علي حرب
(لبنان)

علي حرب- دور المفكرين

ثمة سؤال مركزي وملحّ يطرحه على نفسه الواحد من العاملين في فروع المعرفة وميادين الفكر، كالفلسفة وعلوم الانسان والاجتماع والاقتصاد، وسواهم ممن يشتغلون بإنتاج الافكار والنظريات التي تسهم في صناعة الرأي العام، والتي تشكل اصلاً فيما يخص، مقاربة الوقائع والمجريات أو معالجة القضايا والمشكلات، لغات في القراءة والتفسير، أو أدوات في الفهم والتشخيص، أو نماذج في العمل والتنظيم والتسيير...

أين نحن من أحداث العالم بانفجاراته وتطوراته؟ وكيف نساهم في حلّ أزماته ومآزقه؟
ومنطلقي الى ذلك هو الواقع بمشكلاته وتحدياته الجسيمة كما تتجسد في الازمة العالمية بنسختها الاخيرة، المالية والبنكية. وهذه الازمة ليست جديدة. وإنما هي تعتمل منذ زمن لكي تنفجر، كما حصل مؤخراً، فتصيب بشظاياها العالم اجمع، بقدر ما تطرح على طاولة المساءلة والمناقشة الطريقة التي تدار بها قضايا النمو البشري على غير صعيد وفي غير مجال.
واذا شئتُ الدخول على المسألة من حقل اختصاصي، أشير الى المفارقة بل الهوة، بين الافكار والوقائع، بين النظريات والمجريات، بين المشاريع والمآلات، باختصار بين الثقافة والحياة.

فالعالم يتغير بمواده وأدواته وأساليب إنتاجه وشبكات اتصاله ومنظومات تواصله، بقدر ما يتغير بمحركاته وقواه وصراعاته وخريطته والفاعلين على مسرحه، فيما نجد أن الافكار ما زالت في معظمها ثابتة، او جامدة، أو متحجرة، واحياناً مرعبة أو مدمّرة. وهكذا فنحن ننخرط في واقع هو على درجة قصوى من الحراك الهائل والتعقيد البالغ والتسارع الفائق. مقابل ذلك نجد بأن المفكرين يغرقون في سباتهم العقلي من غير وجه:

- السبات النخبوي

يتمثل ذلك عندنا في الكلام على مشروع عربي، نهضوي او تنموي، هو من مهام النخب الثقافية او الفكرية وحدها. على هذا النحو يتعامل الاكثرون من المفكرين العرب مع مشاريعهم: ما زالوا يفكرون بعقلية عصر النهضة، وكأننا ما زلنا في زمن محمد عبده والافغاني والكواكبي وشبلي الشميل. وهذا ما يفعله كثيرون من المثقفين الحالمين بالتغيير على ساحة العالم. إنهم يفكرون بعقلية ماركس ومَن سار على نهجه أو تبنّى منظومته الإيديولوجية في التغيير من انبياء الحداثة والتقدم. في حين أن التحولات الجارية والانهيارات المتلاحقة تستدعي التغيير، ليس فقط في عناوين المشاريع الحضارية والمطالب الوجودية ولا في الخرائط الفكرية والانساق المعرفية، بل ايضاً في طريقة التفكير وفي أدوار المفكرين، كما في وسائل تداول الافكار وآليات تأثيرها.

فما عاد يجدي أن نقول بأن آراء المفكرين لا تصل الى الجمهور العريض كما يقول بعض العرب. كما لا يجدي أن نتباكى على زمن مضى، زمن سارتر وراسل أو زمن فوكو ودولوز، كما يفعل بعض الفرنسيين، لنقول بأن عصر الاعلام يقصي المفكرين من على المسرح او لا يطيق الفلسفات والافكار الكبيرة.
وبالطبع بات من قبيل الهذيان او التشبيح، كما يفكر وينظّر، بعقلية المهدي المنتظر، بعض التنويريين العرب، الذين ينتظرون ظهور الفيلسوف الذي يشخص للأمة أمراضها ويجترح لها العلاجات الناجعة والشافية. فإذا المآل: المزيد من العجز والقصور...

الأحرى بالعامل في الميدان الفكري أن يستيقظ من سباته النخبوي الذي بني على احتقار الجمهور او احتكار مفاتيح الحلول. لقد اعتقد بأنه هو الذي يتصدر ويقود او يفعل ويؤثر، بقدر ما تصرف بوصفه يفكر عن الناس أو يحلم عنهم. فإذا العالم يتغير بخلاف او بعكس ما اراد له. مما يعني أنه لم يكن قائداً او صانعاً للرأي العام، كما لم يكن فعالاً، بقدر ما كان مادة للفعل او يتلقى التأثيرات من حيث لا يحسب، او يفاجأ بالوقائع التي تنقلب ضد نظرياته ومواقفه.

