محمد بودويك

تُجَمَّعُ النصوص الأدبية شعرا أو قصصا، وتوضع في مختارات أو مصنفات أو مصطفيات أو منتخبات أو أنطولوجيات، وَهَلُّمَ تسميات، ونعوت وتوصيفات، بهدف أن نقرأها ـ نحن المتلقين ـ أولا، ويقرأها الأغيار إذا ترجمت إلى اللغات الأخرى الحية، ورحلت إلى الجغرافيات البعيدة، والأراضي النائية أو القريبة.
ثم ـ ثانية ـ بعد أن يتم التفاعل معها، وتتحصل اللذة والفائدة منها، يصار إلى متابعتها تحليلا وتفكيكا وتقييما و«تقويما» في أقل المناسبات.
وثالثة، للوقوف على ما حققتها آدابنا المختلفات ذات المشارب المتنوعة من جميل الفتح، وبديع الإضافة، ودهشة الاجتراح في أفق معاورتها، ومداورتها، والاحتفاء بها إنْ هنا أو هناك. وفي هذا ما يطفئ الغلة، ويشبع الجوعة إلى التعريف والتعارف، والتثاقف، والتلاقح، وتبادل المستجدات، والخبرات، والفتوحات الإبداعية على مستوى المنابع اليابسة إذا انحدرت من الصحارى، والمنابع البليلة الندية إذا جاءت وتحدرت من الأمصار المتاخمة للماء: للبحار والمحيطات، والجزر والأرخبيلات.
لكن، ما نعرفه، والأسى يأكل قلوبنا، والكَمَدُ يعتصر أفئدتنا وعقولنا، هو أن آدابنا مشرقا ومغربا لا تُسْتَقْبَلُ الاستقبال المتوخى، ولا تُتَلَقَّى التلقي المنشود، ولا يرحب بها في الأوساط اللغوية والثقافية الأخرى التي تهاجر إليها، وتحل عليها ضيفا «ثقيلا» فيما يبدو.
فكم من شعر مغربي تُرْجِم إلى اللغة الفرنسية، والإنكليزية، والألمانية (وهو قلة) والإيطالية، والإسبانية، و«التركمانية» و«البنغالية (أي نعم !)»، ولم يَحْظَ بالمتابعة والانتشار، والتحقيق، والتصديق وإنْ سَلْبا، وإظهارا لعورة، وتهافت ما.
ماذا كانت أصداء الآداب المترجمة في ما وراء البحار؟ وهل احْتُفِيَ بها الاحتفاء المطلوب والمرغوب والمحسوب؟ ومتى؟ وأين؟ وهل انتشرت «رائحتها»، وسرى «ضَوْعُها» بين الباحثين والأساتذة والطلاب الغربيين؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم نقرأ مقالات حولها ـ أو في أقل طمع ـ تعريفا صحافيا بها، تكشف عن «إضافاتها»، وجمالها، ونوعيتها، و«افتتان» القراء بها؟
أخشى أن أقول أن الأمر لا يعدو الترجمة الإخوانية، ولا يتعدى فضل الصداقات العابرة التي تنشأ من استضافة بعض المغاربة لِشعراء وروائيين، أو بالقفز وإحكام القبضة على مناسبة ما: كالمعارض الدولية والعربية التي تقام في المغرب، وفي السعودية ومصر ودول الخليج والجزائر وتونس وأوروبا وفرانكفورت بألمانيا. أو تنظيم لقاء «مخدوم» للضيف الأدبي الحَالِّ بالبلاد، مع جمهرة داخل مدرجات الكليات، أو مع حفنة محدودة ومحسوبة. كل ذلك بغاية الإفادة من ترجمة لعمل أدبي يُدْخِلُ صاحبه (صاحبته) العالمية والكونية، في حين لا يقرأه إلا القلة، ثم يُطْوى على سره، وسكتته الفجائية، ثم موته.
أَرُوني أنطولوجية شعرية عربية، أو مغربية، سافرت في اللغة المستقبلة، وشَهَرَتْ لغتها الأصل، وأدب كاتبها، وثقافة بلاده وحضارته؟
فحتى الشاعران الكبيران محمود درويش، وأدونيس على شهرتهما التي طبقت الآفاق، وجلال قدرهما الأدبي، لم يترجما الترجمة الكافية، وينتشرا في اللغة التي تُرْجما إليها، واسْتُقْبلا فيها؟ ما يقود ويُفَضي إلى السؤال الحارق: كم عدد قراء أدونيس ودرويش في الغرب وأمريكا وآسيا وأستراليا وإفريقيا، بل وعلى صعيد العالم العربي؟
أدبنا مُنْزَوٍ، مَرْكُونٌ، ومنكمش لا يبرح عقر داره، وعتبة بيته، على رغم ادعاء المدعين، وافتراء المفترين، وزعيق الكذّابين، وضجيج الطبالين؟ ومع أن نجيب محفوظ حاز جائزة نوبل الذائعة الكونية، والذي كان من المنتظر والمفترض أن ترفع آدابنا وفنوننا إلى الذروة إلى العالمية، فتسري في جنبات الكون، وتسافر في كل الدنيا، فإن رواياته بالكاد انتشرت ضمن حدود مرسومة، وفي فترة زمنية محدودة، لتنطفئ، كأنما بردت أطرافها وأوصالها ومن ثَمَّ دخلت البيات الشتوي الذي طال واستطال.
