آريانيل موكيرجي
(شاعر / الهند)

آريانيل موكيرجيلا تتحرّك ولكن تنقلب. تماماً كالصباح. كالكتاب النصف المفتوح الذي انطوى فوق كتفي عندما خلدت الى النوم الليلة الفائتة. مثلها، ينقلب الصباح. مثل الشذا الذي يطفو فوق نهر سوبارناريكا في جمشدبور، المدينة الفولاذية في هذه الهند الصغيرة التي حملت اليّ يوماً، شِعري الاوّل الذي تبع تعرّجاتها على الرمل. مرجعية الشذا ولدت يومها. هناك. رفعت رأسي عن كيس النوم القرمزي الذي يغطي الارض الخشبية اللامعة. ثمة نافذة فوقي تماماً. خصلات طويلة من شعر كوشيك الطويل الى جانب وسادتي الزرقاء. لم يحلّ الصباح بالنسبة اليه بعد. انها شقته في وسط مدينة نيويورك. ظلال مانهاتن الرمادية. هارلم المشهورة. تفضح النافذة لون وسادتي. الا ان الشذا ليس هنا. ما الذي وعدت به النافذة؟ مزاج قاتم لامبالٍ – الصباح؟ ارواح قاتمة بلا رائحة من العيش المغبر، لأناس قاتمين يعيشون كالفطر على هذه القمامة التي يدعونها "الحياة". الا انني اعيش من اجل الشذا الذي يلهي عن هذا كله. وعدتُ ساكي بأن احضر لها افضل عطر يمكنني شراؤه من نيويورك. ما الذي تفعله في هذه الساعة؟ كم الساعة هناك في المقلب الآخر من الكرة الارضية؟ هل انتهت من تحضير العشاء؟ هل تقرأ رسالتي الاخيرة؟ أيستنشق ابننا المولود حديثاً عبير حياة جديدة في مكان ما بالقرب من صدرها؟ من حنجرتها؟ من حضنها؟
المترو مكتظ دوماً في نيويورك. مكتظ بالاشباح. كما في فيلم "شبح". اشباح يعيشون في ماضي حاضرهم المتأخر ابداً. متأخر من اجل السبب ومن اجل النتيجة. اشباح من دون هوية، غالباً مع وجوه متجاورة، متمازجة مثل مقطوعات الراب الموسيقية التي تتلاءم مع ايّ مقطع من الكلمات. مع ذلك لا ازال قادراً على ايجاد ملاذي في الحشد الظاهر. الاختباء كالمعاني في قصيدة لم أقصدها.

"أتتكرّم على الفقير بدولار يا سيدي؟".
تقترب اليد. راحة داكنة. خمس اصابع تقدّم لي صباحاً. بالتأكيد يمكنني ان اوفّر لها دولاراً.
نزلت في الشارع الخامس عشر واكملت سيراً. اخيراً العطر. اسم سلفادور دالي مطبوع على الزجاجة. في المتجر قدّموا اليّ عيّنة لكي اشمّها. سالفادور دالي – رائحة احلامه. احلام أرغب في أن أحملها الى ساكي. شذا يمكّنني من اعادة احياء اليوم الذي التقيتها فيه للمرة الاولى في مبنى المكتبة الوطنية في كالكوتا. كان ذلك بعد ظهر يوم جمعة، والمكتبة تستعد للاقفال. لم يكن لدينا وقت لملء الاستمارة، لذا جلسنا على الدرج وتحدثنا. شربنا القهوة في المقهى الملحق، دخنّا السجائر وتحدثنا. ألقينا قصائد لشعراء رحلوا وتحدثنا. لمست شعرها، لمست رسغي. استقلّت القطار الاخير الى منزلها قبل ان يدق ناقوس المساء كانفجار رمانة زرقاء.

كان الظلام دامساً عندما دخلتُ متنزه جورج واشنطن. يا لهذه الفوضى! حشد ضخم وجحيم من الالحان. يبدو انه احد برامج "أم تي في". مغنّو راب مبتدئون في كل مكان. وقفت تحت شجرة بلوط. في وسط المتنزه، يصوّر فريق المحطة بعض الاغاني المصورة لفرق جديدة مع مئات المعجبين الذين يشوّشون على الموسيقى المرتجلة. لاحظ مغني راب شاب استنادي الصامت الى الشجرة فقال مغنياً – "اوه! ارى رجلاً جامداً تحت الشجرة"، وأكمل في ايقاع آخر: "يبدو انه آسيوي".
شِعر طائر، اسرع من حشرة طائرة. ذكّرني بفناني القرن التاسع عشر في البنغال الذين كانوا يخلقون ايقاعات بميكانيكية تشبه الى حد كبير ما يفعله مغنّو الراب هؤلاء على ايقاع الطبول، فيما كل منهم يحاول نيل الحظوة الاجتماعية في حضور الاعيان والنبلاء. صفقت وغادرت المتنزه.

143 شارع الغرب، اتوجه الى منزل كوشيك. مع ان الساعة لا تزال التاسعة، تغرق هذه الجهة من الشارع في عتمة سامة. شارع فارغ مع ذكرى واهنة لبعض الاضواء القديمة. كل ما تبقّى مُطفأ الليلة. حملت علبة العطر الى صدري وواصلت السير. على بُعد بضعة ياردات امامي، تمشي سيدة ممسكةً يد طفلها. فجأة دوّى طلق ناري. ثم ثانٍ وثالث. تجمّدتُ في مكاني لثوانٍ. لم اعد ارى السيدة. لا بد ان الاشباح تلاشت في النسيان المعتم. وقفت في مكاني، في وسط ما اعتقدت انه 143 شارع الغرب، افكر بارتباك في ما عليَّ فعله، عندما ظهر من العتمة رجلان اسودان. احدهما عاصباً رأسه، والآخر يحمل سلاحاً في يد ومصباحاً في اليد الاخرى وكلاهما موجّه الى صدغي. بقيت في حيرتي أحمل زجاجة العطر قريبة من قلبي، بينما كانا يقتربان مني. في اذناي تغلي الدماء، ربما كانتا تدخّنان. الرصاصة المفترضة تدفع بي داخل عتمة أكثر كثافة بكثير من تلك التي تخيّم على الشارع. الا ان لا احد يطلق النار. كان الامر خطأ. صاح احدهما: "ارحل من هنا يا رجل". انطلقتُ مسرعاً متجاهلاً ابواق السيارات في شارع أمستردام المزدحم دوماً، وعبرت الى الجهة المقابلة من الشارع 143. لا يزال قلبي يخفق بشدة. اما زجاجة العطر، التي كنت طوال الوقت احملها الى قلبي فانزلقت ووقعت على الرصيف مصدرةً صوتاً معدنياً. لقد تحطّمتُ! يا الله! ملأني شذا عذب ومنعش لا مثيل له. سلفادور دالي، الشذا الاثيري الذي تعهّدت ان احضره الى ساكي يتسرّب. انحنيت لألتقط العلبة. فتحتها، واخرجت الزجاجة منها. كانت لا تزال سليمة. لم ينكسر شيء. لم اخسر شيئاً. لا شيء يرشح. اين مصدر هذا الشذا اذاً؟ سلفادور دالي؟ ليتني استطيع تغيير المكتوب على الزجاجة، لأكتب مكانه: رائحة الموت.

النهار – 21/ آب/ 2007