ولا غرابة: لقد ولّى الزمن الذي ينظّر فيه فيلسوف او داعية او نبي لمشروع يخص مجتمعاً او عالماً بأسره، سواء اختص الامر بالعالم العربي، أم بسواه؛ ولذا، فلا طائل من أن نفكر بنفس العقلية والطريقة او الوجهة بعد فشل المشاريع القومية واليسارية والاسلامية التي تصدى اصحابها لمهام الاصلاح والتحديث او التنمية. فإذاً النتيجة تفاقم المشكلات. وها هي الليبيرالية، بنسختها الجديدة، تتصدّع تحت ازماتها، لكي تشهد بأن لا تُحسن سوى انتهاك مبادئها ووعودها.

إن الممكن، على النحو البنّاء والمثمر، هو العمل بمنطق المداولة والشراكة والمبادلة. لأن أي مشروع تنموي ناجح، هو في النهاية حصيلة جهود الفاعلين الاجتماعيين المنتجين او المبدعين في مختلف قطاعاتهم وحقولهم، بقدر ما هو ثمرة التفاعلات والتأثيرات المتبادلة بين مختلف الحقول وعلى كل المستويات، وعلى نحوٍ يقود الى إحداث تحويلات بنيوية تطال الفضاء المجتمعي بكليّته، طولاً وعرضاً وعمقاً، وذلك بطرق ومسالك وآليات مختلفة ومتنوعة تتجدّد معها المفاهيم والنظريات او المناهج والنماذج.

الأجدى إعادة النظر فيما كنّا نفكّر فيه وبه وله، بحيث ننصت الى مَن ندعي قودهم وتغييرهم، فيما نحن نُقصيهم من مجال التفكير والتقدير، ونعترف بهم بوصفهم ذوي فكر لهم آراؤهم واقتراحاتهم في ما يعنيهم ويمسّ مصالحهم، لأن كل الناس تفكر، سلباً أو ايجاباً. بهذا المعنى فالمهمشون والعاطلون وكل مَن نستبعدهم من نظرياتنا وبرامجنا وسياساتنا، هم فاعلون أكثر مما نحسب، ولكن بصورة سيئة او عقيمة او مدمّرة... واذا كان ثمة امكان للتغيير، فبأن يمارس كل فاعل، في حقل عمله، حيويته الفكرية، سواء على سبيل الخلق والانتاج، او عبر المشاركة في المناقشة والمداولة، بحيث يتصرّف كمنتج وفاعل يشارك في تشخيص مشكلته وتحسين ظروفه، كما يساهم في بناء مجتمعه وصنع مصيره.

- السبات القومي

ومفاده الاعتقاد بأن المشروع العربي هو شأن يخص العرب وحدهم. في حين أن الأمر لم يعد ذلك، خاصة اليوم، حيث تتعولم المشكلات وتتشابك المصالح والمصائر على الساحة الكونية، كما تشهد المعضلات من تلويث البيئة الى انهيار البورصة، مروراً بتدهور الامن وانتشار العنف.
كل فكرة خلاقة وخصبة تنتج، اليوم، في هذا البلد او ذاك، من جانب هذا العالم أو سواه، إنما يجري تداولها على ساحة الفكر، لكي تصبح برسم الاستثمار والتوظيف، على سبيل التحويل الذي يغني ويثمر، بقدر ما يضيف ويجدّد. ولهذا نحن نفكر على مستوى الكوكب، وإن كان العمل ذا طابع محلي او مرتكز وطني. من هنا فالمشروع العربي، سواء تعلق بالتنمية أم بالسياسة أم بالدين، لم يعد شأناً عربياً صرفاً، وإنما اصبح مشروعاً ذا بُعد عالمي، تساهم أو تساعد في صوغه وترجمته بلدان وهيئات اقليمية او دولية. هذا ما يحصل الآن في فرنسا، التي اطمأنت ونامت، فيما مضى، على أمجادها، خلال العقود الثلاثة المجيدة (1945/1975) كما سمّوها، باعتبار أن نموذجها كان الأنجح والافضل، فكانت النتيجة أن تخلّفت عمن كانوا وراءها وصاروا أمامها. ولذا، فبعد مجيء الرئيس نيكولا ساركوزي، كلف لجنة من الاختصاصيين والخبراء، من مختلف الحقول والبلدان، الاوروبية وغير الاوروبية، لتُعِدّ تقريرها حول كيفية تحرير وإطلاق اعمال التنمية في فرنسا.
الأولى بالمفكر العربي أن يخرج من سباته القومي ومن حصونه الدينية. إن الثورات والانعطافات والتحولات التقنية والحضارية او المجتمعية والسياسية او الفكرية والثقافية، ليست غزواً ثقافياً أو تدميراً حضارياً، ولكنها ليست فردوساً حميماً، وإنما هي إمكانات مفتوحة وفرص متاحة لكي نحسن أن نتغير، شرط أن نتعامل معها بلغة الامكان والاختراع. وما نفيده من الحداثة والعولمة، او من الماضي التراثي، نشتغل عليه لتحويله واستثماره، في عملية اعادة البناء، بحيث نتغير ونسهم في تغيير الآخر والواقع، بصورة مثمرة وبناءة. هذا ما يفعله أصحاب الهويات الغنية والقوية. إنهم يحسنون أن يتغيروا، في ضوء الحقائق والمتغيرات، لكي يساهموا في ورشة الحضارة واغناء رأسمال البشري المعرفي والتقني أو القيمي والجمالي. إن أفضل دفاع عن الهوية هو ممارسة المرء لخصوصيته المجتمعية والثقافية بصورة خلاّقة وخارقة، وعلى نحوٍ يتيح له المشاركة في صناعة الحضارة وقيادة المصائر. ومن هذا شأنه لا يعسكر وراء هويته، بل يقيم مع ثوابته علاقة حيّة، متحرّكة، متجدّدة، نامية، بقدر ما هي مركّبة بمرتكزها المحلي والوطني، كما بأبعادها الاقليمية والدولية...

