بنعيسى بوحمالة
(المغرب)

رجاء النقاشما من توصيف بليغ للغياب المأساوي لقامة نقدية فارهة من حجم الراحل رجاء النقاش من توصيف الخسارة.. و يا لها من خسارة فادحة. فالأمر يتعلق باسم نقدي وازن بصم، لردح من الزمن، الحقل الأدبي المصري، و العربي، ببصمته المخصوصة و الثريّة و أمدّه بقيمة مضافة و نوعيّة، سيّان من حيث طبيعة الموضوعات و الانشغالات و الأسئلة التي استأثرت بمخيّلته النقدية الحرّة، لكن المقدامة، أو من حيث رشاقة لغته التحليلية و التقويميّة، ممّا تعرب عنه جملة آثاره النقدية التي شملت أجناس الأدب على اختلافها، و كذا ابتكارية المصطلح النقدي و نباهة إعماله في جسد النصوص و المتون التي حازت على حدب هذه المخيّلة فأكبّت على برامجها النصيّة و الجمالية و الرؤيوية و المرجعية بفائق فهم و عميق استغوار.

إن استعادة الذاكرة النقدية العربية الحديثة لن تكون مكتملة، و لا حتى نزيهة، إن هي لم تقترن بالتّنصيص على الدور المائز، القوي، و المنتج الذي كان للراحل في أحد أطوارها المفصلية و الحاسمة، إذ و قد نهض الرّعيل الرّيادي (طه حسين، عباس محمود العقاد، عبد الرحمن شكري..) بإرساء لبنات القاعدة الصّلبة لممارسة نقدية عربية تمتّ إلى روح العصر بصلة، تصوّرا و لغة و مصطلحا و منهجية، ثم و قد انضوى رعيل ملاصق، شكّل محمد مندور واسطة عقده، إلى جهد نقدي تطويري ملموس لمبادئ هذه القاعدة و أساسياتها، فلسوف تنفرز السيرورة النقدية، في تضاعيف المرحلة الناصرية بزخمها الإيديولوجي و احتدادها الثقافي، عن جيل جديد (رجاء النقاش، عبد القادر القطّ، عبد الغفار مكاوي، أنور المعداوي، شكري عياد، أحمد بهاء الدين، عز الدين إسماعيل..) ستكون له، يقينا، كلمته البديلة في الممارسة النقدية، إن وعيا أو أداء، مثلما ستكون لأفراده، كلّ و اعتناقاته الفكرية و مرجعياته المعرفية، القدرة على اتخاذ حرية الاختيار و التناول حافزا جوهريا لأيّما شغل نقدي.

من هذا المنظور يصحّ، فيما نرى، تأملّ المشروع النقدي لرجاء النقاش و تدبّر كلّياته و مستدقّاته، و أيضا مقايسة مدى كفاءة استيعابه لنبض الحداثة الأدبية و قيمتها، بله حيويّتها، كأفق جمالي و تعبيري ما أحوج لا الثقافة العربية و لا الثقافة الإنسانية إليه، على ما يفصح عنه، بهذه الكيفية أو تلك، مؤلّفه "أدباء معاصرون"، على سبيل التمثيل، و سداد حسّه الاستشرافي لمآل أسماء و تجارب إبداعية واعدة و هو ما سيتسنّى له اختباره، على سبيل التمثيل دائما، في المجاميع الشعرية الباكرة لمحمود درويش، ك "عاشق من فلسطين" و "أوراق الزيتون"، و ذلك من خلال كتابه النقدي الجميل و المتألّق "محمود درويش شاعر الأرض المحتلة".

لم تخسر الكتابة النقدية العربية الحديثة اسما فاعلا و لامعا و كفى و إنّما هي افتقدت، بالحريّ، أخلاقية نقدية عمادها الحرية، أمّا أوجه تصريفها فهي الاقتناع و الانفتاح و الحوار و المحبّة، بينما قرينتها قلم رشيق لا يتخلى عن رشاقته، أو خفّته المستعذبة لا فرق، حتى و هو في الصّميم من كبريات القضايا و المعضلات النقدية.