وإذاً، علينا طرح السؤال الذي لا مناص من طرحه:
لماذا أخفقنا في إيصال آدابنا وفنوننا وموسيقانا، و«عبقريتنا» و«نبوغنا» التاريخي، إلى الآفاق، والجغرافيات، واللغات، والثقافات الأخرى؟ أين يكمن السبب؟ أفي اللغة العربية «المكروهة» لأنها تستدعي ضمنيا وعلنيا ـ في واعية الغرب ـ النص العربي الأول الذي هو القرآن الكريم؟ أم في تأخرنا التاريخي، والعلمي، والفكري، والسياسي، والاقتصادي، والثقافي والإنتاجي؟
أم في ما آل إليه وضعنا الراهن، أو فرضه علينا، وَطَوَّحَ بنا إليه، السفهاء منا، من «إخواننا» في الدم واللغة، والملة، والعقيدة والدين؟ الذين صاروا يهذون ويُخِرّفُون بوجوب إقامة دولة الخلافة الإسلامية المنوط بها، في الغيب والميتافيزيقا، تحرير العالم من «الشر المستطير»، والبدع، والكفر البواح، والفسق المستشري، والزنا المعمم، والسفور الفاضح، والتهتك، والفجور، والعري النسائي المستفز لضعفنا، وفائض شهواتنا، ودافق تلمظنا وهياجنا؟
بالإمكان القول إن الأسباب المذكورة مجتمعة، متآلفة، متشابكة، هي ما عمل على «إبعادنا» عن مسرح الدنيا الذي يتناوب عليه ـ اليوم ـ علماء من مختلف التخصصات، ومفكرين، وفلاسفة، وأطباء، ومخترعين، ومناخيين، وجغرافيين بيئيين؟
وهنا يثور سؤال آخر: هل كنا «تَرْجَميا» في وضع أحسن في الماضي، والفائت من السنين والتواريخ؟
نعم، ولا، إذ أن الفلسفة الإسلامية أصبح لها لسان ووجه وحضور بفعل الترجمة الحية المتحركة ـ ذهابا وإيابا ـ من السريانية واليونانية والفارسية والهندية، ما ساهم في التنشيط الثقافي، والتلاقح الحضاري، والمثاقفة العلمية، وسريان الجهد المبذول المشترك في شرايين الفكر العربي، وباقي العلوم من آلة وهيئة، وميتافيزيقا، و«لاهوت».
وكانت صلة وصل، وواسطة ذهبية بين العقل اليوناني ـ الروماني إلى حد ما، والعقل الأوروبي القروسطي الذي طفق يتململ، وينفض عنه نُشَارَةَ التعصب الديني، وقشور الإقطاع الخمولي الذي غَلَّ قَدَم أوروبا زمنا طويلا. ولنا في ابن رشد، المثال الساطع الذي لا يعتريه شك ولا خلاف.
فنهوض العالم العربي ـ الإسلامي كان نهوضا مركبا قادته الترجمة، والاغتراف، وصهر العلوم في بوتقة الحراك الثقافي العام الذي عَمَّ الحواضر الإسلامية، وأطرافها بَعُدَتْ أو قَرُبَتْ بشكل أو بآخر.
وحتى النهضة العربية الحديثة التي عرفها القرن التاسع عشر، وعقود ممتدة ومتواصلة من القرن العشرين، إنما ساهمت فيها ـ بصورة قطعية ـ عملية الترجمة على يد المُبتَعثين إلى أوروبا. ومعنى ذلك أن الخمول، والقيود التي رَانَتْ على آدابنا و«علومنا»، ردحا طويلا من الزمن، اعتبر معه التململ، خروجا عن إجماع الأمة والجمهور، وأضحى معه الاجتهاد بدعة وضلالة، ومروقا، وهرطقة، وزندقة.
