مكتبة عام كامل وأعوام أخرى

عناية جابر

مكتبة عام كامل وأعوام أخرى نقرأ في النسب المخزية والإحصاءات المهنية لفعل القراءة عند شعوب العالم الثالث والعرب بشكل عام، فنأسى للحال المزرية التي تصمنا. نأسى كما لا نفعل حين نوصف بالشعوب الأكثر فقراً، أو الأكثر تخاذلاً وضعفاً، ونحسب ان الفقر والجهل والتخاذل والضعف، على علاقة بالوصمة الأساس المتمثلة في عدم القراءة، وعدم متابعة ما يجري في العالم المتحضر على صعيد الإبداع الأدبي والفكري والفلسفي والعلمي والسجالي وسواها. شعوب عربية بقضها وقضيضها لا تعادل مجموع قراءات أفرادها في المجالات الإبداعية، بضع صفحات هزيلات في السنة، مقارنة بأفراد في العالم المتحضر، يجهزون على ما يعادل كتاب في رحلة يومية واحدة، ذهاباً وإياباً الى اعمالهم. سوف لن تمكننا مقاربتنا السريعة هنا، الوقوف الفعلي على اعداد غير القارئين العرب، بل نحاول الاضاءة ـ في رغبة تعويضية ـ على من يقرأ منهم، أي على شريحة من مبدعيهم همّها الكلمة، تشتغل فيها كما تصدّرها للقارئ العربي مع مجموعة من المثقفين العرب: الكاتب أحمد المديني، الشاعر محمد خير، الروائية منصورة عز الدين، الشاعر أمجد ريان، الشاعرة صباح زوين. كانت لنا هذه الوقفة مع حصيلة قراءاتهم للسنة الفائتة 2009، على أمل تكثيف هذه المتعة الخالصة، بعيداً من السجالات والمؤتمرات والجوائز والندوات.

منصورة عز الدين: 80 كتابا

الروائية المصرية الشابة منصورة عز الدين، لم يشغلها الحراك «الجوائزي» وهي في مقدمته مع فوز روايتها «وراء الفردوس» ضمن اللائحة القصيرة لجائزة «البوكر» العالمية، بل حفلت سنتها الفائتة بقراءات قيمة وكثيفة ومتنوعة تقول عز الدين عنها:

عام 2009 بالنسبة لي كان عاما للقراءة والتكاسل عن الكتابة الإبداعية. قرأت ما بين 80 كتابا الى 100 كتاب، لا استطيع التحديد. بعض هذه الكتب صدر في العام نفسه، ومعظمها صدر في أعوام سابقة. تنوعت حقولها من رواية الى قصة قصيرة، وشعر، وفلسفة، ونقد، وتاريخ، وسيرة ذاتية، وعلوم.

كان هناك ما يشبه المخطط في بعض القراءات، بمعنى ان هناك كتّابا حرصت على قراءة كثير من اعمالهم كرشيد بوجدرة الذي قرأت له وحده 8 روايات، واعدت قراءة الطيب صالح عقب موته، واعدت قراءة المازني مع صدور اعماله الكاملة في طبعة جديدة عن دار الشرق، كما استكملت مجموعة كتب عبد الفتاح كيليطو، وهو من كتّابي المفضلين، قرأت له هذا العام كتابه الجديد، «نوافذ ابن رشد»، ومعه «الأدب والغرابة... دراسات بنيوية في الأدب العربي»، «الأدب والإرتياب»، و«الكتابة والتناسخ... مفهوم المؤلف في الثقافة العربية».

من الكتب التي توقفت عندها ايضا، كتاب «الحداثة الممكنة.. الشدياق والساق على الساق» للدكتورة رضوى عاشور، وتتناول فيه كتاب «الساق على الساق في ما هو الفارياق» لأحمد فارس الشدياق باعتباره الرواية العربية الاولى، وتحاول طوال الكتاب الاجابة عن تساؤل: لماذا اسقط إنجاز الشدياق وقد انتج النص الأدبي الأغنى والأقوى في الأدب العربي في القرن التاسع عشر؟».

