علي بدر

I

موسى حوامدةالكتابة عن موسى حوامدة، هي الكتابة عن الشعر حين يتجسد في إنسان، في كائن يحيا ويخاف ويرتجف ويحب، ويشعر أن لغته نبوئية طالما تصدرعن الوحي بالمعرفة، أو الحدس بالكلمة، ويشعر بأن لغته إنسانية طالما أنها تصدر عن الاندماج بالواقعي والعقلي معا، ويشعر بأنه شاعر الكلمة، ذلك لأن شاعر الكلمة هو مغامر باللغة حتما، ومقامر بالحياة حتما، وهارب من المعنى حينما يتحدد المعنى خارج الحياة والكيان والوجود.
وفي كل شعره، كما في كل حياته، يسعى في لعبة الكلمات إلى اختزال العالم برمته إلى لغة كلية، أو إلى لغة شعرية، أو إلى دلالات إشارية، أو إلى نص مرمز، ويسعى في الاستعارة إلى تدمير اللغة وتهديمها، من أجل الاقتراب من معنى مضطرب، ومن كلام قلق، ومن مجاز يلمح ولا يصرح..

II

يسعى موسى حوامدة في كل شعره إلى الشعر، وهو سعي الشاعر كما هو في كل شعر إلى لغة لا يكون فيها المعنى إلا تكراراً للمخيلة، ولا يكون فيها الصوت إلا ابتكاراً للكلام الذي تفيض فيه نبراته على صواتاته، ولا تكون فيه الدلالات إلا بخروج المعنى عن العبارة، وبخروج الكلمات عن عن ملكوت الكلام، وهكذا لا تتجسد اللغة إلا وراء اللغة، ولا يظهر التفكير إلا وراء التفكير باللغة، ولا يتحدد العالم بخارجه إلا من خلال داخله، وهكذا نقترب نحن مع الشعر إلى جوهر اللغة، كما تقترب اللغة من جوهرها نفسه، نقترب نحن من القوة الكامنة في نفسها، كما تقترب القصيدة من قوتها وتشكلها، حيث نرى بوضوح العالمَ كله في النص، أو على الورقة المنقوشة بالكلمات.

III

يذهب موسى حوامدة إلى الشعر.. لأنه في الشعر يصبح العالم كل العالم ظاهراً على السطح، ويصبح النزوع إلى إدراك العالم متركزاً على السطح، متركزاً في النظرة الفوقية التي تختزل بلمحة واحدة كل المسافات، أو في النظرة الأفقية التي لا تعي نفسها إلا في مسافاتها المهجورة، ذلك لأن الشعر هنا لا يخترق الأشكال فقط، إنما يذهب إلى الداخل، أي إلى الأعماق، وفي هذا العمق الذي لا نراه إنما نشعر به ونعيشه تتجدد الحياة، في هذا العمق تصبح النظرة ثاقبة إذ يحيّد فيها المحتوى ولا يظهر إلا على شكل كلمات.
إن طاقة المعنى تظهر على الشكل، تظهر على السطح، وهذا السطح المشغول بالمعنى لا تهجره اللغة إنما تتكثف فيه، السطح المهجور هو اللغة الخالصة، كما يقول سان جون بيرس، وهكذا نحن نركض وراء اللغة التي تقودنا إلى الجوهر، جوهر الأشكال حيث يلتهم الشكل صورة المحتوى، ولا يظهر المحتوى إلا في الشكل، حيث يرتكز المعنى الجديد إلى مبنى مكرر، وهكذا تتراكم طبقات الكلام على بعضها:
معنى فوق معنى، وشكلا فوق شكل، وتهرب الصور من الحياة إلى اللغة، ومن الكلام إلى الشعر، ولا يستسلم الشاعر إلا للقصيدة، ولا تستسلم القصيدة إلا لنفسها، وتتحول من انهماك بالكيان إلى انهماك بالإمكان، ومن الوجود إلى الحياة في الوجود، حيث يصبح الوجود كائناً في الشعر، وتصبح اللغة عين الواقع، وتصبح الاستعارة وجوداً مغايراً ومختلفاً، ويصبح الشعر تهديداً مستمراً ومتواصلاً لكل ميتافيزيقيا، يصبح تهديداً لكل هوية، لكل تأريخ، لكل ماهية.
مع الشعر.. تصبح القصيدة عودةً للموضع المهروب منه، عودة للموضع الذي لا يمكننا القبض عليه، عودة للموضع الذي نحن مطرودون منه، أي إلى اللغة.

