من بين الكتب اللافتة هذا الموسم كتاب بدر شاكر السياب "كنت شيوعيا" الذي أصدرته دار الجمل بالمانيا. هو مجموعة أوراق نشرها السياب في جريدة "الحرية" البغدادية العام 1959، وتضمنت فصولا من معاركه مع الحزب الشيوعي العراقي بعد أن كان من بين أبرز مثقفيه مطلع الخمسينيات.
والغريب ان تلك الصحائف بقيت طي الكتمان كل هذه المدة، رغم تعرّض الشيوعيين في العراق الى حملات اعلامية مختلفة خلال السبعينيات والثمانينيات وحتى قبلها. تظهر هذه الذكريات اليوم بعد ان أفل نجم الشيوعية، لتكتسب أهمية مختلفة هذه المرة، أهمية تاريخية تخص سيرة رائد الحداثة الشعرية العربية.
هذا الكتاب أوضح صورة السياب المشوشة عند القراء رغم صدور بعض الكتب التي عرضتها على نحو غير دقيق، وبينها كتاب إحسان عباس الأشهر ورسائل السياب التي نظن انها تستكمل في جانب منها أزمنة هذه الأوراق. السياب الذي أرخ ظهوره اللافت دخول ابناء القرى الجنوبية النائية الى الحياة الثقافية، بعد ان كان أكثر المثقفين غير التقليديين من بغداد،فكان شعره المتصل بعواطفه الشخصية، يوحي بأنه نشأ يتيما لعائلة فقيرة وأمية من ريف البصرة. في حين ترشدنا سيرته هذه الى مستوى من التعليم والرقي والمدينية في عراق الخمسينيات حتى في البساتين والأرياف المعزولة. لعل ما نشهده اليوم من عودة الى الوراء في مظهر الناس ومخبرهم في قلب العاصمة بغداد،مايرّجح دوافع المقارنة عند قراءة هذا الكتاب.
يأتي الشعراء والكتاب في عالمنا العربي ويذهبون، وتبقى كتب حياتهم شبه مقفلة، وعلى وجه الخصوص في العراق، حيث رحل الرواد وبعضهم ينتظر، دون ان نعرف عن حياتهم الا الجزء اليسير. والى اليوم يختلف الناس حول المدينة التي قدم منها البياتي الى بغداد، وماهو منحدر سعدي يوسف العائلي، ومن هو جواد علي او علي الوردي ونازك الملائكة وسواهم من الأدباء والمشهورين الذين غادرونا او أوشكوا دون أن نعرف عنهم ماتعرفه الشعوب عن أدبائها.
هذا الكتاب لايدلنا تماما على شخصية السياب الإعتيادية، فهو كتب في ساعات غضب تضفي على ملامح الشاعر الكثير من العتمة والتشوه،ولكنه يقرّبنا من تفصيلات كثيرة في حياته ومزاجه وقيمه التي تضمرها ثقافته أيا كان مصدرها.
هناك ما يدفع الى الاعتقاد بأن السياب في هذا الكتاب كان حزبيا ضيق الأفق وإن غّير مواقع حزبيته، لا لكونه طرح حججا ضد الشيوعيين أكثرها ضعيفة وتقليدية وأقرب الى حكي الشارع، بل لأنه أضاع فرصة فكرية ثمينة لفتح حوار ناضج وموضوعي حول علاقة المثقف بالاحزاب وخاصة الحزب الشيوعي العراقي الذي ارتبط به ومارس العمل فيه أكبر مجموعة من المثقفين العراقيين منذ نشوئه حتى فترة متأخرة.
بيد أن الكتاب وثيقة من وثائق حياة السياب الأكثر وضوحاً لأنه يحوي شذرات من يومياته بخط يده، وهي تتفوق من حيث الأهمية على علاقته بالسياسة.
يتحدث السياب في النص عن حياته عندما بدأ النشاط شيوعياً في سن مبكرة، متطرقا الى بيت جده وأعمامه الفاعلين في تنظيم البصرة، وهو عرض يظهر فيه اسلوب السياب النثري الذي يتسم بالقوة والجمال في مواقع، والضعف والهزال في أخرى. ثم يبدأ مسلسل التعرض الى الشيوعيين وحزبهم ويستند فيه الى مبررات ثلاثة: الأول كونهم لايؤمنون بالأديان، والثاني إباحيتهم الجنسية، وإستخدامهم النشاط الحزبي والنساء المنخرطات فيه لاشاعة الأخلاق السيئة في المجتمع. والثالث كونهم من مناصري اليهود والنشاط الصهيوني ومن معادي العروبة ومروجي الفكر الشعوبي.
