رشيد بوطيب
(المغرب/المانيا)

رشيد بوطيبيعلن بلانشو في "الفضاء الأدبي" بأن الأجوبة لا تتمتع بالحياة إلا في الحقب السعيدة. وقبله بثلاثين سنة، دافع لوكاتش في كتابه الشهير:"نظرية الرواية" عن نفس الفكرة، التي ترى بأنه لم يعد بالإمكان أن يحذو المرء حذو هوميروس في الكتابة. ذلك لأن هوميروس "وجد الجواب، قبل أن يسمح النمو التاريخي للفكر بطرح السؤال." إن لوكاتش يكتب أيضا، مؤكدا الفكرة نفسها:"الاغريقي يعرف أجوبة، ولكن لا يعرف أسئلة، يعرف حلولا (وان كانت ملغزة)، ولكنه لا يعرف ألغازا، يعرف أشكالا، لكنه لا يعرف فوضى.". لقد أكد لونجينوس، الكاتب الإغريقي القديم، في كتابه "عن الرائع"، بأن "الرائع" حنين إلى الألوهية، انه يعود بنا إلى ذاتيتنا الخالصة، إلى عمقنا، إلى حقيقتنا الالهية، فهو يرفعنا إلى مصاف الآلهة، والكتاب الكبار، هم في نظر لونجينوس، آلهة. وداخل مفهوم "الرائع" لا مكان للطفل أو الأحمق، ولا مكان لكل من لا يعرف قيمة العقل والأخلاق، ولكلّ من لا يتمتع بحريته كاملة، كالعبيد وأمثالهم. إن الرائع في اليونان القديمة: صوت الإله. وفي الاستيتيقا الترنسندنتالية لكانت، يرتبط الرائع صميميا بالعقل والأخلاق. ولدى هيجل في "الاستيتيقا" هو تعبير عن الروح المطلقة، عن توافق الفكرة والشكل، عن تماهي العقل بالتاريخ. إن "الرائع" في هذه الرؤية، مغلق ومنسجم، مقدس ومفارق. وأهم تعبير في تاريخ الأدب عن الرائع: الملحمة. في المقابل يمكن اعتبار الرواية شكل من أشكال الرائع المتمردة على كل حقيقة، المدنسة والممزقة.. بلغة أخرى، يمكن اعتبارها التعبير الأمثل عن الرديء. فالرواية شكل لانهائي وغير مغلق، لأنها لا تسعى إلى التعبير عن مثال أخلاقي معين، مغلق ومطلق. فداخل عالم الرواية لا مكان للانسجام والقواعد. إنها تملك شكلا هجينا مفتوحا، وإذا ما استعملنا لغة امبرتو ايكو، نقول إنها تتمتع بتلك التسييمية اللامحدودة. فالرواية تعبير عن عالم ممزق. لكن التمزق شرط تحقيق الحوار. إذ مع الرواية سيغادر المرء عالم الهوية والحقيقة. انها، حسب لوكاتش، تعبير عن العراء الترنسندنتالي. وقد ذكر بعض النقاد أن دوستويفسكي ظل دائما يردد بأن روحه مريضة، ويمكننا أن نقول نفس الشيء عن الفن الروائي، فهو تعبير عن هذا المرض وعن هذا التمزق الذي ألم بالعالم، انه تعبير مبهم، متعدد، مفتوح، ومقلق. مع الرواية يغادر المرء "البساطة السعيدة" على حد تعبير بلانشو. انه أمام فن لا يمكن العودة به إلى شكل أحادي البعد، إمبريالي المعنى. فالرواية صوت مَن لا صوت لهم، مَن نساهم أو تناساهم المؤرخ الرسمي (الكرونيكور)، وهي تاريخ من عاشوا وقضوا خارج التاريخ، تاريخ أولئك الذين عاشوا حياة رديئة لا تستحق التأريخ. وإذا كان لنا أن نتحدث عن مميزات الرواية، فيمكن أن نلخصها في ثلاث، دون أن نزعم أننا بذلك نكون قد أمسكنا بجوهرها وحقيقتها، والمميزات الثلاث، هي الواقعية، الحوارية، و الضحك. إن الرواية عودة إلى الوجود. لقد عبر ادموند هوسرل في آخر ما كتب:"أزمة الإنسانية الأوروبية والفلسفة"، بأن أزمة الفكر الأوروبي تضرب بجذورها حتى فلسفة ديكارت و غاليلي. إنها تعود إلى العلم الذي اختزل العالم إلى موضوع للكشف التقني والمادي، والذي نسى الحياة الواقعية للبشرLebenswelt. واستنادا إلى رأي هوسرل، يرى ميلان كونديرا في "فن الرواية" بأن ثربانتس يؤسس إلى جانب ديكارت للأزمنة الحديثة. ويرى أنه في اللحظة التي تناست فيها الفلسفة والعلوم الوجود البشري، لم يكن للرواية لدى ثربانتس من هدف آخر سوى هدف اكتشاف هذا الوجود المنسي والمكبوت في الأعماق. وهو يسرد رأي هرمان بروخ، الذي يرى بأن مهمة الرواية هي الكشف. فالرواية التي لا تكتشف شيئا، هي في نظره رواية لا أخلاقية. غادر ثربانتس بيته وقريته، لكي يكتشف بأن العالم صار بلا مأوى. منذ البداية كانت الرواية تعبيرا عن هذا العراء الميتافيزيقي، عن هذا الرحيل الفجائي للآلهة، عن هذا الضياع الذي يتربص بالإنسان وأوهامه واعتقاداته، عن هذا التضاد الحاد بين شعرية الداخل ونثرية الحياة ورداءتها. تعبير عن عالم تمزقه الأفكار والحقائق المتناقضة. إن كونديرا يسمي ذلك: حكمة اللايقين. لربما ذلك ما دفع كونديرا للقول أيضا في كتابه السابق الذكر، بأن الرواية لا علاقة لها بالتوتاليتارية، ذلك أن التوتاليتارية لا تسمح بتعدد الأصوات وطرح الأسئلة، ولأنها تنشد الروعة. وهذا غوته يعلن في "ديوان الغرب والشرق" بأن الفرس لم يعرفوا المسرح، لأن الاستبداد لا يسمح بالحوار، نفس الشيء يمكننا أن نقوله عن الأنظمة التوتاليتارية. ففي ظل هذه الأنظمة، لا يمكن للرواية أن تنضج وتتطور، ذلك أن أجوبة حديدية تحكم الواقع والإبداع، وتلجم كل صوت نشاز، وتقف ضد صيرورة الكشف. والفن في ظل هذه الأنظمة، ليس أكثر من تأكيد لتلك الأجوبة واحتفاء بها. "الواجب يقتل الحياة" كتب لوكاتش في "نظرية الرواية"، لكن المبدع الروائي اختار الحياة لا الواجب!.