IV

ما الذي يجعل موسى حوامدة مخلصاً للشعر.
موسى يقترب من القصيدة بوصفها ضرباً من اللغة المتفجرة، ضرباً من اللغة التي تحررنا من الزمن، ومن الوقائع الجزئية للزمن والزمنية، وذلك عبر التماس انفتاح على نوعية من الكلية .موسى يحاول أن يجد في القصيدة نوعاً من المعاش، نوعاً من النظرة التي تتجدد بنفاذيتها واختراقها البارع للأعماق، وتتجدد عبر عبورها لوقائع اليومي والمعاش، لتلتحم اللغة وللمرة الأولى في معناها الأبدي، في معناها المثالي.
يحاول أن يصل بين نقطتين، نقطة الوحي ونقطة المعاش، حيث يخرج فيها تعيين الشيء إلى تجريده، ويخرج تحديد الشيء إلى تضمينه.
يذهب موسى إلى اللغة حيث الوجود العاري للأشياء، حيث الحرية التي تسمح لنا برؤية آثار الوجود في الطبيعة الخلاقة، الطبيعة القادمة من مكان آخر، والتي تكمن في الأصل الملغز لوحدة الوجود، الوجود الملتحم غير القابل للفصل، وهو الشيء الأول الذي يكون عليه انتباهنا.

V

لمذا يتمسك موسى بالشعر:
لأن الشعر تعميق ملغز لاستفهامنا، أو لأنه تعميق ملغز لإبهامنا، أو لأنه صورة من تحول الروح أمام خمودها الأرضي، أو لأنه قدرٌ مألوف لكل من أصيب بهذا الوله الذي لا سبيل إلى علاجه، وجرب الكلمات التي تسير مثل خط، جرب الكلمات التي تخيف، لأنه مأخوذٌ بهذا الحس الذي يمارسه عليه وعي العصور الآسر، هذا الحس الذي لا يتجاوز الحياة حتى حين نختزلها بالسلطة، أو بالدراق، أو بالتفاح، أو بكلب اللولو الأبيض، لا يتجاوز الحياة حتى حين نختزلها بالشغف واللامبالاة واليأس، حتى حين نختزلها بالمدن الماجنة والباذخة، أو بالأسحار الوهمية والحماسات، أو حتى حين نختزلها باللمعان الزائف، أو بالهيجان المهيب، أو بالخواء، هذه الحياة التي نزن إيقاعاتها كعارفين، نزن إيقاعاتها باليد التي ترتفع للتحدي، باللغة التي تتفجر ونحن نلعب في ظلالها حين يسود عالمنا معلم صانع.

VI

مع موسى حوامدة يتقدم الشعر إلينا، يتقدم موسمه مع كل ما تركته لنا السنوات: من ريبورتاجات حية مفتوحة على معنى لا ينتهي، مع الحروب التي جعلت قضيب المرجان يذوب، مع المشاهد المنتقاة لغزل شهواني مبهم، مع نبرة الصوت التي لا تعبر إلا عن الصمت والفراغ، مع النفوس النبيلة التي أرهقتها المداهنات وجرحتها الأعمال القسرية، مع الحب الذي تستخرج منه النفوس كبرياءً ومجداً، مع موسى حوامدة يبقى الشعر مهنتنا، وكذبتنا التي لا نحسن سواها؟
لأن الله خلقنا من كلمة تأكل وتمشي وتخيف. مع موسى حوامدة تكشف اللغة بالشعر عن كل ما هو مهيب في الحياة، عن كل ما هو طقسي، وسري، وجنوني، تكشف اللغة بالشعر عن هذه الخرائب التي توهجها الشمس، عن البحر الذي لا يسمع منه إلا الضجيج، عن هذه الصخور الخفية المبقعة بالحناء، عن الصخور الخفية المرقطة بوحشية كالنمور، عن هذه الكتلة الساقطة من الجذوع، عن هذا الدوار اللذيذ ونحن نذوب بسحر المعدن، عن هذا الرمل الذي يغطي الحلازين والقواقع عند الضفة، عن هذه القبور الضيقة التي ترتعد برعب وذهول.
جاء موسى حوامدة أخيرا في موسم التحليق مع الطيور السائحة، موسم الطواويس التي تحيي النساء بريش مراوحها الملون.
وهذا هو موسم كل شاعر دثر جسدَه بالريش وأدار رأسه شطر الشمال.