ولعل اسلوب عرض الحجج وتطورها يشي بثقافة السياب وتدرجها من المنطق التحريضي البسيط الذي يقوم على التشهير وتلفيق القصص، الى الإسلوب الذي يقترب فيه من صراع الأفكار عندما يعرض رواية جورج أرويل (1984). ولعل هذه الرواية الرائعة التي قرأها بعد نشره الجزء الأكبر من مقالاته، تشير الى مفارقة أساسية في اختلاف المحاجة التي يستعين بها، بين المنطق الأوربي والمنطق العربي. فأرويل في مجابهة الفكر الشمولي عموما وفكر الشيوعيين على وجه الخصوص، يستخدم صورة (الأخ الأكبر) ضمن ترميز الى إسلوب العقائد الشمولية في عبادة الزعيم. في وقت يكيل السياب المديح لشخص الزعيم الأوحد "العبقري" كما يسمي عبد الكريم قاسم، مستثيرا همة الرعاع حيث يعتبرهم جورج أرويل في روايته، أهم أسباب انحطاط العقائد وهيمنة اللامنطق في الدولة التوليتارية. يستشهد السياب بسخرية جورج ارويل من قائمة الممنوعات التي يضعها،بما فيها حرية الحب، في وقت يستخدم هو مخيلة ريفية ساذجة لتصوير الإجتماعات الحزبية على انها حفلات جنس ودعارة. اما علاقة الشيوعيين باليهود والقوميات غير العربية فشهادة السياب في تفاصيلها تبدو لصالح الشيوعيين لاضدهم.فهذا الكتاب إن أخرجناه من إطار البروباغاندا،وأخذناه بعين الجد، من بين الكتب الاكثر شوفينية وتعصبا للعروبة، وتمجيدا للطغاة في التاريخ.
هناك الكثير من الافكار في هذا الكتاب التي كتبت بمداد المزايدات،وبعضها لايتفق مع روح السياب الشعري والبعد الإنساني لأدبه ،فالشاعر الرقيق يعيب على الشيوعيين جبنهم وتخاذلهم امام آلة التعذيب في السجون، وفي كل فقرة يعيّرهم بشعارات السلام. والسياب الذي كان يعاني مرض السل يقول بالحرف عن رفيقه عبد الكريم تويني (ملأت إصابته بهذا الداء الوبيل نفسه بالحقد والبغضاء)، وهو كلام قاله المتحاملون والجهلة عن السياب نفسه.
يسخر الشاعر المأزوم من ديوان عبدالوهاب البياتي (اباريق مهشمة) الذي طبع بمطبعة الثقافة الجديدة مجلة الحزب الشيوعي التي كان يحرر السياب صفحاتها الادبية، فتولاها البياتي بتوجيه من صلاح خالص رئيس تحريرها الجديد. لعل تلك الحادثة وراء طلاق السياب من الشيوعية، حسب ما كتب بعض معاصريه، وبينهم من نسب الأسباب الى ارتباطه بالمجلات اللبنانبة ذات الاتجاه المعادي للشيوعية وبينها "الآداب" و"شعر" التي ظهر من مطابعها أشهر ديوان له إنشودة المطر، ثم مجلة شعر.
سنرى في الكتاب الكثير من الاراء التي تخص الشعر والشعرية، وهي في كل الاحوال لايمكن أن تحسب إلاّ على ساعات الغضب التي كتب فيها مادته،فهو ينكر الشعر عن إيلوار ونيرودا وناظم حكمت لكونهم شيوعيين، ويعقد مقارنة بينهم وبين ت. س. إليوت وإديت ستويل، وهي مقارنة لاتستوي في ميزان الخلط بين الشعر والسياسة.
يبدو السياب في تصديه لشعبوية الشيوعيين وتعصباتهم أكثر شعبوية وتعصبا منهم، ولكن من يطلب من الشاعر أن يتبع بروتوكولات الحياة كما يريده الناس.
المدى-