حين قرأت كتاب عاشور، لم اكن قرأت كتاب الشدياق بعد، وبحثت عنه في مكتبات القاهرة، ثم اشتريته من الجزائر بعدها بشهر، وبدأت في قراءته وأنا هناك.

من الروايات التي قرأتها في 2009: «الوعد.. في رثاء الرواية البوليسية» لدورنمات وترجمة سمير جريس، «ظلي» للسويدية كريستين فالكلاند وترجمة مجدي عبد الهادي، «عزف منفرد على بيانو» لفواز حداد، «اسمه الغرام» لعلوية صبح، «حراس الهواء» لروزا ياسين حسن، «السيدة من تل أبيب» لربعي المدهون، «عين وردة» و«اعتدال الخريف» لجبور الدويهي، «عربيد عشق آباد» لعمرو عافية «ابناء الجبلاوي» لابراهيم فرغلي، و«ألم خفيف كريشة طائر تنتقل بهدوء من مكان لآخر» لعلاء خالد.

ومن الدواوين الشعرية: «أماكن خاطئة» لأحمد يماني، «منزل الأخت الصغرى» لناظم السيد، «قصائد اخرى» لأحمد شافعي، «بلا مغفرة» ليوسف بزي، «الشمعة من طرفيها» لمحمد بدوي، «أنا شاهد قبرك» لفاطمة قنديل.
آخر كتابين قرأتهما في 2009 هما «ذكريات من القدس» لسيرين الحسيني شهيد، و«دوائر الهيرمينوطيقا... عن بول ريكور» لريتشارد كيرني وترجمة سمير مندي.
أما الكاتب الذي صاحبني طوال العام فهو اميل سيوران عبر كتابيه «لو كان آدم سعيداً» ترجمة محمد علي اليوسفي، و«المياه كلها بلون الغرق» ترجمة آدم فتحي.

أحمد المديني: اعادات

الكاتب أحمد المديني يحدد بدءاً أنه قارئ محترف، وأن اغلب ما يستهلكه، يشغله في أبحاثه وكتابته. قراءة المديني بين حديث وقديم الأعمال الكلاسيكية، أدبية وفكرية، وبعض الثقافة العامة اضافة الى كتب هي مثل التعويذة لا تفارقه. لم يصنع المديني واجهة لحصيلة ما قرأ سنة 2009، واكتفى بالآتي: «قرأت عشر روايات فرنسية منها: «نساء قويات» الفائزة بجائزة الغونكور. يعود المديني باستمرار للدواوين الشعرية المؤسسة للشعر الحديث: رامبو، لوتريامون، بيرس. الصيف الماضي أعاد المديني قراءة اعمال سلين وهيوسمان وألبير كامو مع سيرته البديعة التي كتبها هربرت لوتمان. تنقل المديني في الدراسات الإنسانية بين ادغار موران، وبودريار مرة اخرى. في الدرس الأدبي يعتبر المديني ان أهم كتاب اقتناه هو مؤلف «اللغة الأدبية» الموسوعي لجيل فيليب وجوليان بيات، عن تاريخ النثر، بالاحرى الأنواع النثرية وأساليبها، في قلبها درر الرواية الحديثة، التي ـ بحسب المديني ـ ما زلنا نحن العرب لم نضبط معاييرها. في المقروء السردي العربي، يضع المديني في الواجهة روايات: «عزازيل» ليوسف زيدان ويعتبرها تستحق جائزتها، وتغذي الرواية العربية بنكهة الحكاية، وجمال الصورة، وبأسطرة التاريخي وتجنيحه على نحو بديع، واحتفالها عذب بالحب في اختراق جريء للمقدس. ورواية ربعي المدهون «السيدة من تل أبيب» يقول فيها المديني: «لم اعرف أحداً ارهق نفسه في تضعيق السارد وتلفيق عمله ليسجل بدهيات، ويسوّغ ايديولوجية المصالحة المريبة مع إسرائيل، لتتهافت الروائية والايديولوجيا معاً. تعرّف المديني ايضا، للمرة الاولى الى الأديب الكويتي طالب الرفاعي في «الثوب» وهو ثوب روائي على مقاس كتابته وموضوعه، كما انه مريح وأنيق. اضافة الى اعمال المغاربة، يميّز المديني بينها رواية الزميل الميلودي شغموم «بقايا من تين الجبل» الصادرة بسوريا عن دار الحوار، والكتاب النقدي «ما الحاجة للرواية؟» للباحث عبد الفتاح الحجمري.