- السبات الايديولوجي

وهو الذي يقود المفكر الى التمترس وراء الشعارات، بالتعامل مع مقولته او مدرسته كنموذج وحيد او نهائي للنهوض والاصلاح او للتحرر والتقدم او للتحديث والتنمية. هكذا تعامل القومي مع الوحدة، واليساري مع الاشتراكية، والثوري مع الحرية، والرأسمالي مع السوق والليبرالية. وهكذا تعامل الاسلامي مع شعاراته وأقانيمه. كل فريق قدم نفسه بوصفه المنقذ والمخلص الذي يملك وحده من دون سواه المفاتيح السحرية للحلول. الكل تعاملوا مع افكارهم كأقانيم مقدسة او كأصنام نظرية. باختصار، الكل ألّهوا المقولات وحوّلوها الى معسكرات، سواء تعلق الامر بالنص او السوق، بالحرية او بالاستنارة.

أما النتيجة فهي المزيد من الفقر والتخلف او الفساد والاستبداد، فضلاً عن الظلام والعماء والارهاب. ولا عجب أن يكون المآل كذلك. فهذه هي حصيلة التعامل مع الواقع المركب والمعقد بعقلية الحجب والاختزال والتبسيط؛ وهذه ثمرة التعامل مع الآخر الذي هو شريك، بمنطق الاستبعاد او الاستئصال. باختصار هذه هي حصيلة التعامل مع الافكار والهويات بمفردات المطلق والمقدس والنهائي والحتمي والفردوسي: ترجمة الشعارات بأضدادها وتواطؤ الاضداد على صناعة الخراب. هكذا تعامل أصوليو القومية واليسار والاسلام مع هوياتهم وافكارهم، لكي نحصد كل هذه الكوارث. وهكذا تعاطى اصوليو الليبرالية وطالبانيو الرأسمالية مع اسواقهم واموالهم، لكي نحصد كل هذا الافلاس والانهيار...

الأجدى أن يخرج المفكر العربي من قوقعته الايديولوجيه وسباته الطوباوي، لأن اعمال النهوض والتنمية، تتم بعقل تركيبي، بنائي، معماري، يرى أصحابه الى الواقع بكل تعقيداته وتشابكاته، أو جوانبه وطبقاته، أو التباساته ومفارقاته...

- السبات الأناسي

وهو الذي يجعل المفكر يتباكى على انسانية الانسان ويرفع لواء الدفاع عن حقوقه، غافلاً عن كون انسانيتنا هي مصدر بربريتنا التي نمارسها، ليس فقط ضد بعضنا البعض، بل ضد الانواع الاخرى. فنحن نتهم الحيوان بالتوحش لكي نتستر على وحشيتنا الزائدة، ونتباهى بأننا كائنات عاقلة، فيما نكاد ندمر الحياة بحمقنا وأهوائنا المجنونة. بهذا المعنى من الظلم للحيوان مقارنة بعض الناس به، لأن الحيوان لا يضرّ بني جنسه كما يفعل الانسان، ولأن بعض الحيوان هو أنفع للانسان من بعض الناس الذين لا يحسنون سوى إحداث الضرر وزرع الفساد أو الخراب. هذا ما يجعل أهل التقى والتواضع من البشر يعيدون النظر في التصنيف التي يفصل، على نحوٍ حاسم، بين الانسان وأبناء عمومته من الحيوان، تبعاً ثنائية الأنسي والوحشي او العاقل وغير العاقل. ليستيقظ المفكر العربي من سباته الإنسانوي، إذا اراد أن يكون أقل وحشية، بحيث يعترف بحقوق الحيوان والطبيعة.
هذا السبات المركّب، كما يتجلّى في طوبى المشاريع وفي العسكرة وراء الافكار او في الاقامة في قوقعة المذاهب، إنما يولّد آفات تشلّ الطاقة الحية على التفكير وتعطّل القدرة على ابتكار المقاربات الخصبة أو اجتراح المعالجات الناجعة والفعالة وذلك من غير وجه:

