هاتف جنابي

يُنظر إلينا نحن معشر الكتاب والفنانين والمثقفين المغتربين، سواء من انتمى منا إلى عالم المهجر أو دخل في حدود المنفى، على أننا، على أقل تقدير، أقلية مارقة وخارجة على إجماع الأكثرية. وكأن الثقافة العربية وُلِدتْ ونشأتْ بفضل الإجماع الذي نادى وآمن به الكثيرون في مجال الشريعة والدين. وهذا أحدُ أكبر الأوهام الشائعة في الأوساط العربية.
هناك صفحات مفصلية تكاد تكون بيضاء في تاريخنا الثقافي. إذ يتراءى لي، بأن تاريخنا لم يُكتبْ بإنصاف ومنهجية ودقة، ولم تدرس المجسات والحلقات المفصلية والبواعث النفسية والفكرية الرائدة التي قامت عليها بنية الثقافة العربية برمتها.

مَنْ أنتِ أيتها الثقافة؟ أأنت بناية ومراسيمُ وجوائز ومهرجانات وفرمانات ومديح وهجاء وتصفيق ووو؟ لا، يا سادتي، أنا روح وفكر وعقل ومخيلة وهموم وممارسة إبداعية ومعرفية قبل كل شيء. للثقافة، خصوصا جوانبها الأدبية والفنية والفكرية، صدرٌ وقفا، لكنْ لها قلب وعقل واجتهاد. ما يعنينا في هذا المقام، هو النتاج الأدبي والفني والعقلي المجتهد المؤسس الفاعل.
لعل أهم ما أنتجته فترة ما قبل الإسلام هو الشعر. مَنْ أنتجه غيرُ البداة؟ هل للبدوي سكن دائم ثابت؟ هل خالفت غالبية المعلقات في مطالعها ما سنه أمرؤ القيس من البكاء على الأطلال والتحسر على عالم كانت كلٌّ من العين والذاكرة موطنه، ومن ثم لحق به الزوال والخراب، فأصبحت المخيلة حارسة بواباته؟ ألمْ يصلْ شيخ شعراء تلك المرحلة في رحيله وتيهه إلى بلاد الروم؟ ألم يرحل أحدُ عمالقة شعرائهم طرفة بن العبد إلى البحرين؟ ألمْ ينفَ هذان الشاعران من قبيلتهما وأهليهما؟
إذا كانت الحياة البدوية هي التي أبدعت هذا الشعر، فإن من بين أكثر سماتها طغيانا هي الشعور بعدم الاستقرار والقلق الناجمين عن الترحال، بغض النظر عن أسبابه.
لولا الرحيل والشعور بالقلق والتمرد لما قامت للشعر الجاهلي قائمة.

ماذا كان يمكن أن يكون عليه مصيرُ الدعوة الإسلامية لو لم يهاجر الرسول من مكة وبعض أتباعه إلى الحبشة؟ أسارت الأمورُ على ما سارت عليه بدون تفاني المهاجرين ودورهم في التضحية من أجل الرسالة الجديدة؟ ألم تكن تلك التضحيات والتخفي من أجل أن يكون للغياب المتمثل بالرب وبرسالته السماوية حضور؟ ماذا سيكون مصيرُ الثقافة العربية بدون هذا الاندفاع الهائل لفكرة الغياب قولا وفعلا في الزمان والمكان؟ كيف كان يمكن أن تكون صورةُ الإسلام لولا انخراط المهاجر الأجنبي مسلما أو غير مسلم ومساهماته الفذة في صناعة هذه الثقافة؟

إن ما أنشأه الرحيلُ والقلقُ استورثه الغيابُ ووظفه لصالحه.
ثم، أكانت الدولة الأموية ستقوم لولا هجرة مؤسسيها وروادها من شبه جزيرة العرب إلى بلاد الشام؟ ما الذي سيحصل لو لمْ يُهاجر الحسين بن علي وقبله أبوه وأتباعهم من الحجاز إلى العراق؟ أيمكن الحديث عن التصور الشيعي والممارسة الشيعية بهذا الشكل والحجم كما هو اليوم؟ ثم مَنْ فتحَ بلادَ الأندلس ووضعَ اللبناتِ الأدبيةَ والفكرية الأولى فيها لولا الغرباءُ الزاحفون من بلاد العرب والمسلمين؟