* * *

هناك خطأ شائع يقول بأن اليونان هم أول من اكتشف الحوار. لكن لا الفلسفة اليونانية في "حوارياتها"، ولا المسرح اليوناني، يمكن أن نقول عنها بأنها أشكال حوارية. لقد أكد لوكاتش هذه الحقيقة، وهو يتحدث عن شخصيات التراجيديا اليونانية، في كتابه "نظرية الرواية":"كلهم يفهمون بعضهم البعض، ذلك أنهم جميعهم يتكلمون نفس اللغة، كلهم يثقون ببعضهم البعض، حتى لو كانوا أعداء ألداء، ذلك لأنهم جميعهم يتجهون بنفس الطريقة، نحو نفس المركز، ويتحركون على نفس المستوى، هو مستوى وجود مزود من الداخل بماهية متطابقة مع جوهرها.". إن شخصيات المسرح اليوناني، شخصيات شبيهة ببعضها البعض. فالتراجيديا اليونانية، بناء منسجم ومحكم، ورؤية إلى العالم واحدة. وكذلك شأن الفلسفة، حتى فيما يطلق عليه بالمحاورات، مثلا كتاب الجمهورية لـ أفلاطون. لقد أكد ذلك كل من جيل دولوز وفليكس غاتاري، في كتابهما المشترك:"ما الفلسفة؟"، إذ رأوا بأن سقراط، الشخصية الرئيسة في كتاب الجمهورية، لم يتوقف البتة عن جعل الحوار مستحيلا. لقد طرح أسئلة على أصدقائه، لكنه كان يعرف الجواب مسبقا. لقد حوّل الصديق، إلى صديق لمفهوم واحد. إن الحقيقة سابقة على الوجود، وليس هناك من جديد يكتشفه الحوار. لكن الحوار في الرواية، تعبير عن الحيرة والقلق. لذلك، فقد أصاب دريدا حين بين في كتابه "الصوت والظاهرة" بأن الفلسفة منذ أفلاطون وحتى هوسرل، محكومة بالمركزية الصوتية. إن صوت الفلسفة هو صوت الوعي لا صوت الحياة. وهي نفس الفكرة التي عبر عنها هيدجر في"الهوية والاختلاف"، إذ أعلن، بأن الفلسفة الأوروبية منذ أفلاطون، محكومة بالواحد والهوية. صحيح أن تاريخ الفلسفة يحدثنا عن فلسفات ثنائية وأخرى تعددية، وأخرى ضد كل نظام، ولكن الطابع الغالب هو طابع الوحدة لا الاختلاف.

