أدونيس

- 1 -

أدونيستلتقي «الموالاة» و «المعارضة» في كل ما يتعلّق بالموروث – دينياً، وثقافياً. تتلاقيان، تحديداً، في «لغة» الكلام عليه، وفي «الخطاب» السياسي المرتبط به. فهما، «لغة»، و «خطاباً»، تعملان، في كل ما يتعلّق بالآخر الأجنبي، على إقناعنا بأنه هو، وحده، الذي يعرقل مسيرتنا في اتجاه التغيّر والتقدم. وبدهي أن له دوراً كبيراً في ذلك، لكننا ننسى أنه لا يقدر أن يقوم به إلا باستخدام بعض «المواطنين»، قليلاً أو كثيراً، في شكل أو آخر. ننسى كذلك أن ثمة مبالغة كبيرة في تشخيص هذا الدور. وهي مبالغة تريد أحياناً أن تخيّل لنا أن الاســــتعمار السياسي والثقافي «يسكن» البيت العربي، والعقل العربي. انه هو الذي يخبز، ويُطعم، ويزوج، ويُنجب، ويُنشئ الأسرة، ويبني المدارس والجامعات ويوجهها، ويختار المعلمين والأساتذة. انه هو الذي يخطط المدن، ويُنشئ البلديات، والإدارات. انّه هو الذي يعلّم فنون الرشوة والسرقة والغش والاحتيال. انه هو الذي ينظّم البلاد، ويسوسها. ان هذا كله هو السبب في تخلّف العرب. ان العربي، تبعاً لذلك، بريء من العيب والنـــقص. وأنه مُقيّد، ومظلوم... الخ، الخ.
هذا كله يُوضح أن في هذه «اللغة» وهذا «الخطاب»، إرادة قوية، هي إرادة «الحجب» و «الاجتناب». إرادة «التعمية» و «التمويه». وهي إرادة تعني عدم المساس بالقواعد، والمبادئ، والقيم التي تنهض عليها السلطة العربية الراهنة، والتي يتعذّر أي تقدّم إلا بالخلاص منها، ومن «العقلية» التي تصدر عنها.

- 2 -

هكذا يبدو أن «المعارضة» ليست إلا «فناً» في الوصول الى السلطة، يقارع «الموالاة» التي ليست إلا «فناً» في المحافظة على السلطة.
«السقيفة» و «الخليفة»: أصلٌ يتكرّر حتى اليوم. من أجل السلطة. لا التي تكون في خدمة الإنسان، بل تلك التي يكون كل شيء في خدمتها. وليس الناس سواسية أمام القانون. ووحدة المجتمع مجرّد لفظة. ووحدة العرب مُجرّد لغو.
وتُواصل «الموالاة» حرصها السلطوي على معرفة الجالس وحيداً في ذلك المقهى، ولماذا تُغلَق تلك النافذة أو تفتح في ذلك البيت. فيما تتحول الثقافة الى «قانون» و «شرع»، وإذاً، الى «طقس» آخر في المدح والهجاء.

- 3 -

تواصل المعارضات، كذلك، «تمسكها»، مسلكياً، بذلك الالتباس القائم بين صفتي «اليسار» و «اليمين»، وهو التباسٌ يؤدي الى تداخلهما العملي، على الرغم من تناقضهما المبدئي، بحيث تُصبحان إطاراً للتصنيف، وحتى للاتهام. وهذا مما يذكّرني بحادثة ذات دلالة كبيرة في هذا الإطار. ففي خمسينات القرن المنصرم كنت لا أزال منتمياً الى الحزب السوري القومي الاجتماعي، وكانت لي صداقات كثيرة مع أشخاص شيوعيين ويساريين. وكان بعضهم عزيزاً عليّ جداً، وكنت في تواصل دائم معهم. غير أن الجدران الصراعية بين الأحزاب جعلت بعض القوميين يحرّمون اسمي، بسبب ذلك التواصل، اعتراضاً واتهاماً، فيسمونني أدونيسوف!
وهذه «العقلية» شائعة في صفوف اليسار نفسه. شائعة جداً. فأن تكون لك، مثلاً، علاقة صداقة شخصية مع أحد من مسؤولي دولة يعاديها اليسار، أو بعضه، فذلك يعني في نظرهم أنك صرت من أنصار هذه الدولة أو تابعاً لها. فمن ليس يسارياً – رسمياً، موصوف مسبقاً بالتبعية، لأنه ليس في الجهة اليسارية «العاملة»، ولا يُعد في جهة «الحياد»، لكي لا نقول «الحصانة». أما إن كان هناك شخصٌ يســـاريٌ أو يُعد قريباً الى اليسار، وكانت له حُظوةٌ عند أركان الحكم في تلـــك الدولة نفسها، أو صداقات معهم، مع كل ما يتبع ذلك من احتفاء به وتكريم له، فإن هذا كله يُمتدح، ويُعد كسباً ونوعاً من الانتصار على هؤلاء الأركان أنفسهم! فبأي وصف نَصِفُ هذا المنطق؟
والحق أن اليسار واليمين يشتركان في ممارسة هذه «السهولة السحرية»: سهولة تلوين الآخرين حين يُعادونهم أو لا يرضون عنهم، باللون المناقِض، وتصنيفهم في «الخانة» المعادية.