- آفة التبسيط

المفكر المؤدلج، المقولب والمنمَّط، وخاصة نوعه العربي، يفكر دوماً بصورة أحادية مانوية لكي يقع بين فكي الكماشة، فيرى العالم إما شراً او خيراً، جحيماً او فردوساً.. هكذا تعاملوا مع الاشتراكية، او الليبرالية، او العولمة، بوصفها الشر المحض او الفردوس الموعود. في حين هي ثورة مزدوجة علمية وتقنية. وهي ككل ثورة او ظاهرة او تحول او انعطاف، إنما تتوقف أهميتها او خطورتها على طريقة التعامل معها، كحدث مفتوح على احتمالاته، متعدد بدلالاته، غني بإمكاناته...

وعلى هذا النحو، هم يتعاملون الآن مع الازمة المالية الحالية، بعقلية الاختزال والتبسيط من خلال مفردات الأطياف والعودة والنهاية والانهيار والانتقام... غير أنه لا شيء مما يحدث يعود كما كان عليه؛ وإنما الممكن الاشتغال عليه وتحويله، لإدراجه او دمجه في منظومة جديدة، بغية إعادة توظيفه وتشغيله او استثماره. كذلك لا شيء يزول او يندثر. لأن كل نهاية تؤذن ببداية جديدة عند من يحسن القراءة والتشخيص. كل نهاية تقوم على النفي والاستئصال تُنتج العوائق أو تُفضي الى الكوارث. وكل بداية مآلها النفاد او الاستهلاك عند من يرصد التحولات ويتأمل الانهيارات.

بهذا المعنى، كل نهاية هي مجاز وعبور الى عالم آخر، وإلا كانت كارثية، كما أن كل عودة الى الوراء هي كاريكاتورية او مرعبة، كما هو مآل الفتاوى الدينية. ولذا لن تعود الاشتراكية بشكلها الفردوسي الذي ترجم فقراً وشقاءً واستبداداً؛ ولن تزول الرأسمالية، ولكنها لن تعود بشكلها الفالت والمتوحش الذي ولد كل هذا الانهيار. مع فارق أن الرأسمالية بما هي فتح الآفاق والحدود والأسواق أمام حرية المبادرة والاختيار والعمل والابتكار... هي أصلح للتنمية من الاشتراكية، بما هي تكافؤ ومساواة وعدل وتضامن... لأن الديناميكية الوجودية، الفردية أو الجمعية، إنما محركها الاختلاف والتفاوت، ومظهرها التنوع والتفرد والتفنن.

كذلك لن تعود الدولة، لا بشكلها الشمولي الذي صنع القطعان البشرية والحشود العمياء التي تؤله زعماءها، لتحولهم بدورهم إلى عبيد لأسمائهم وسلطاتهم وأساطيرهم ونزواتهم؛ كما لن تعود الدولة القومية التي صنعت الحروب العالمية الطاحنة. وبالطبع لن يعود الدين الا بصورته المرعبة والارهابية، على ما يمارسه الدعاة الذين ينشرون الإرهاب على الساحة الكونية، كما يصنعون الفتن ويصدرونها في البلاد العربية.
الآجدى أن يعود الواحد إلى صوابه. هذا ما فعلته أوروبا، بعد حروبها الذاتية المدمّرة، إما لإدراكها المصالح المشتركة لشعوبها، أو لخوفها من القوى الجديدة الكبرى والصاعدة: لقد عادت الى عقلها، فاشتغلت على نفسها لكي تتحوّل بالتدريج الى فضاء تداولي، وذلك بقدر ما نجحت في كسر المنطق الأحادي، أو في التحرر من النظام الشمولي، أو في عدم الانجرار وراء الدعوات الدينية الأصولية. ولذا فهي اليوم الأقل ممارسة للعنف في العالم، بقدر ما خفّ لدى شعوبها الطلب على المعاني والسلع الدينية.