فقط مع ظهور الرواية، اكتشف المرء الحوار. لأنه مع الرواية أصبح الفن صوتا للحياة الإنسانية اليومية. ولأنه داخل الرواية لا يمكن الحديث عن جملة أو حقيقة نهائية، تراتبية. إن رجل الفلسفة، شأنه في ذلك شأن كل حامل أيديولوجيا، مفروض عليه أن ينهي جملته، ذلك أن جملته هي تعبير عن نظرة إلى العالم، سجينة منطق محدد، لا يقبل لغوا أو عبثا أو حيرة. لا وجود إذن لفيلسوف بدون وجهة نظر، لكن الروائي غير محكوم بوجهة نظر محددة. وأحد هؤلاء الروائيين، دوستويفسكي. هذا الروائي الذي ظل دائما غير قادر على اتخاذ قرار، رهينا للحيرة والقلق. حتى أن فرويد كتب عنه قائلا:"لقد قضى حياته حتى آخر أيامها، حائرا بين الإيمان والإلحاد." وقد عبر كل من دولوز وغاتاري في كتابهما السابق الذكر عن نفس الفكرة، وان بطريقة أخرى، حين فرقا بين أبلهين، الأول مفكر خاص، ضدا على المفكر العام (السكولائي). الأول اكتشف الأنا، اجترح فعل التفكير، وطور مفاهيمه بنفسه. إنه ديكارت. أما الثاني، فهو أبله دوستويفسكي، الذي كان هو الآخر مفكرا خاصا، لكنه لم يبحث عن حقيقة، بل عن العبث. العبث عنده أعلى تجليات الفكر والحرية. ولذلك كان لوكاتش على صواب، حين أوضح في "نظرية الرواية" بأن الأحمق لم يجد مكانا في الأشكال الأدبية القديمة، بل فقط مع ظهور رواية دون كيخوته لـ ثربانتس. الأبله الأول حاول فهم العالم. الثاني يطلب اللافهم، ينشد الضياع والعبث. إن لوكاتش يقول عن ذلك في كتابه:"لقد وجد الروائي جوهره الحقيقي، في عدم الرغبة في المعرفة، في عدم القدرة على المعرفة". مع ظهور الرواية، سيكتشف المرء الحوار، لأنه فقط مع هذا الظهور، سيكتشف الفن سيادته، ويحقق استقلاليته، وسوف تصبح حياة البشر مرجعيته الوحيدة. فـ دون كيخوته لـ ثربانتس، رواية حوارية، والحوار لا يقوم فقط بين شخصين، ولكن بين ثقافتين، الثقافة الأرستقراطية والثقافة الشعبية. نفس الشيء يمكن قوله عن "أبله" دوستويفسكي، حيث الحوار، حوار بين نظرتين إلى العالم، بين الحقيقة، أو مشكين، الأجنبي، الأبله الذي يمكنه أن يقول الحقيقة، وبين آجلايا يبتشينا، رمز النظام الأرستقراطي السائد. في رواية دوستويفسكي المتعددة الأصوات، لا وجود لسارد عليم، يمسك بخيوط السرد، ويخرس أصواته متى يشاء، بل ان المرء يصطدم بعوالم وأراء ولغات متعددة، متناقضة. إذ كما يقول باختين:"ما كان بالأمس مهمة الروائي، أصبح اليوم مهمة البطل الروائي". لقد حقق دوستويفسكي على حد تعبير باختين، ثورة كوبرنيكية داخل الفن الروائيلا، حين أعطى لأبطال رواياته حرية رسم مصائرهم بأنفسهم، حين أعطاهم الحق في الكلام.. إن الحوارية تجعل من الرواية فنا مفتوحا، فنا لا يعرف الطمأنينة الساذجة، ولا اليقين الأخرس. صيرورة منفتحة ومتناقضة.