من سيكون المتنبي لولا هجرته من الكوفة إلى حلب، ولولا هاجس الرحيل والقلق والحلم المتواصل؟ لم يكن المتنبي، بدون ذلك، متنبيا بهذا الحجم، ومن كان سيكون أبو فراس الحمداني لولا غربته وسجنه؟ وهل سيكتب مالك بن الريب يائيته الرائعة لو لم يتخذْ قرارا بالرحيل _ إلى بلاد فارس؟ ما كان سيحصل لبقية الشعراء والكتاب والمفكرين أمثال المعري وابن رشد وابن سينا والفارابي وسواهم، لولا رحلاتهم المكوكية المتعددة بين بلاد العرب والمسلمين؟ كيف ستكون صورةُ ابن خلدون لولا عزلته وترحاله هنا وهناك وتغرّبه في الجزائر وبلاد الشام؟ ماذا سنحصل من النفري وزرياب وابن دانيال مؤسس مسرح خيال الظل العربي، لو لم يختاروا الرحيل والهجرة خارج العراق بل حتى المنفى كما فعل زرياب؟ كيف ستكون الظاهرة الصوفية بدون البحث عن ثنائية الغياب والتجلي التي قادتهم إلى اغتراب حقيقي روحيا وماديا. كيف كانت ستكون صورة ثقافتنا العربية لولا حركة الهجرة المتواصلة للشعراء والكتاب والصحفيين والمفكرين العرب، منذ أواسط القرن التاسع عشر حتى يومنا هذا، سواء بين البلدان العربية أو إلى أوروبا وأمريكا؟ كيف يمكننا الحديث عن النهضة العربية الحديثة بدون هجرة ومنفى أهم رموزها؟ متى كان على المسرح الشعري أن يقوم وبأي شكل لولا رحيل ومنفى أحمد شوقي المبكر؟ هل سيكون، أحمد أبو خليل القباني وخليل مطران وأحمد شوقي وطه حسين وتوفيق الحكيم والريحاني وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وأبو شادي وآخرون مثلهم بالعشرات، وفيما بعد، كتاب وشعراء ومفكرون من قبيل كتاب المنفى الجزائري والمغاربي، من سيكون محمد مهدي الجواهري بلا غربته؟ وعبد الرحمن منيف، وغائب طعمة فرمان والسياب والبياتي وبلند الحيدري وأدونيس وسعدي يوسف ومحمود درويش وجبرا إبراهيم جبرا وسلمى الخضراء الجيوسي وأدوارد سعيد والأستاذ والمفكر محسن مهدي وصالح جواد الطعمة ونعيم قطان وعمران المليح والطاهر بن جلون، وأعداد غفيرة مبدعة أخرى سواهم، أقول: هل يمكن أن يصلوا إلى ماوصلوا إليه وهل كنا سنعرفهم أصلا ونقرأ لهم بهذا الشكل لولا رحيلهم وهجرتهم ومنفى قسم معتبر منهم؟

لنطرح سؤالنا بهذه الصورة: كيف كان يمكن أن يَؤول إليه مصيرُ الثقافة العربية بدون هذا الكمّ الهائل ذي الطابع التأسيسي؟ ثم من نكون نحن المجتمعين اليوم في هذا المكان المقدس الذي كان، إلى وقت قريب، خيرة كتابه وفنانيه المعروفين وبعض كبار رموزه، لسانه وعقله، منطلقين من أعماق الغربة والمنفى، أقول: هل يمكننا أن نجتمع هنا، ومن سنكون ياترى لولا فعل الرحيل والمنفى والغياب الذي أخذ قسطا كبيرا من حياتنا؟
بعد تسع وثلاثين سنة من القراءة والكتابة المتواصلتين، قضيتُ معظمها شاعرا مراقبا، مصغيا، متأملا، وباحثا في الأدب والمسرح المقارن وثقافة المنفى والمهجر، تولدت لدي قناعة بأن الثقافة العربية في جوهرها وبنيتها الأساسية، بعد تفكيك مفرداتها وإحالتها إلى مصادرها الحقة، هي نتاج مخيلة رحيل ومنفى وغياب بامتياز. هذه الروحية التأسيسية هي التي وجهت الثقافة العربية ووسمتها بميسمها وهي التي تتحكم في أعماقها ومخيلتها ومسيرتها، وليس كما صورته لنا ثقافة الأقلية المتنفذة المتحكمة طوال كل هذا الوقت، التي فرضت على الملأ تصورها المشوه لواقع الحال. لذا فليس من الغريب أبدا، أن تكون هذه الأقلية هي التي هيأت الظروف المؤاتية لهذا النزيف المتواصل المسمى بالهجرة والمنفى.
نود في هذا الصدد أن نقدم أحد الأدلة الدامغة على صحة افتراضنا، يشمل المنفى في نتاج ومسيرة رواد الشعر العربي المعاصر: ألم يكونوا هم روادنا والأسماء الأولى المجددة التي شقت طريق التجديد والتحديث الفني واللغوي والرؤيوي؟ لقد هربوا بجلودهم لكنهم بعد موتهم أو هرم الأحياء منهم تم توظيفهم بل والسعي لإعادتهم إلى ما يسمى "الصف الوطني" الذي تدعي تمثيله "ثقافة الأقلية" المتنفذة هنا وهناك على امتداد الجغرافيا العربية.

وبعد كل ذلك، أكان يمكن أن تقوم للثقافة العربية والإسلامية قائمة بدون نتاج المغتربين من مهاجرين ومنفيين؟
هذا هو الوجه الحقيقي الصارخ الذي جرى التستر عليه عبثا، لأنه وبعد أن أصبح ظاهرة خارجية تبارى المتبارون في احتوائه، بعد أن فشلوا في لجمه وتسفيهه. على أن هؤلاء الذين تأصل فيهم هَمُّ الرحيل والغربة والمنفى والغياب والكآبة والقلق والانسلاخ والبحث عن الذات هم أكثر صلادة وتشبثا بانتماءاتهم الأولى من ذي قبل. يُطلون على الهاوية فيرونَ ما لايراه سواهم.
* ملخص للبحث الذي كان من المزمع إلقاؤه في مؤتمر الكتاب العرب في المهجر المنعقد في الجزائر للفترة مابين 24-28 حزيران، ولم يقدم نظرا لانسحاب الكاتب منه.

جريدة "المدى"، بغداد 29أيلول/سبتمبر 2007


إقرأ أيضاً: