(80 عاماً على موت الشاعر الألماني راينير ماريا ريلكه)

نجم والي
(العراق/المانيا)

راينير ماريا ريلكهحجر ابيض كبير، حُفر أمامه صليب من الخشب، أحاط به غصنان صغيران من الورد، أحدهما نما على يمينه، والآخر نما الى اليسار منه. ذلك هو كل ما يشير الى قبر راينير ماريا ريلكه الذي يقع في مقبرة كنيسة رارون. على المرتفع الصغير الذي يطل بعنقه على وادي الرون، ما تزال تهب ريح طرية، قوية تتوزع عند الحدود التي تفصل الوديان الألمانية التي يُطلق عليها "واليس"، عن زميلاتها الفرنسية المسماة "فاليس". هناك عاش ريلكه منذ عام 1921 في البيت الذي ارتفع في القمة مثل فنار، مثل دليل للجوالين في تلك المنطقة. البيت كان أيضاً جزءاً من القصر المعروف باسم "موزيه". المكان هذا، الذي أحبه الشاعر الألماني ـ الذي كتب بالفرنسية أيضاً ـ أكثر من بقية أماكن إقامته المتعددة، والذي اختار أن يعثر فيه ـ حسب ما كتب في وصيته ـ على "مثواه الأخير، بالضبط عند الأرض في صحن الكنيسة العالي الى جانب الكنيسة القديمة"، كان بالنسبة له، خلاصة اكتشافاته الأولى لتلك الأماكن التي شعر فيها "بهبوب رياح الحقول وضوئها". من يزور المكان، لن يستغرب اختيار الشاعر الغريب لهذا المكان، خاصة وأن وادي الرون يقع بشكل كامل بمواجهة الشمس جنوباً، الأمر الذي جعل، حتى اليوم، شجيرات العنب التي تُزرع لصناعة النبيذ (ليس للأكل) تنمو هناك بشكل طليق. المكان يرتفع قرابة 1400 متراً على مستوى سطح البحر. من يزوره، سيقرأ على الحجر الأبيض الكبير الجملة التي اختارها ريلكة شاهدة لقبره، تلك الجملة المليئة بالسرية والمثيرة للدهشة أيضاً: "أيتها الوردة، أيها التناقض الصافي. رغبة، أن أكون رقاد لا أحد تحت كل هذه الجفون".

حياة ريلكة
عندما انتقل الشاب ريلكه عام 1896 من مسقط رأسه، العاصمة التشيكية، براغ (تلك هي شركته مع كافكا)، الى ميونيخ بهدف الدراسة، كان قد انتهى للتو من نشر كتابه الأول: "حياة وأغان"، وكان هذا ديوان الشعر، الذي ضمّ عدداً لا يُحصى من القصائد والأغاني التي سبق له وأن نشرها في الجرائد. قصائد مليئة بالمشاعر، وبالعاطفية، تدور حول موضوعة واحدة: الوقوع في الحب. القصائد الأولى هذه تُعتبر اليوم بمثابة دليل مدهش على تطور ريلكه، وعلى نمو تلك البداية الضعيفة التي تطورت في النهاية الى شعرية عالية النبرة. ربما أراد ريلكه من خلال القصائد تثبيت موهبته الشعرية، أو توجهه الأدبي الذي سيسير عليه لاحقاً، لأن الوالدين ـ الأب موظف في سكة الحديد والأم ابنة تاجر ـ أرادا للولد الوحيد أن يكون ضابطاً، وظيفة أُغلقت أبوابها في الماضي أمام الأب بسبب وضعه الصحي، وشكلت بالنسبة للعائلة علامة يأس دائمة مدى الحياة. في 4 كانون الأول 1875 رأى الطفل رينه ريلكه النور. وعندما بلغ السن القانونية للدراسة، أدخله أهله مدرسة خاصة، لكي تعده في المستقبل للدخول الى كلية إعداد الضباط في "سانت بلوتتن"، وبعدها للمدرسة العسكرية العليا في "ميريشفايسكيرشين". لكن ريلكه وكما كان متوقعاً، لم يتحمل البقاء في المدرسة العسكرية، لأسباب نفسية. هذا يعني، بالنسبة للعائلة، أن شخصاً آخر، فشل أيضاً بأن يكون ضابطاً. رغم ذلك، لم يستسلم الشاعر الشاب في عمله الوظيفي، إنما بدأ رحلة طويلة وحياة تجوال دائمة، قادتاه الى محطات مختلفة: الى روسيا وباريس، الى "المستعمرة" الفنية "فوربسفيده"، وإلى الأهرامات المصرية. كانت خطاه تقوده دائماً للأمام، لتنتهي به أخيرا الى "موزيه"، على مرتفعات وادي "واليس".

رحلة روسيا وكتاب الساعات
سافر ريلكه مع "لو أندرياس سالومه"، العشيقة السابقة لسيجموند فرويد، ومع يأس نيتشوي كان قد طغى عليه في تلك المرحلة من حياته. في روسيا لم تثر إعجابه نزعة الإيمان الروسية لوحدها، بل استفزه الأدب الروسي أيضاً، كما كتب في رسائله التي بعثها للأصدقاء. علينا أن نعرف أيضاً، أن ريلكه بعد هذه الرحلة أولاً، اكتشف للمرة الأولى صوته الأدبي الخاص به. في عام 1905 صدر له الكتاب الذي جعله يشتهر بين ليلة وضحاها: "كتاب الساعات". من الضروري أيضاً هنا، العودة قليلاً، فسلفاً في عام 1900 تعرف ريلكه في "فوربسفيدة"، على النحاتة "كلارا فيستهوف"، التي أثرت على حياته أيضاً. تزوج ريلكه الفنانة كلارا، وولد لهما بعد سنوات قليلة بنت أطلقا عليها اسم "روت". ريلكه كتب الكثير عن إقامته هناك، وعن الجماعة الفنية التي عاشت هناك في "المستعمرة" ما يشبه حياة "الهيبز" (لنتخيل ذلك، في بداية القرن العشرين؟). بعد حياتهما الحرة والصاخبة هناك انتقل الزوجان الى باريس. في باريس سحره منذ البداية النحات "رودان"، والذي كان معلم زوجته أصلاً، لدرجة أن ريلكه لم يتردد في العمل عنده بصفة سكرتيره الخاص.
عام 1910 نشر ريلكه في باريس كتابه المعروف الذي حمل عنوان: "يوميات مالته لاريدس بريجه". عام 1913 أصدر كتاب "حياة ماريا"، ليصمت الشاعر بعد ذلك، عشر سنوات أخرى، لتظهر بعدها "مراثي دونيو". في قصر "دونيو"، عند الساحل الأدرياتيكي وشكراً لصداقة ريلكه مع النبيلة ماريا فون تورن و"تاكسيس هوهينلوهه" عثر الشاعر المتعب صحياً في حينه، على مأوى له، ليقيم عندهم هناك منذ عام 1910. كانت تلك أيضاً أغنى مراحل حياته الشعرية التي أنتج فيها كتابه المشهور "المراثي"، والذي انتهى منه أولاً عام 1922 في "موزيه". بعد ذلك بوقت قصير أصدر "سونيتات أورفيوس". بعدها ساء وضع الشاعر الصحي جداً. كان عليه أن يخضع نفسه للإقامة بالعزل الصحي، رغم أن ذلك لم يمنعه من السفر بعدها (عام 1925) ولمدة شهور عديدة الى باريس، كان يريد التمتع رغم المرض بشهرته الأدبية التي ذاع صيتها في العاصمة الفرنسية. في النهاية، شخص الأطباء مرضه، لكن التشخيص جاء متأخرا للأسف. اكتشف الأطباء أنه مصاب باللوكيميا. بعد مرور أسابيع قليلة من ذلك التشخيص مات راينير ماريا ريلكه، في 29 كانون الأول 1926.

من يتحدث عن النصر
لم يكتب ريلكه في حياته الشعر وحسب، إنما كان معروفاً بكتابته الرسائل أيضاً، خصوصاً تلك التي كتبها الى أصدقائه يصف لهم فيها رحلاته التي لم يوقفها إلا المرض. الرسائل تلك التي تركها بعد وفاته، تحوي قيمة أدبية كبيرة بالنسبة لدارسي أدب ريلكه، قيمة لا تقل عن قيمة قصائده، لأنه سجل فيها انطباعاته عن الناس، البلدان، الطبيعية، عن عصره. ربما كان في بدايته اكثر ميلاً للاتجاه ـ الذي أطلق عليه المختصون بأدبه ـ "الطبيعي"، الذي كان سائداً في زمنه، لكن ريلكه مع الوقت تحول الى شاعر طور اتجاهاً وجودياً واضحاً، لكي يحوز على صوته المتميز الخاص به "عن طريق تماثله الوجداني حتى مع الأشياء" وعن طريق نشره، "مراثي ديونيس" 1923، أكمل ريلكه عمله الشعري الذي جعله يتبوأ أعلى مكانة في الشعر تأريخ الألماني، وذلك ما جعل الكاتب الألماني روبرت موزيل، يقول عنه بعد عام واحد من موته، عام 1927: "هذا الشاعر الكبير لم يفعل شيئاً، أكثر من أن يعمل على جعل القصيدة الألمانية تصبح مكتملة للمرة الأولى في تاريخها. إنه خلاصة قرن من الشعر الألماني، هنا صمت صوت، لامس عن طريق عمقه الكلامي الحساس، وارتباطه الوجداني مع الأشياء، الحيوان والإنسان، لامس عصب عصره". والأكثر من ذلك، ما عثر عليه الكاتب الألماني، غوتفريد بين، في مقطع شعري كتبه ريلكه كمرثاة عام 1900، ليختاره مدخلاً لوصف جيله الذي عاش الخراب: "من يتحدث عن النصر؟ البقاء على قيد الحياة هو كل شيء".

المستقبل
الاحد 14 كانون الثاني 2007