* * *

ليس صدفة أن وصف كونديرا في كتابه "فن الرواية" الرواية بضحك الإله. فالضحك أهم تعبير عن "الرديء". لدى لونجينوس كما لدى كانت، ليس للضحك أية علاقة بإحساس الروعةErhabenheit، لأن الضحك لا يمكن أن يكون تعبيرا عن الحقيقة، لأنه لا يتضمن حقيقة، ولأنه لا يحتاج إلى عقل. فهذا كانت يقول مثلا، مفرقا بين التراجيديا والكوميديا، بأن الأولى إحساس بالروعة، والثانية إحساس بالجمال. لا يمكن وصف الكوميديا بالروعة، لأنها فن ضاحك، وقد نصفها بالجميلة. ففي عالم الكوميديا لا نعثر على آلهة أو أنصاف آلهة، ولا على حقائق كبرى وملغزة، بعكس التراجيديا، هذا العالم المحكوم بالقدر والألم والشقاء. في عالم التراجيديا كان ممنوعا على الآلهة أن تضحك، كان عليها فقط أن تأمر وتعاقب وترسم مصائر البشر. ولكن مع الرواية سوف تتعلم الآلهة الضحك، الضحك حتى من نفسها، وسوف تنزل من عليائها إلى حارات المدينة الشعبية وضجيجها وعريها. في "اسم الوردة" كتب امبرتو ايكو بأن الكنيسة في القرون الوسطى كانت تحرم الضحك، لأن الضحك يحرر الإنسان من الخوف، وإذا ما تحرر الإنسان من الخوف، لم تعد به حاجة إلى اله. لذلك ربما كان من الأجدر تسمية الفن الروائي بضحك البشر، لأن التراجيديا والأديان والفلسفات علمتنا بأن الآلهة لا تضحك. ولقد تحدث باختين في كتابه "الأدب والكرنفال: حول نظرية الرواية وثقافة الضحك" عن الضحك الذي بنى كنيسته الخاصة به ضد الكنيسة الرسمية في القرون الوسطى. إن ثقافة الضحك كانت تعبيرا عن الحياة اليومية والجسدية للبشر، عن الحرية وعن الحقائق الشعبية البديهة والرديئة. في حين أن ثقافة الجد، لم تعترف يوما بالضحك، إنها لا تحسن سوى فرض الوصايا وإعطاء الأوامر، ولهذا فقد أصاب باختين، حين كتب:"الحكم، العنف، السلطة، لا يتكلمون قط لغة الضحك". كان الضحك اذن، تعبيرا عن وعي تاريخي جديد. وأحد أكبر ممثلي هذا الوعي بالقرون الوسطى المتأخرة، كان رابليه. هذا الروائي الذي شحذ أسلحة السخرية والباروديا ضد الثقافة الكنسية السائدة، والذي علمنا أن نعيش الحياة كما هي، لا كما يجب عليها أن تكون!

وأخيرا بقي أن نفرق بين الأدب كتعبير عن الرداءة، والأدب الرديء. وفي نظري، فإن الأدب الرديء هو ذلك التعبير السطحي عن رداءة الحياة، بلغة أخرى، ذلك التعبير الرديء عن الرداءة. السطحية والمباشرة، هي إحدى مميزات الأدب الرديء. وهذا ما يصنع الفرق بين رواية مثل "زقاق المدق" لـ نجيب محفوظ وسيرة محمد شكري "الخبز الحافي". فزقاق المدق تعبير أدبي عن رداءة الحياة ورداءة شروطها الاجتماعية. أما "الخبز الحافي" فهي تعبير سطحي ومباشر عن طنجة ما بين الحربين. فليست كل كتابة عن الجوع والقهر الجنسي وجريمة الأب يمكن اعتبارها أدبا. إن الواقعية ليست أبدا بالتصوير الدقيق للواقع، بل هي بداية أسلوب في الكتابة، وهذا الأسلوب هو الذي نفتقده في كتابات محمد شكري وأمثاله كثير في أدب المغرب العربي. إن الرجل هو الأسلوب، قال بوفون.