رفعت سلاّم
(مصر)

عزّت عامكان الوقت غريباً، كانت القاهرة تفيق رويداً من صدمة النكسة الهائلة. لكن الصدمة كانت قد بذرت روحاً جديدةً رافضة وناقدة لدى الجماعة الثقافية والأدبية. كان الشارع قد شهد - عام 1968- تظاهرات رافضة للمحاكمات الهزلية لقادة النكسة، ويشهد بعد سنة من صدور الديوان تظاهرات الجامعات المصرية ضد المماطلة - في عهد السادات - في تحرير سيناء المحتلة. تنظيمات سياسية سرية يسارية، وجماعات أدبية، ومجلات مستقلة، وجيل جديد من الأدباء سيعرفون – في ما بعد - بجيل الستينات، وخصوصاً في القصة والرواية.

لكن قصيدة «التفعيلة» تواصل فتوحاتها - في ذلك الحين - مع فرسانها الظافرين (أهمهم صلاح عبدالصبور وأحمد عبد المعطي حجازي)، وبدايات صاخبة ومبشرة لعفيفي مطر وأمل دنقل، بعد أن انهزم الغرماء التقليديون. هي -شعريّاً- لحظة الزهو بالانتصار، وتأكيده بالقصائد الجديدة المتوالية، التي تكتشف كل يوم أرضاً غير مسبوقة، مع احتلال شعراء التفعيلة صدارة المشهد الثقافي والإعلامي.

في تلك اللحظة بالتحديد، وخارجها في الوقت نفسه، يصدر ديوان «مدخل إلى الحدائق الطاغورية» لعزت عامر، أول ديوان لقصيدة النثر في تاريخ قاهرة المعز، (1971)، باعتباره الإصدار الأول لجماعة «كتاب الغد» الأدبية اليسارية. يتضمن التعريف المطبوع بالشاعر أنه يكتب الشعر منذ عام 1960، فيما ينشر قصائده في جريدة «المساء» والملحق الأدبي لجريدة «الأخبار» ومجلة «غاليري 68»، وله ثلاثة دواوين تحت الطبع.

يقدم البيان الافتتاحي للسلسلة الذي يتصدر الديوان رؤية كتاب «الواقعية الاشتراكية» - أعضاء الجمعية - للفن؛ الرؤية الشائعة نفسها في ذلك الحين لهذا التيار، على رغم نفي البيان انتماء أدباء السلسلة إلى «مدرسة فكرية واحدة». فـ «الشاعر لا بد من أن يحتضن الخلق الفني عنده موقفاً والتزاماً»، باعتباره «الشكل الخاص لاستجابة حساسيته الفنية للأوضاع الاجتماعية»... ويقدم إبراهيم فتحي - المنظّر الأدبي للجماعة - قراءة نقدية في الديوان، لا يلفت النظر فيها إلاّ عدم الإشارة - مجرد إشارة - إلى أن الديوان يقوم على «قصيدة النثر».

لكن قصائد الديوان تتصادم مع هذه الرؤية «الاستعمالية» للفن، لتقدم قصيدةً تنفي الخطابية- أداة التواصل مع «الجماهير»- وتدير ظهرها لآليات وطرائق «القصيدة الثورية» لتلك الحقبة: الشعارات السياسية، المباشرة، الوضوح، اختيار القضايا السياسية والجماهيرية، الهجاء السياسي... فالعالم المهيمن في الديوان هو عالم «الداخل» الذاتي المتضارب، المتشابك، المتحول أبداً، بلا صدام أو عنف؛ عالم يمزج الأسطورة ببراءة الطفولة، بمشاهدات العين البصيرة الموجهة إلى الداخل، لا إلى الخارج، بشخوص الحلم الرهيفة؛ عالم ذات تسائل الكون والوجود ببراءةٍ الأسئلة الأولى الجوهرية، والبسيطة، دون انتظار إجابة، وتبدي دهشةً طفوليةً إزاء الأوضاع الصادمة، أو التناقضات الكائنة، أو العجز عن تحقيق الحلم.

لا رسالة عمدية، ولا أفكار ذهنية تأملية، ولا دفع للقارئ إلى اتجاه بعينه. فالقصيدة أقرب إلى البوح الحميم بالسري، بالمكتشف، أو بالدهشة المفاجئة. ليست موجهةً إلى قارئ، ولا إلى أحد، بقدر ما هي موجهةٌ إلى الذات نفسها، كمناجاة سرية داخلية، بلا صوت أو صخب.