- 4 -

بدهيٌّ أن المعارضة حقٌ، وضرورة اجتماعية وثقافية. لكن، يجب أن نعرف أن صفة «يسارية» ليست مُنزّهة عن كل خطأ. وأن نعرف بالمقابل أن صفة «يمين» ليست، حتماً، ظلامية. بل إن اليمين الوطني في سورية، مثلاً، الذي حكم بعد الاستقلال كان أكثر احتراماً للإنسان وحقوقه، وللديموقراطية من اليسار الذي جاء بعده. ونعرف أن هناك أنظمة عربية وصفت نفسها بأنها يسارية وساندها اليسار خارج الحكم، ومع ذلك مارست طغياناً شنيعاً في مختلف الميادين. فتاريخ اليسار العربي، قَلّما تنزه عن ممارسة الطغيان، أو المشاركة فيه، أو السكوت عنه. وها هو يزداد الالتباس، اليوم: لم نعد نتبين حدود العناوين الكبرى عندما نجد حزباً يسارياً يتحالف مع حزب يميني، وتجمعات يسارية تتحالف مع تجمعات دينية.

- 5 -

الخلل في اليسار العربي، إجمالاً، يتمثل في أنه يقلّص نفسه في الرؤية السياسية، وإذا حدث لبعض فصائله أن تتخطى هذه الرؤية الى الثقافة، فإنها تنظر إليها بمنظار السياسة. وهي في ذلك لا تحرر الثقافة، وإنما تستتبعها. ولا تفتح لها مجالات البحث، والتجريب، والسؤال، والمغامرة، بقدر ما تُؤدلجها، وتُمَنهجها، وتروّضها، وتُكيّفها، مُخضِعة إياها لضرورات «المرحلة»، و «المناسبة»، و «الظروف»، و «الحاجات». فالثقافة عند هذه الفصائل هي، في التحليل الأخير، وسيلية – وظيفية، تماماً كما هي عند اليمين إجمالاً، وبخاصة اليمين الديني – الأصولي.
هكذا، لا أرى في اليسار العربي معـــنى ثقــافياً، مغيّراً، وخلاّقاً، وإنســــانياً، إلا بدءاً من القـــطيعة الكاملة مع الثقـــافة المؤســــسية، ومؤســــساتها التي تنهض على المــــسلّمات من كل نوع: الديــنية، والقـــومية، والتاريخية.

توكيداً على ضرورة هذه القطيعة، أختتم ببضعة أسئلة أوجهها الى اليسار، هي التالية:

  1. كيف يمكن الفكر العربي أن يحدث تجديداً في ثقافة لا يطرح أي سؤال على الأسس التي تكوّنها؟
  2. كيف يمكن تجديد الخطاب الديني، إذا لم يسبقه نقد للرؤية الدينية الى الإنسان والحياة والعالم؟
  3. كيف يمكن انتاج معرفة جديدة وخلاّقة بالدين، إذا لم يسبقه سؤال حول القيمة المعرفية للدين؟
  4. كيف يمكن الخلاص من الطغيان، وإرساء الديموقراطية، إذا لم نتخلّص من الأسس الأوحدية في الرؤية الوحدانية؟

دون ذلك، أخشى أن تُمــــضي الثقافة العربية «حياتها» كلها في الانتقال من «أصولية» الى أخرى. والأصولية، كيفما «تزيّنت»، وأينما «اتجهت»، إنما هي نوع من «احتكار» الحقيقة. والاحتكار هنا ليس إلا نوعاً من «الاحتقار». ذلك أنه لا يرى في كل ما عداه إلا البُطلان والفساد.

الحياة - 05/04/2007