- آفة التعميم

الوجه الآخر لآفة التبسيط، هو آفة التعميم التي هي على ما يبدو من اختصاص المفكرين العرب. فالواحد منا عندما يتحدث عن الثقافة العربية يعاملها بوصفها وحدة متجانسة او منظومة مغلقة، وكذلك الامر بالنسبة الى العقل العربي او الفكر العربي؛ وهكذا فنحن نصدر أحكاماً مطلقة أو نطلق تقييمات شاملة، كأن نقول بأن ثقافتنا لا تطل على المستقبل، أو نتحدث عن اغتيال العقل واجتيافه، أو نؤكد بأن الفكر العربي قد أصابه الاخفاق... فضلاً عن الذين يتحدثون عن احتضار الثقافة العربية.

وهذا التعميم، الذي أمارسه من جانبي في احيانٍ كثيرة، ينطوي على قدر من التبسيط والتمويه، بقدر ما يعد عاملاً من عوامل الفشل والاحباط. وبيان ذلك أنه، لا الثقافة واحدة، ولا الفكر او العقل واحد في العالم العربي، ولا في أي مجتمع كان، سيما اليوم، حيث تتعولم الهويات وتتهجن الثقافات والحداثات، الامر الذي يكسر الاطر الوطنية ويتعدى التقسيمات الجغرافية في مجال الافكار والمعارف، لصالح الاتجاهات والمدارس او المناهج، بطابعها العالمي والكوسموبوليتي.

هناك مفكرون، عرب، من المعاصرين، هم اقرب الى الاتجاه الفكري او الخط العقائدي الذي يندرج فيه مفكرون غربيون، يساريون، معارضون او منشقون، امثال تشومسكي او بورديو او باديو... وهم في ذلك أبعد ما يكون عن مفكرين عرب آخرين هم قريبون من الخط الفكري الذي يندرج فيه مفكرون مستقلون تعاملوا أو يتعاملون تعاملاً نقدياً مع المشاريع الايديولوجية، بل مع مشروع الحداثة والتنوير، كما تمثل ذلك في الموجة الفكرية التي سميت ما بعد الحداثة، والتي هي في النهاية موجة حداثية جديدة، عمل اصحابها على تجديد صيغ العقلنة او توسيع فضاءات التنوير، وليس العكس كما توهم أطفال الحداثة وكهنة الاستنارة.

الأجدى والأغنى اعادة النظر في التصنيفات القائمة لتركيب تصنيف جديد، إما بحسب الاتجاهات والمدارس، أو بحسب الحقول والاختصاصات، بحيث لا نتحدث عن فكر غربي او عربي، بل عن الفلسفة وعلوم الاجتماع، او نتكلم على ما هو حداثي او تقليدي، عقلاني او تسليمي... وفي ضوء ذلك ثمة وجه نغفل عنه، هو الانتاج والابداع. بمعنى أن الفرق الاساسي بين مفكر وآخر، هو قدرته على الابتكار والتجديد في الحقول والمناهج أو في العدة والمفاهيم. هذا هو المعيار الاصلي، وليس بين مثقف عضوي وآخر غير عضوي. هناك عرب هم مجددون في حقولهم المعرفية، وإن كانوا قلة قليلة، أكثر من بعض الغربيين. والذين لا يرون الجديد او المبتكر هم المتخلفون او المشدودون الى الوراء، وهم الذين يسهمون في ما نصنعه من انهيار او خراب.

- آفة الفوات

من الآفات الاخرى، خاصةً لدى المفكر العربي، أن الواحد يعود، ولكن بعد فوات الاوان، الى ما كان يرفضه قبل عقد او عقدين بصورة عدوانية.
على هذا النحو تعاملوا مع عناوين الديمقراطية او المجتمع المدني، او حتى مع العقلانية النقدية الكنطية. لقد رفضوها بوصفها تعبر عن ايديولوجية العالم الرأسمالي. وعلى هذا النحو أيضاً تعاملوا مع الدولة التي اعتبروها اداة لخدمة مصالح الطبقة البورجوازية. واليوم يتشبثون بها ويتحدثون عن اغتيالها، بعد أن اصبحت محلاً للنقد والمراجعة، من أجل اعادة التركيب والبناء في ضوء التحولات والانهيارات والاخفاقات. ليس هذا فحسب، بل إن الذين رفعوا راية الحداثة الفكرية، وتباهوا بممارسة الثقافة النقدية، كانوا يخشون من النقد الذي هو أساس من أسس الحداثة. والفاضح، إن بعضهم كان يفزع فيما مضى من مصطلح التفكيك، أما الآن فانه لا يكف عن ترداد هذا المصطلح بمسوّغ او بدون مسوِّغ، بصورة غير منتجة في اكثر الاحيان.
وهكذا كان الأكثرون، مفكرين ونقاداً للأدب، يتصرفون كفقهاء متزمتين في تعاطيهم مع عناوين العروبة والحداثة كأقانيم لا تقبل الجدل والمراجعة النقدية، على ما كان يفعل أصوليو اليسار وطالبانيو القومية والحركات التحررية... الامر الذي دفع البعض يومئذٍ، لأن يطالب بردع الاجتهادات الميسئة الى الامة، في مواجهة الاعمال النقدية الرامية الى الخروج من الهامشية والنهوض من حالة العجز والسبات.

ولكنهم يعودون الآن، وبعد أكثر من عقد، الى ممارسة النقد، معترفين بأن دولة التحرر التي كانوا يقدسونها قد اشتغلت بقمع حريات التفكير، وبأن الايديولوجيات القومية واليسارية التي كانوا يتشبثون بها، أسهمت في تدمير المشروع النهضوي العربي.

كانوا من قبل مع نقد الآخر ممثلاً بالامبريالية والرجعية والعولمة والامركة، وصاروا الآن مع نقد الذات وتغيير الاسم. وهذا التغير هو من مفاعيل النقد الذي كانوا يرفضونه، ولكنه اخترقهم من حيث لا يحتسبون، لكي يوقظهم من سباتهم الايديولوجي ويفتح امامهم آفاقاً خصبة للتفكير. ولكنهم لا يعترفون، الاّ اذا تعلّق الامر بمراجعهم لدى ماركس ولينين وسواهما أو لدى خصومهم على الساحة الغربية.

هذا شأنهم جميعاً. إنه يتبنون ما كانوا يرفضونه من نقد لمفاهيم النخبة والتقدم والحداثة والقداسة والحضارة والثقافة ونقد العقل، ناهيك بأولئك المناضلين والمثقفين العضويين الذين كانوا يرون أن مهمة الفكر الأولى هي أنه صاحب مشروع للتغيير. ولذا كانوا ينتقدون من يقول بأن مهمته الاولى هي أن يكون منتجاً وخلاقاً في مجال عمله لتجديد أصول المعاني وحياة الافكار أو شبكة المفاهيم وأنظمة القيم. فإذا بهم اليوم يسطون على ذلك ويتبنونه بوصفه جديدهم، أو ينسبونه الى فلاسفة الغرب، كي لا يعترفوا بالانجاز الذي تحقق على يد عرب آخرين.

- آفة الجهل

آفة الجهل هي من أفدح الآفات من حيث عواقبها وتداعياتها السلبية. فما أكثر ما يدعي الانسان العلم بالواقع فيما هو جاهل به. هذا ما تكشفه الازمة المالية الآن: العجز عن توقع الازمات، مع كل هذه الترسانة من النظريات والبرامج والحواسيب، ومع كل هذا الحشد من العلماء والخبراء، سواء تعلق الامر بالانهيارات المالية أم بالكوارث البيئية.

ومصدر العجز هو الحراك الهائل والمتسارع الذي يتغير به العالم، الامر الذي يخلع طابع الخفاء والاستعصاء على المشكلات والازمات. وربما يعود العجز الى الاعتماد الكلي على المعلومات وأنظمتها الفائقة، التي لا تأخذ بعين الاعتبار وضعية الفاعل البشري الذي هو كائن له مواقفه ومشاعره أو اهواؤه أو نزواته. وهكذا تبدو العقلانية أعجز من أن تعقل، كما يلاحظ الفيلسوف روجيه بول دروا. ولا غرابة: فهذا هو مآل التعامل مع الناس كأدوات وحواسيب: العجز عن الحساب والتقدير او الفهم والتدبير.

والافدح في هذا الخصوص هو الجهل بالنفس المتولد عن المركزية البشرية التي زينت للانسان بأنه سيد الطبيعة ومالك الملك الذي يتصرّف في ملكه كما يشار ومن غير حساب. فإذا النتيجة كل هذا التصحر والتبديد والتلوث.
وهكذا فالانسان المتعالي الذي ندعي صفته لم نصل اليه بعد. لأن الانسان ليس في النهاية سوى واحد من كائنات الطبيعة ينخرط في تدميرها، منذ بدأ يعمل ويصنع، بانتقاله من استئصال بيئي وحيوي الى آخر، وكأنه يشكل شذوذاً على الطبيعة بذكائه المخرّب، كما يلاحظ علماء الحياة.

من هنا الحاجة الى أن نخفف من منازع التأله وأن نكسر نرجسية الأنا لبناء عالم جديد يتم فيه تحرير الطبيعة وانقاذ الحيوان.

