مازن معروف
(لبنان)

مازن معروففي المناطق التي تشهد اضطرابات سياسية وحركات تاريخية مفصلية، يحدث أن ينبثق شكل فني يحاكي تلك المرحلة، وغالبا ما يتسم بوصفه ملتزما المعنى الإيديولوجي، حتى في طريقة التأليف الفني، أو اللغة. يوضع الفنان بين زوايا أربع لكادر ضيق، ضيق مهما اتسع، وقد تشيخ صورة الفنان شيئا فشيئا داخل هذا الإطار المكرر، إلا إذا مدّ حبال فنّه خارج ذلك الكادر، وحاول تهريب صورته بعيداً من البورتريه الذي أُريد له في مرحلة سابقة.

أبرز مثال على ما نقوله، هو الفنان مارسيل خليفة، الذي لطالما لُقِّب بالملتزم، وطولب دوما بتكرار ما في جيوبه من أغان خطابية تجييشية، كان يستشف منها وظيفة محددة، تعبوية في بعض الأحيان، وفق متطلبات المرحلة، وخصوصا في الثمانينات. حفلته الأخيرة في مهرجان بيروت للموسيقى والفن، كانت آخر مثال على ما نقوله. في وسط الحفلة، التي تخلّى خليفة فيها عن صورته المتفردة، فاسحاً المجال لولديه رامي (بيانو) وبشار (إيقاع)، صرخ أحد الجمهور احتجاجا "هذا ليس مارسيل الذي نعرفه". هنا، يبرز الخلط لدى شريحة واسعة من الناس، بين صورتين لفنان واحد: الاولى سياسية، شيوعية تحديدا، وكأن المطلوب من الفنان قبل كل شيء آخر، إعلان التزامه السياسي لعقيدة حزبية محددة، في كل مرة يصعد على الخشبة، عبر تأديته أغاني تعكس تحديدا وجهة النظر "الثورية" تلك. بعض الجمهور هنا، لا يعنيه حق الفنان، الفرد قبل كل شيء، بالعدول عن عقيدة معينة، التزام عقيدة إنسانية شاملة، تؤيد الشعوب في مطالبها بالحرية، مهما تكن انتماءاتها العرقية أو الدينية او حتى الاجتماعية.

أما الصورة الثانية، فهي فنية. هنا، يخضع الجمهور لسلطة ذاكرته وحدها، ولآثار زمن قديم، نوستالجية، وعاطفية، تعيد شحن نفسها أمام شروط ماثلة أمامها وهي: رمزية مارسيل خليفة كصوت، والكثرة الجماهيرية (على المدرجات) التي تحيل المتفرج على صور مماثلة كالتظاهرات والاعتصامات والاعمال الحربية الجماعية للحزب الفلاني إلخ. وهي كلها أفعال جماعية، تتم بروح واحدة، وتغيب فيها استقلالية الفرد او احتكامه إلى التحليل المنطقي أو العقلاني. هذا الاستحضار لحالة الحشد في نفسية الفرد، تشبه عدوى تنتقل من شخص إلى آخر، لأن جميع هؤلاء واقعون تحت تأثير الشروط نفسها. تالياً، لا يستغرب أن يطلب من مارسيل خليفة أداء الاغنيات التي تعزز هذا التأثير لدى الأفراد، وتوهمهم بأن ما يعيشونه في ذاكرتهم، تحت سلطة أغنية ثورية ما، هو الأصح. وهذا ما يجعل بعضا من جمهور مارسيل، يعترض على حفلته الأخيرة، لأنه لم يؤد لهم ما قدموا من أجله، وأن الكوفيات التي لبسوها، لم تكن سوى أثقال زائدة على الأكتاف. ما نخلص إليه، أن الفن رهن بالظروف الاجتماعية والسياسية والتكنولوجية أيضا، وهو مطالب بالتطور وليس بسجن الفنان في صورة منمطة تتجاهل جهوده لكتابة موسيقية مختلفة. ليس من حق الجمهور أن يقول "هذا مارسيل" و"هذا ليس مارسيل"، فمارسيل خليفة صورة واحدة متكاملة، تتكوَّن من ماضيه وحاضره، من إرثه الموسيقي ومواقفه السياسية السابقة، كما من التزاماته الإنسانية والموسيقية التي هي في طبيعة الحال، أرفع شأنا من كل خطاب سياسي إيديولوجي. المشكلة، قد لا تكون في مارسيل خليفة الزمن الحاضر، بل في جمهور الزمن الحاضر نفسه، بما في ذلك نحن، لأنه لا يجوز لنا، كجمهور أن نطالب الفنان بتأليف موسيقي يشدد على صورته السابقة، بدلا من أن يتجاوزها نحو أبعاد، إن لم تكن جديدة بالمطلق، فهي بكل تأكيد مغايرة.

