محمد حداد
(البحرين)

محمد حداديضعونك في‮ ‬القلق منذ البداية،‮ ‬يلعبون بأعصابك المنهكة كما‮ ‬يلعب طفل بدميته المهترئة‮.. ‬هذا هو سرهم‮.. ‬ففي‮ ‬البداية تظهر أكثر من‮ ‬يد لأكثر من طفل‮ ‬يقومون بتمزيق ورق الحائط كي‮ ‬يفضحوا أسماء الممثلين وطاقم الإنتاج،‮ ‬والموسيقى تشحذ الصورة‮!! ‬بداية مربكة وتفتح الباب للشك في‮ ‬ماهية هؤلاء الأطفال وهل هم الجزء الذي‮ ‬سنتعاطف معه في‮ ‬هذا الفيلم أم العكس؟

فيلم‮ ''‬الميتم‮'' ‬الإسباني‮ ‬استحوذ على أفكاري‮ ‬وأعاد ترتيب تصنيفي‮ ‬لأفلام الرعب والإثارة،‮ ‬إذ‮ ‬يقوم بإنتاجه المنتج والمخرج والمؤلف المكسيكي‮ ‬جويليرمو ديل تورو‮ (‬مخرج فيلم متاهة بان الذي‮ ‬يعرض حالياً‮ ‬في‮ ‬السينما‮) ‬ويكتب نصه السينمائي‮ ‬الكاتب سيرجيو سانشيز،‮ ‬ويخرج الفيلم المخرج الإسباني‮ ‬خوان أنطونيو بيونا الذي‮ ‬يطرق باب الفيلم الروائي‮ ‬الطويل بهذا الفيلم الذي‮ ‬يعتبر فيلمه الطويل الأول،‮ ‬لكنه‮ ‬يحوي‮ ‬من الخبرة الإخراجية ما‮ ‬يؤهله لدخول تصفيات ترشيحات الأوسكار‮ ‬2007‮ ‬لأفضل فيلم أجنبي‮ ‬لكنه لم‮ ‬يتأهل للدخول في‮ ‬الترشيحات الخمسة النهائية‮. ‬مع ذلك فقد حصل على‮ ‬14‮ ‬ترشيحاً‮ (‬ومن ضمنها أفضل فيلم‮) ‬في‮ ‬جوائز‮ ‬غويا التي‮ ‬تعتبر بمثابة الأوسكار الأسباني،‮ ‬وقد حصد منها سبعة جوائز‮. ‬وبعد اجتماع هؤلاء الثلاثة تبدأ لعبة اختيار الممثلين الرئيسيين للفيلم وهم‮: ‬الأم‮ (‬بيلين رويدا‮) ‬والطفل‮ (‬روجر برينسيب‮) ‬والزوج‮ (‬فيرناندو كايو‮) ‬والوسيطة الروحية‮ (‬جيرالدين شابلن ابنة الممثل الراحل شارلي‮ ‬شابلن‮) ‬وهي‮ ‬أكثر الشخصيات رعباً‮ ‬في‮ ‬هذا الفيلم،‮ ‬يظل العنصر الأهم في‮ ‬هذا الفيلم/القصيدة‮.. ‬هو الموسيقى،‮ ‬التي‮ ‬تم اختيار المؤلف الموسيقي‮ ‬فرناندو فيلازكيز كي‮ ‬يكتبها باحتراف،‮ ‬ويضع فيها ما تيسر له من نغمات تعبق بالرعب والإرباك‮.. ‬فهذا الفنان الذي‮ ‬تمرس في‮ ‬العزف على آلة التشيللو مع مجموعة متنوعة من الفرق الأوركسترالية في‮ ‬إسبانيا وخارجها،‮ ‬ما جعله بارعاً‮ ‬في‮ ‬الكتابة اللحنية للآلات الوترية بمختلف أنواعها،‮ ‬ففي‮ ‬اعتقادي‮ ‬إن فيلم مثل‮ ''‬الميتم‮'' ‬يحتاج إلى هذا النوع من الكتابة الموسيقية التي‮ ‬تمعن في‮ ‬إظهار الحالة النفسية للشخص وللمكان في‮ ‬الوقت ذاته،‮ ‬بآلات موسيقية ذات صوت مستمر مثل آلة الكمان في‮ ‬منطقتها الحادة،‮ ‬بجانب التشيللو في‮ ‬حنانه إضافة الى كآبة آلة الفيولا مسنودة بنبض الكونترباص،‮ ‬فالآلات التي‮ ‬تعزف بأقواس،‮ ‬تمكن المؤلف‮ (‬والعازف في‮ ‬الوقت نفسه‮) ‬من تفسير الحالة السيكولوجية من خلال نوع سحب القوس على الوتر،‮ ‬ما‮ ‬يضفي‮ ‬على المشهد شرارة كامنة لا‮ ‬يمكن اقتفاؤها من دون الموسيقى،‮ ‬وقد استلهم فرناندو فيلازكيز موسيقاه من البيئة والموروث الإسباني‮ ‬بكل تفاصيله،‮ ‬لكن دون أن‮ ‬يقع في‮ ‬الخطأ الذي‮ ‬سبقه له مؤلفون كثيرون من إسبانيا وهو إما الإفراط في‮ ‬كتابة موسيقى‮ ‬غجرية بصورتها التقليدية أو اللجوء إلى التغريب الموسيقي،‮ ‬ما‮ ‬يجعل الهوية الإسبانية متأرجحة بشكل مربك لدى المؤلف والمستمع،‮ ‬كما فعل من قبله المؤلف الموسيقي‮ ‬والمخرج المبدع رغم صغر سنه‮ ''‬اليخاندرو أمينابار‮'' ‬في‮ ‬فيلم‮ ''‬الآخرون‮'' ‬الذي‮ ‬قامت ببطولته نيكول كيدمان،‮ ‬لكنه تجاوزها في‮ ‬أفلام أخرى بعد ذلك وقبله،‮ ‬وقلة هم الذي‮ ‬ينتبهون لهذه الإشكالية التي‮ ‬يعتبرها البعض ميزة،‮ ‬ومن المؤلفين الأسبان الذين حافظوا على هويتهم الإسبانية في‮ ‬موسيقاهم المصاحبة للأفلام والمكتوبة للأوركسترا هو‮ ''‬ألبيرتو إجليسياس‮'' ‬الذي‮ ‬كتب موسيقى فيلم‮ ''‬تحدث معها‮''‬،‮ ‬مع أن الفيلم كان من ضمن شخوصه امرأة تمتهن مصارعة الثيران،‮ ‬وهذا‮ ‬يعتبر عذراً‮ ‬جاهزاً‮ ‬كي‮ ‬تتمرغ‮ ‬الموسيقى في‮ ‬نيران الغجر لتحكي‮ ‬نغماتها،‮ ‬إلا أنه‮ ‬يعطي‮ ‬المشهد حقه من الغجرية ويركز على الموضوع الأساسي‮ ‬للفيلم‮ (‬الذي‮ ‬يتجاوز هذا كله‮) ‬وهو من الأفلام التي‮ ‬أسرتني‮ ‬للمخرج الكبير‮ ''‬المودوفار‮''.‬

كان تدفق الألحان الرئيسية في‮ ‬فيلم‮ ''‬الميتم‮'' ‬واضحاً‮ ‬ومكتوباً‮ ‬بأسلوب متناه في‮ ‬الشاعرية التي‮ ‬تشبه شاعرية الموضوع الذي‮ ‬يدور حوله الفيلم بجانب الكادرات البصرية التي‮ ‬اقترحها المخرج بضوئها وظلها اللذين كانا محور المشهد‮. ‬فخبرة فيلازكيز في‮ ‬موسيقى الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة بجانب كتابته مجموعة من الأعمال الموسيقية في‮ ‬صورتها الكلاسيكية،‮ ‬جعلته جديراً‮ ‬بكثير من الجوائز الخاصة بموسيقى الأفلام في‮ ‬محافل مختلفة حول العالم،‮ ‬ويبدو أنه سيتخصص في‮ ‬موسيقى أفلام الرعب بعد كتابته مجموعة كبيرة من الأفلام التي‮ ‬تتناول قضايا مرعبة مع مخرجين من إسبانيا وخارجها‮.‬

طاقم متكامل من العمل المتقن في‮ ‬كل تفاصيله،‮ ‬فنانون‮ ‬يتقنون اللعب على المشاعر بأدوات‮ ‬يافعة وجريئة‮. ‬ومع أن الكلمات لا تسعفني‮ ‬كي‮ ‬أصف المشهد سينمائياً‮ ‬فإنني‮ ‬أعرف أن في‮ ‬هذا الفيلم‮ (‬الأول لمخرجه‮) ‬سيكون نموذجاً‮ ‬لكثير من المخرجين الجدد الذين‮ ‬يصغون بأعينهم ويتركون لآذانهم بقية الحواس‮.‬

الوطن
13 يونيو 2008