عبد الله السفر
(السعودية)

عبدالله السفرالمراقب للساحة الشعرية المحلية لا تفوته ملاحظة الانقلابِ الجذري على مفهوم القصيدة الجديدة التي أسّستْ معياراً أنجزه الوقت وتراكم النّصوص في العقديْن الأخيرين، على النحو الذي صنعَ حساسيّة مختلفة في الكتابة لها تنويعاتها وظلالها إلا أنها تحت مظلّة واحدة تستجيب لتوصيف عام تندرج فيه الممارسة الشعريّة فيما يتّصل باللغة وأساليب التناول والتعبير أو فيما يتّصل بالاشتغالات والاهتمامات المحرّكة لظهور النّص.

نحن الآن قبالة نصوص تعمل بانزياحٍ تؤكّده الأعمال الأخيرة التي يكتبها الشباب وهم ما يزالون في أوائل العشرينات، وقد أُتيح لنا الاطلاع على بعضها في المواقع الثقافية الإلكترونية أو في المدوّنات الشخصيّة السابحة في العالم الافتراضي. وقد عمد بعضهم مؤخّرا إلى إطلاق التجربة أمام القراء في مجموعات شعريّة صدرت محليّا وخارجيّا، ومنها كتاب "استرجاع كلمة مرور" لعبدالعزيز الحميد ـ نشر مشترك: النادي الأدبي بحائل ومؤسسة الانتشار العربي، 2010 ـ وكأنما العنوان يهجس باختلافه ويبين عن عالم مرجعيّته المنتمي إلى فضاء النت بما يشكّله هذا الفضاء من مساحات حرّة يبرز فيها الفرديّ ويتعاظم إلى درجة إنتاج نقيضه؛ تدمير الوجود الفردي وإنكاره، فيتحصّل وجودٌ عائم منزلقٍ عن المكان وذاكرته ومتخفّفٍ ليس عن الإطار وحسب. إنما بضربة واحدة تطير المحتويات أيضاً. فيصبح هذا الفرد أمام تجربة داخليّة يتجوّف فيها ويغدو هشّاً قابلاً للتحوّلات التي لا يسعى خلفها لكنها ترمقُهُ بعينٍ حديد فتقوده منخلعاً عن ذاته ودالفاً إلى تبديّاتها حتّى التذرية والتلاشي.

ويمدّنا غلاف العمل بهذا المعنى وهو تخطيطٌ من إنشاء المبدع نفسه؛ فردٌ عارٍ منسوج من خيوط وظلّه ملقى إلى جواره من الخيوط ذاتها غير أن المطابقة ليست موجودة. الظلّ؛ الكيان وجودٌ آخذٌ في الانسلال والتهدّم. ثمّة قطبة جرى سحبُها فشرع الجسد والوجود العيني في التفكّك والانحلال. نقرأ في هذا الغلاف تكثيفاً جماليّا للتجربة التي تهيمن على عبدالعزيز الحميد، ويتوزّع صداها على صفحات الكتاب.

تتحسّس الذات الشاعرة مكانها في منطقةٍ ضيّقةٍ محصورة. لا تكاد تغادر. المشهد الذي يطالعنا بثباتٍ وبعناد هو الغرفة بمحتوياتها وأبعادها المحكومة بالسقف والباب والنافذة، وتتردّد مفردة العبور وَسواساً يحاول أن يقارِب وأن يلحمَ المسافة الفاصلة بين الدّاخل والخارج وأن يستدخل شيئاً "غامضاً" ربما تنشقّ عنه التفاصيل والمنمنمات هنا وهناك، بما يمثّل واقعة للتصالح والاندماج؛ العبور الإنساني نحو حضورٍ ممتلئ بالوقت والأشياء والآخر. الحركة المحدودة والنظرة المكفوفة بالسقف وما ترتطم به الحواس؛ كلُّها تنشر رسائل ليس فيها من علامات الاتصال بقدر ما فيها من علامات الانفصال والوجود الجزئيّ المهمّش الذي لا ينفُذُ ولا ينقِذ. ثمّة شطبٌ غائر لا تعالجه الكتابة ولا تردمُهُ فرشاة التلوين "الغرفة مليئة بألوان غامضة لم يعد التمييز بينها ممكناً. كل لون يفتح صفحة للعبور الناقص، صفحة لا تبدأ بلون ولا تنتهي بوجهٍ أعرفه".

إن إلحاح النّقص ومعاينته ماثلاً يضغط باتّجاه حفر الذات وتقليب علاقاتها المبتورة في حضرة "الآن" أو في التفاتة إلى الماضي بتحريضٍ من الذاكرة لا يعلق بها إلا البياض العميم والفراغ الشاسع.. هذا الإلحاح يجد ترجمته أو تجسيده في انفجار الذات إلى "حنينٍ رماديّ اللون" تلك الوصلة القائمة في الحنين بنداها وخضرتها تعطب وتتيبّس؛ آذنةً بأطوار من التحوّل تدمّر الصورة كلمّا فكّرت في أن تحلَّ بإهابٍ تلتئمُ معه الفجوة. تظلّ ـ تلك الفجوة ـ صامدة مثل أُكرةِ الباب تتعاورها الأيدي وهي كما هي مصمتةٌ؛ تؤشِّر على العبور لكنها في مكانها فتصبح مجازا للذات الشاعرة ومعادِلاً لوضعيّتها البرزخيّة الحائرة بين الحضور الممتلئ والغياب الفادح. فلا مناص من التشيّؤ وإنْ بضربٍ من الوهمِ والمناورة المؤقّتة ".. وهكذا تصير أُكرةً متظاهِراً أنّ حياةً ما في الداخل، حياة ما في الداخل". وهذا التكرار يعكس الشكَّ في وجود "حياة في الدّاخل" حيث هناك لا أشياء تخصّه "ولا شيء آخر يغريني". كلّها تعيّنات مادية منزلقة تنتصب علاماتٍ للضجر كما نقع عليها في نص "الأشياء 2" فعلى مدى صفحتين ينرسم المشهد في الغرفة في وحدات متتابعة بلا فاصل في إيقاع تكراري كأنها نقطة الماء تنزل بدأبٍ على قطعة صاج؛ فينفذ الضجر إلى منتهاه.
إنّ الارتطام بحاجز التشيؤ يعطي دلالة نفاد المسعى لتدارك النقصان والوجود المثغور "مجهول وبلا كينونة" لذلك نعثر على انخلاع الجسد وتذويبه والهروب من حصار المكان بإهمال وجودِهِ والانتماءِ إليه "لستُ في المكان ولا مكان لي" والخلوص إلى مسح الأثر نهائيّاً "سأتمدّد على السقف العلوي، قبل أن أخرج من هذه النافذة تحديداً، حيث ساتجوّل خفيفاً قبل أن أتلاشى".

11-4-2010