- آفة القصور

والوجه الآخر للفوات هو آفة القصور التي تجعل الواحد يتهرب من مواجهته لذاته، بالمحاسبة العقلية والمراجعة النقدية، لرمي المسؤولية على الغير.
هذا ما يفعله بنوع خاص المثقف بمنوعاته الثلاثة: الاسلامي والقومي واليساري. إنهم يردون مصائب المجتمعات العربية الى الغزو الثقافي الغربي، او الى الامبريالية والعولمة والامركة، كما تشهد مواقفهم من الاحداث والمجريات، بالامس واليوم. وهذا التهرب من حمل المسؤولية له جذوره الخرافية التي تجعل الواحد يرمي اخطاءه عموماً على الشيطان، كما يرمي أخطاءه الآن وبنوع خاص على الأميركان، ولا عجب إذن أن يجمع أعداء اميركا بينها وبين الشيطان.

ولذا نجدهم، اليوم، يفرحون او يشمتون بالازمة التي تضرب الولايات المتحدة والعالم، كما فعلوا غداة احداث ايلول 2001، كما هم يبتهجون للانهيار الحاصل في النظام المالي والعالم الرأسمالي والنظام العالمي جملة، لأن ذلك يعفيهم من المسؤولية والنقد والمحاسبة، بقدر ما يعطيهم المبررات للدفاع عن أسوأ الانظمة السياسية او أسوأ الأنظمة الرأسمالية التي أنتجت تحت يافطة الاشتراكية والعدالة الاجتماعية والتحرر الوطني..
وبالامس وقفوا في مواجهة فوكوياما الذي كشف تخلّفهم وعجزهم بمقولته حول "نهاية التاريخ"، فكانوا مجرد ردة فعل لا تساوي الفعل نفسه. هم لم يفهموا مغزى عبارة "النهاية" التي تعني العبور والانتقال من عالم الى آخر او من دورة الى دورة او من صورة الى اخرى... مع أنهم افنوا اعمارهم النضالية، حنحنة وطنطنة، برفعهم راية التقدم الاجتماعي والتحول التاريخي.
لعل فوكوياما أخطأ في استشرافه المستقبل، الذي رأى فيه انتصار الليبرالية والديموقراطية واقتصاد السوق... ولكنه كان اول من قام بمراجعة لمقولته بعد عشر سنوات على اطلاقها، واضعاً يده على إشكالٍ كبير: كون الانسان ما زال عاجزاً حتى الآن، بكل نماذجه الانسانية وأنماطه الثقافية، عن بناء هندسة اجتماعية تحقق قدراً من الوعود الألفية بإقامة مجتمع السلام والعدالة والرفاه... كذلك كان موقفه من مسألة الدولة، وقبل انفجار الأزمة الاخيرة: لقد قام بمراجعة نقدية مدافعاً عن قوة الدولة وضرورتها، خاصةً في البلدان حيث الدولة ضعيفة او هشّة تجاه قوى المجتمع الاهلي.
وهذا ما يفعله فوكوياما الآن في مواجهة الازمة: إنه يقرأ قراءة نقدية ما يجري، كما في مقالته حول تراجع الماركة الاميركية. والنقد هو ارتداد المرء على ذاته ومراجعته لأفكاره. مما يعني أنه من الظلم لفوكوياما أن نقارنه بالمثقفين من نقاده، فهم ليسوا بجرأته النقدية، ولا هم من قماشته المعرفية والفكرية.

ولذا فالازمة لا تعني سقوط فوكوياما الذي ما انفك يمارس استقلاليته وحيويته الفكرية، وانما تفضح المثقفين الذين يرمون مصائبهم على الغير، او يعتبرون هزيمة الآخر نصراً لهم، او يصفقون للانهيارات تغطية لعجزهم، او يبررون خطأهم بأخطاء سواهم.

هذا دأبهم. انهم يحسبون المشكلة حلاً، ولا يحسنون سوى التستر على الاخطاء والمساوئ لكي تفعل فعلها بصورة مضاعفة. هذا ما تشهد به مآلات المشاريع والشعارات حيث تحولت الديمقراطية الى أنظمة ديكتاتورية، والاشتراكية الى فقر وبربرية، والجمهورية الى أنظمة ملكية ولكن من النوع السيئ.

واذا كان تبييض الاموال هو من اسباب الازمة الاقتصادية، فإن العطل الاكبر عندنا هو "تبييض الأخطاء"، اذا شئنا الاستعارة من عالم الاجتماع أولريش بك.

