صورة كلب يلهو بسمكة فى البر الغربى. فالذات هنا نافذة مفتوحة تحتوى عناصر اللهو خارج إطار العقل التقليدى، إنها مثل نوافذ (هوبر) الكبرى، الأقرب إلى انفتاح الفضاء والاتساع الممزوج بالوحدة والتأمل.

هكذا ترتدى علاقة السارد بأبيه ثوباً فنياً من خلال شخصيات (هوبر) إذ يظل التوحد أو التواصل مع الآخر، يذكر أبداً بوحدة الإنسان فى مواجهة الظواهر، ففى إحدى لوحاته امرأة عجوز تمسك كتاباً وتتأمل تواجهها فتاة ترتدى لباس البحر وخلفهما النوافذ، كأن النوافذ لم تحقق الكشف، لأنها صامتة ولا تقوى على احتواء الآخر، وفى صمتها تكمن نوافذ أخرى لما تفتح خلف انفصال ظواهر الوجود، ووحدانيتها المتناقضة. وفى (نوافذ مؤدية) يتأمل السارد- نظرياً- الكون بوصفه مجموعة من النوافذ ونوافذ النوافذ إلى مالا نهاية، يصحب هذا التأمل حنين إلى التلاشى أو التوحد بالماء، إلى اختراق الفراغات المقدسة لنوافذ الوجود، حيث تخرج الذات من حدودها إلى الفضاء، وما فيه من صور تحيل إلى نوافذ أو العكس.