لكن، هل تُرْجِمَ رواد النهضة العربية إلى لغات الغرب، وتحديدا إلى الفرنسية والإنجليزية، ما دام أن البعثات الطلابية لم تُجَاوِزْ باريس ولندن ونيويورك وبُوسْطنْ، والبرازيل (إلى حد ما)، وإن كان الاتحاد السوفييتي وألمانيا قد حَضَنَا بعض المثقفين العرب تاريخئذ، غير أنهم نَزْرٌ يسير لا يُعْتَدُّ به، وإلا كيف نفسر جهلنا التاريخي بالفلسفة الألمانية وآدابها وموسيقاها الباذخة، والآداب السوفياتية شعرا ونثرا وسردا وأنواع موسيقاها وتاريخها وحضارتها؟
هو تخلف وتأخر نَجُرُّهُ كما جَرَّ بروميثيوسْ قيوده وأغْلاَلهُ في رِجْليه، عبر أزمنة عديدة ومديدة، ومن علائمه البارزة وأماراته البادية عدم احتفاء الغرب وأمريكا وآسيا وإفريقيا بآدابنا وفنوننا، وموسيقانا. وينسحب الأمر نفسه على فكرنا الفلسفي، هذا إذا كان لدينا فكر عقلاني، وشأن فلسفي يذكر، إذ الأمر أعسر وأعقد من أن نجازف بالقول: إن لدينا فكرا فلسفيا أو فلسفة بالأحرى؟ إن ما يشار إليه ـ أحيانا ـ من وجود فلسفة عربية، إنما يكون من باب جبر الخاطر، ودغدغة الكبرياء المهزوزة، وواجب إكرام الزائر أو الضيف العربي في بلاد فولتير أو شكسبير أو هيدغر، بحسب البلد الذي هو فيه، ليس غير. وإلا، فَدُلُّوني على مكانة عبد الله العروي الفكرية، والاحتفاء بأطاريحه، واجتهاداته في الغرب؟ أو على مكانة محمد عابد الجابري، أو علي أو مليل، أو محمد المصباحي، أو عبد الرحمن بدوي، أو فؤاد زكريا، أو زكريا إبراهيم، أو جورج طرابيشي أو عبد الكبير الخطيبي، أو طه عبد الرحمن، مثلا؟
أقصى ما يمكن الظفر به لدى هذه الدوائر العلمية، ومراكز البحث والفكر والفلسفة الأوروبية، والأمريكية، النظر إلى هذه الأسماء، وغيرها على أنها تجتهد، وتنقل إلى العربية صدى وطرق تفكير وفلسفة، وأسئلة أساطين الفكر والفلسفة الأوروبية، وتجتهد في تبيئتها وتوطينها.
أما هذه الأسماء ذات الرنين والحضور و«البطش» الفكر الفلسفي الكوني، فهي: فلاسفة اليونان: (أفلاطون ـ أرسطو ـ وما قبلهما)، والمحدثون مثل كانط وهيغل وبرْغْسُونْ ونيتشه وماركس وهيدغر وسارتر وفوكو وهابرماس ودريدا وبورديو وجِيلْ دُولوزْ وأدلر،ولاكَانْ، وغيرهم.
فمتى نُفيق إفاقة فكرية شاملة ونصحو صحوة عقلانية تفكيكية، و«غاضبة»، وننهض نهضة تؤسس «للصّفْر» بعد تدقيق النظر ـ هنا و الآن ـ في ما بين أيدينا، وما يقرع آذاننا وقلوبنا، ويسكننا في غدونا ورواحنا، أي ما يحفزنا اليوم وليس غدا على تنخيل ما وصلنا، وما يَهُبُّ علينا من الجهات الأربع، من خلال الصدع بالقول والرأي والفكر، من دون خوف، ولا تردد. ولا إرجاء؟ إذ يكفي ما ضيعنا من سوانح ومناسبات، ومواقف وسياقات اجتماعية وتاريخية، واشتراطات سوسيو ـ ثقافية، لو كنا اهتبلنا تلك السوانح، والمنعطفات التاريخية، والهَبَّات، وارتفعنا فوق المَطَّاب والعوائق التاريخية، ما كُنَّا في الدرك الأسفل على مستوى الحضارة، والثقافة، والتكنولوجيا، ومجتمع المعرفة.
وإذاً، الحاجة ماسة إلى رَجَّة عقلية وقلبية، ووعي وَثَّاب جديد، يُقْبِرُ الخوف بالمرة، ويقتل الردة والتلكؤ والتلفيقية التي كانت وَبالاً على الفكر العربي في نهضته وحداثته، كما يقطع مع ازدواجية الخطاب و«التقية»، بالنظر ـ كما يُرَوَّجُ ـ إلى تَدَيُّنِ الأوساط الشعبية، ومحافظتها وتقليديتها، أي مواصلة دغدغة مشاعرها، ومُمَاشَاتها، ومراعاة «جهلها»، و«أميتها»، وتعلقها باليوم الآخر.

القدس العربي- Dec 10, 2016