- بيئة حضارية جديدة

مؤدّى هذا التشخيص للأزمة العالمية المركبة، برؤوسها المتعددة الامنية والبيئية والغذائية، أنه ما عادت تصلح إدارة العالم وصناعة الحياة أو قيادة المصائر، بما هو سائد من العقليات والمفاهيم أو القيم والمعايير او الخطط والاستراتيجيات. فإذا كان العالم يتغيّر بنظامه وقيَمه وخريطته، فالافكار تتغيّر لا محال، كما تتغير بنوع خاص سياسة الفكر واستراتيجية المفكّرين في التدخّل والتوصّل.

من هنا لا تتعلق المسألة الآن لا بنهاية التاريخ ولا بعودته، لا بأطياف ماركس ولا ينهايات فوكوياما، لا بمنطق الغزو ولا بالمحافظة على الثوابت. القضية أن نكسر منطق التفكير بلغة الضد وعقلية المعسكرات، وأن نتحرر من الحتميات الصارمة والثنائيات الخانقة والتشبيحات الايديولوجية التي صنعت الازمات، لاجتراح رؤى مغايرة وابتكار عدة مفهومية جديدة اكثر مصداقية وفاعلية في المقاربة والمعالجة، بقدر ما تُسهم في اعادة صوغ وتشكيل مرجعيات المعنى وأنماط المشروعية. من هنا ما تحتاج اليه البشرية الآن، وسط كل هذه المساوئ والمخاطر والكوارث، هو تغيير مزدوج ومركب يطال أطر النظر ونماذج العمل، كما يطال صيَغ العقلنة ودروب المعرفة، وعلى نحو تتجدّد أنظمة القيَم وقواعد المداولة أو المعاملة.

أخيراً، هل أنا أقع في ما أخذه الغير، كوني أنخرط أو أنزلق في عمل التنظير على نحو كلّي او شمولي؟ هذا هو الالتباس الكبير. في كل محاولة للتفكير والفهم: فالافكار والمفاهيم والخطابات هي طيّاتها وحُجُبها، بقدر ما هي التباساتها ومفارقاتها... من هنا أعتبر أن ما يطرحه أحدنا ليس حقائق مطلقة او نهائية، وإنما هي افكار للمداولة، تكتسب أهميتها من كونها تحضّ على المسائلة والمناقشة، او تفتح الابواب والآفاق لاجتراح امكانات جديدة للتفكير والتقدير او للتدبير والتسيير، وبصورة تسلّط الضوء على الاخطاء والمساوئ، أو تُسهم في تشريح الآفات وتفكيك المشكلات. وأمّا الحلول التي تخصّ مجتمعاً او عالماً بأسره، فهي ثمرة جهود كل مَن تمسّه أو تعنيه، بصورة أو بأخرى.

آن لنا، نحن المشتغلين بصناعة الافكار أو انتاج العلوم والمعارف، أن نتغيّر من حيث علاقتنا بمهننا ومكانتنا ودورنا في صناعة الحياة وبناء المجتمع. فلا مهرب من تغيير مركّب يطال الافكار وطريقة التفكير ودور المفكّرين، إذا شئنا أن نسهم في صناعة الاحداث بصورة إيجابية وفعّالة او راهنة. وبداية ذلك، ممارسة التواضع. أولاً بالكفّ عن خلع صفات الألوهة والعبقرية على بعضنا البعض، وسواها من التهويمات او التشبيحات التي تجعلنا ننسب قرناً أو حقلاً او حركةً او ثورةً، الى أديبٍ او عالمٍ او فيلسوف.

ثانياً، أن نكفّ عن ادّعاءات التيقّن والقبض والتحكم في مسار التاريخ وسير العالم. فلا أحد يستطيع، على نحوٍ دقيق ومطابق، أن يحدّد او يتصوّر او يستشرف قوانين التطور وشروطه او حركة التاريخ واتجاهات المستقبل. لأن ما يحدث أو ما نخلقه من الوقائع والحقائق، إنما يتجاوزنا باستمرار لكي يخربط خرائطنا العقلية وأنظمتنا المعرفية، كما يخربط حساباتنا وبرامجنا السياسية والإستراتيجية من هنا الحاجة الدائمة الى المراجعة، لاعادة البناء والتركيب او الصوغ والتشكيل.

ثالثاً، أن نقتنع بأن عملية تغيير المجتمعات والعالم، أياً كان العنوان والشعار، إنما هي مصير مشترك، كل فاعل يشارك فيها بفكره وعمله أو بمعرفته ودرايته او بمبادرته واقتراحه، على مستواه أو من موقعه او في دائرة عمله، سيما وإن الانسان هو فاعل فكري بالدرجة الاولى، أياً كانت التجليات والقطاعات أو المهن والاعمال والصناعات.

المستقبل
الثلاثاء 6 كانون الثاني 2009