لغة بلا زخارف أو نمنمات إنشائية. هي اللغة المبنية على أسلوب «نشيد الإنشاد» وأسفار العهد القديم، ببساطتها وبراءتها الأولية وربما بدائيتها المدهشة. لا مرجعية قاموسية، ولا تراثية عربية. لغة شفافة بلا معاظلة، مدهشة البساطة، حتى المفارقة؛ بلا صدام مع اللغات والمرجعيات. لا طنطنة ولا بلاغة بالمعنى التقليدي. لغة سردية، وصفية، سلسة بلا تعقيد ولا معاناة، هي اللغة التي ستشهدها قصيدة النثر المصرية منذ منتصف التسعينات.

ولأن اللغة كذلك، فهي لا تصلح للإلقاء بقدر ما تصلح للقراءة الفردية، الشخصية فلا قافية- بطبيعة الحال- ولا وزن؛ والإيقاع ليس صوتيّاً، خارجيّاً، بقدر ما هو إيقاع «الحالة» الشعرية، النفسية، الخيالية، الذي يفتقر إلى أية معيارية. كأنها قراءة «سرية» لبوح حميم، خصوصي، غير قابل للإعلان، وهو ما يضرب ضرورة القصيدة التقليدية - العمودية والتفعيلية - القائمة على افتراض المخاطبة العلنية لـ «المشترك» بين المتلقين الحاضرين في مواجهة الشاعر.

وتقوم الصورة الشعرية - الممتدة في بضعة أسطر- على المفارقة بين أطرافها وعناصرها التي تتخذ طبيعة غير مألوفة في شكل تقريري كأنها هي الطبيعة الأصلية لها: لي حافظةُ أوراقٍ وشجرة سنْط.../ وحقْلٍ ينْتهي ببوار.../ صادقْت قاطعي الطّريق والنّجْمة تلْمع.../ وتركني الْجميع والشّمْس منْطفئة.../. النّجوم على جبْهة حبيبتي نقوشٌ خضْراء.../ وريش الْبطّ أخْضر../ فهل أعيد توْزيع الألْوان.../ أم أتْرك ذلك لعصْفور الْجنّة./

قصيدة مضادة للخطابية والإنشاد والاستخدام غير الشعري، خارجةً على السياقات المألوفة والسائدة، لتخترع لها سياقاً منفرداً بلا بيانات ولافتات صاخبة. قصيدة تعلن- من داخلها- أنها بلا أب، ولا تبحث عن مشروعية من خارجها، بلا تبريرات أو ذرائع. ويلفت أن الشاعر لم يكبد نفسه عناء كتابة مقدمة لنصوصه - على نحو ما فعل أنسي الحاج في «لن»- تكشف منطلقاته ورؤاه الشعرية، وترك المهمة لمنظّر اليسار والجمعية لكتابة قراءة تقليدية «يسارية» للديوان، بلا أية خصوصية للتجربة الفريدة، آنذاك.

هكذا سقط الديوان الفريد في مفترق طرق خارج السياقات القائمة: خرج على القصيدة «التفعيلية» الظافرة، بالضبط في لحظة انتصارها التاريخية، فلم ينتبه إليه أحد من رعاة «التفعيلية» المنتشين، أو استنكره في صمت وازدراء، ونفاه خارج المشهد الشعري بلا كلمة؛ وخرج - في الوقت نفسه - على متطلبات القصيدة «الثورية»، فلم يبذل أعضاء الجماعة التي أصدرته عناء الترويج له أو لشاعره، حتى في الأوساط اليسارية.

وبعد سنوات، يصدر عزت عامر - على نفقته غالباً - ديوانه الثاني «الحجر الصغير». لكن الديوان الجديد سيلفه الصمت أيضاً في ظل الصعود الصاخب، الهجومي- آنذاك- لمن يسمون «شعراء السبعينات»، ونبرتهم المتصادمة الحادة في القصيدة والمقالة والندوات المختلفة؛ وفي ظل صخب سياسي يتصاعد عنيفاً في اتجاه حادث المنصة الشهير. مناخ لا يسمع الأصوات الهامسة، على استحياء أو وجل.

لكنه أول ديوان مصري لقصيدة النثر، على رغم أن البعض، بحثاً عن أية مشروعية سابقة لها، استخرجوا في الزمن التالي، أعمال حسين عفيف المكتوبة في الأربعينات والخمسينات، وأحالوا إلى نثر أمين الريحاني أو جبران خليل جبران والمتصوفة، خالطين عن لا وعي، بين ما يعرف، في التراث الأدبي العربي، بـ «النثر الفني»، كشكل من أشكال «النثر»، وقصيدة النثر، كشكل من أشكال الشعر. لكن شعراء قصيدة النثر المصريين- القادمين في مرحلة تالية - لن يدروا بالديوان، ولن يكون مرجعهم الشعري! وتلك إحدى المفارقات التاريخية.

الحياة
28/03/2008