امجد ريان: دواوين

حصيلة قراءات المديني تلبي ذائقته، فيما الشاعر امجد ريان لم يبخل على شاعريته، بقراءات جلّها شعرية، يجدها من ضمن مشروعه الشعري، كتابة وبحثا ونقدا. ريان وجد من الصعوبة بمكان تمكنه من رصد دقيق لكل ما قرأ في العام الماضي 2009، سوى انه هنا، تمكن من ان يذكر لنا اهم ما قرأ: هناك المختارات الشعرية التي صدرت للشاعرة اللبنانية عناية جابر بالقاهرة بعنوان «لا أخوات لي» كما قرأ ديواني الشاعر عاطف عبد العزيز: «الفجوة في شكلها الأخير» و«سيرة الحب»، ورواية الشاعر علاء خالد: «ألم خفيف كريشة طائر تنتقل بهدوء من مكان لآخر» الصادرة عن دار الشروق، وديوان الشعراء المشاركين في مؤتمر «الملتقى الاول لقصيدة النثر» في مصر، ورواية «غنا المجاذيب» للقاصة منال السيّد الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة، وكتاب «الحداثة الممكنة» لرضوى عاشور، ومجموعة قصصية بعنوان «السبعينيون» للكاتب المصري فتحي إمبابي، الى جانب قراءة كتاب «الحداثة وما بعد الحداثة» لبيتر بروكر، الذي وصلنا الى مصر في العام الماضي فحسب. ريان قرأ ايضا المجموعة القصصية الصادرة عن دار الشروق للروائي المصري بهاء طاهر: «لم أكن اعرف ان الطواويس تطير». كذلك قرأ ريان: «أسوار» رواية محمد البساطي الصادرة عن دار الآداب ببيروت. مجموع قراءات امجد ريان ينحاز لها ويحبها كما لدى الشاعر عاطف عبد العزيز في «سيرة الحب» لبساطته المذهلة وقدرته على تفكيك الحدث وتأمل تفاصيله، بصورة واقعية مشوقة تتقاطع مع مشاعرنا الفعلية في حياتنا اليومية البسيطة. «لا أخوات لي» بحسب ريان، تجسد امتلاك الشاعرة لأدواتها بشكل مذهل، حتى انها لشدة ثقتها بما تملك، تلعب باللغة وتسخرها كيفما تشاء، وتطرح لغة شعرية محملة بالخبرات الإنسانية والمعرفية الهائلة، وتجربتها تؤكد كيف ينشئ الشاعر مشروعه الذاتي الشديد الشخصانية، وكيف ينهمك في اكتشاف علاقته الحقيقية بالوجود وبالثقافة وبالكتابة. رواية «غنا المجاذيب» لمنال السيد، تجسد قدرة الكاتبة على تضمين روايتها هذه السيرة الذاتية التي تخصها، وتخص بسطاء الشعب المصري و«مجاذيبه»، مجسدة هذا السقوط المدوي للطبقة المتوسطة الصغيرة.