على المسرح، لم يحضر مارسيل خليفة كقائد، ولا كمدير للـ"تريو" خليفة (مارسيل، رامي وبشار). بل كان محض عازف عود، ومغنٍّ. كما لم يحضر كأب، بالمعنيين العائلي والأدبي الرمزي. أعطى إبنيه الفضاء الأوسع لإظهار ما في جعبتيهما من مؤلفات موسيقية. العود مثلا، لم يكن الآلة الأساسية في الحفل لكنه لم يتحول آلة ثانوية أو مساندة، بل حوارية مع الآلة ذات الأصابع البيضاء والسوداء. المساحة الكبرى أعطيت للبيانو (رامي)، فيما كان العود مكتوبا لأن يتدخل، ويشاغب بنوتات شرقية (غلبها مقام البيات) بشكل مهيب، ومقتضب، وغير مهيمن. وهو ما يسجَّل لمارسيل. فالفنان، ذو التاريخ الموسيقي الطويل، وشريكاه الجديدان، منشغلون بالتجريب، بالأصوات التي تمزج بين الجاز، والإلكتروني، والإيقاعات والارتجال الحر.

كان في توزيع بعض الأغاني القديمة كـ"يا حادي العيس"، و"طلت الحلواية" و"جواز السفر" عصب جديد، مرن، متخفف من الأثر الملحمي في التسجيلات الأصلية، وناءٍ قدر الإمكان عن التراجيديات والميلوديا البكّاءة، نحو معالجات موسيقية تخاطب العقل، من خلال الأصوات الإلكترونية حينا (الكيبورد الذي لعبه رامي وبشار)، أو الجاز الشرقي، أو المناخات الصوفية. بدا أن للبيانو السلطة الكبرى في الحفلة، بأصابع رامي التي بدت منغمسة تماما في الآلة العريضة إلى درجة غيابها التام فيه. أما الارتجالات التي قدّمها العازف الشاب، فغلب على بعضها الاستعراض لتقنياته العالية، على حساب البناء الموسيقي للجمل وعلاقاتها بعضها بالبعض. تلاعب رامي بالبيانو من الداخل مستحدثا أصواتا وترية، وإيقاعية، ومعززا هامش التجريب في المؤلفات، فيما لم يكن حضور بشار أقل من رامي بحيث ان الحوارات التي أقيمت بين الإيقاعات والبيانو، عكست انسجاما بين الأخوين، من الناحية التقنية، كما لو أن الواحد منهما نصف الحجر السحري للآخر. لا يمكن في النهاية أن نغفل تفاوت مستوى المؤلفات الموسيقية، ولا المقارنات التي ارتسمت تلقائيا في أذهاننا بين عمل مارسيل خليفة الجديد وأعمال لمؤلفين آخرين تفوقوا في الأسلوب نفسه، وجرأته في خوض توزيعات على الجاز الشرقي، نافست ما حفظناه لمؤلفين كبار، وإن لم تستطع أن تعلق في مخيلتنا الموسيقية.

النهار
25 -6-2011