محمد خير: روايات

يفكّر الشاعر المصري محمد خير في الـ2009 فيخطر له اولا ان شعراً جميلاً نشر في تلك السنة، منساباً بين زخم الروايات. محمد خير تمتع بالنثر الحكائي في ديوان ياسر عبد اللطيف «جولة ليلية» وبقصائد الغربة المشبعة لدى احمد اليماني «أماكن خاطئة»، الديوانان عن «ميريت» فيما قرأ خير عن «آفاق» لفاطمة قنديل «أنا شاهد قبرك» والعنوان دليل القصائد المشغولة برثاء عذب للذات في الآخر والعكس، بينما عكس احمد شافعي تفاعله الحيوي مع القصيدة الاميركية في: «وقصائد اخرى» (النهضة العربية)، ومن الفصحى للعامية قرأ خير نمنمات عبد الرحيم يوسف لسخريته السوداء في ديوانه: «م المرحلة الزرقا» (المحروسة/ مشروع الكل)، لكن الرواية فاجأت خير مع احمد صبري أبو الفتوح في «ملحمة السراسوة» (ميريت) العمل الذي امتع خير، من خوضه في تاريخ مصر القرن الثامن عشر. كما قرأ خير للروائي ابراهيم عبد المجيد خوضه في مطارح روائية جديدة «في كل اسبوع يوم جمعة» (المصرية اللبنانية) حيث البطل موقع الكتروني تتداخل شخصياته، فتبدو الرواية كحشد من القصص القصيرة الجذابة، اما قصص بهاء طاهر «لم اعرف ان الطواويس تطير» (الشروق) فبدت كأغنية التعب وحب الحياة في آن، كما اصدرت وزارة الثقافة بمناسبة مؤتمر القصة ـ الكلام لمحمد خير ـ ثلاثة مجلدات مدهشة الكم والكيف، ضمت 200 قصة مصرية منذ 1917 الى اليوم، وترجمت الوزارة كتاب روي آرمز، الهام «صور ما بعد الكولونيالية/ في أفلام شمال افريقيا»، وسيطرت على السياسة كتب المقالات المجمعة فكان أبرزها كتاب جلال أمين «مصر والمصريون في عهد مبارك» (ميريت) بينما استمر رواج الكتب الساخرة التي احتفظت ندرة منها بقيمة فنية، منها: «أيام الديسك والميكروباص» لحمدي عبد الرحيم «مكتبة مدبولي» و«أهو كلام» لمؤمن المحمدي (المصرية للنشر والتوزيع).

عزازيل

الشاعرة صباح زوين تذكر فحسب (وليس كل ما اعجبها) الكتاب الذي اكثر من سواه لفت نظرها، او أسرع من سواه اتى الى رأسها الآن، اذ تجد من المستحيل تعداد كل العناوين التي احبتها، وما قرأته خليط من كتب صدرت قبل سنتين او اكثر، وكتب صدرت خلال سنة 2009. «أقرأ بشكل عشوائي الاصدارات القديمة التي فاتتني عند صدورها وتلك الطازجة منها في آن. في أي حال اشعر باني سأكون غير منصفة بذكر كتاب دون سواه لكن ماذا يمكنني ان اقول في 200 كلمة فقط؟

قرأت زوين هذه السنة بعض الروايات الاجنبية، لكن احدثها صدر سنة 2007، وقرأت معظمها في لغتها الاصلية، فهكذا افضل ـ على ما ترى زوين ـ كما تقرأ في بعض الاحيان روايات اجنبية مترجمة، عندما يكون سعرها في لغتها الأم باهظاً بالنسبة لها. تاليا لان كل ما قرأته من روايات اجنبية (بائت) لن تتناوله هنا.

في الروايات العربية احبت زوين كتاب يوسف زيدان «عزازيل» حيث تفاصيل التاريخ الاول للكنيسة بكل تقلباته وهفواته وضعفه وقوته وخلافاته، حيث برع الكاتب في وصف حياة الرهبان التقية والصوفية، وحيث من ناحية اخرى عرف الدخول الى أنفسهم ليصف إيمانهم وشكوكهم معاً. حياة الرهبان بكل مراحلها، من الشك الى الإيمان الى الانعتاق الجسدي الى الممارسة الجسمية الى الشعور بالخطأ... الخ. اما الإصدارات اللبنانية فكثيرة، وتتركها زوين جانباً في هذا التحقيق.

السفير
9 يناير 2010