فرج بيرقدار

فرج بيرقدارما من شيء لا يحيلني أو أحيله على النقيض، فإن لم أعثر عليه ذهبت إلى المفارقة، أو اكتفيت بالمقارنة وحسبيَ القاتل ونِعْمَ القتيل. هي لعنة قديمة لا أدري سببها ولا متى أصابتني. لكن اللعنة اليوم تبدو أشد استحكاماً، وتغري باللعب، وربما بالعبث، بتلك المسافة الفاصلة بين ما يميل إليه الأسر والموت، وما تميل إليه الحرية والحياة.
ولماذا لا أعبث، وأهذي حتى، إن لم يكن وجودياً فبالمعنى الأدبي على الأقل؟
أليست هي المسافة نفسها بين حاضري في أسوج وأمسي المهتوك والمفخَّخ في بلادي؟
هكذا إذاً أحاول تحديد يومي وتعريفه بغية استدراجه لإحراجه فقط، وليس من أجل القبض عليه.
أكره صيغة "القبض على"، فقد صار لها في العقود الأخيرة دلالات لا تقلُّ فظاعة عن دلالات القبض على السيد المسيح.
أدرك مسبقاً أن ما أحاوله لن يبلغ المرمى الذي أريد، ولكن...
دفعة واحدة، من زمن ضحل، قليل الكثافة وركيك المعنى في سوريا، إلى زمن استوكهولم المتدفق في أكثر من اتجاه، وهو يرشق مواسم وروده وأجنحته على نحو يغري باللهاث خلفها إلى درجة لا تتيح للمرء فرصة التلفّت إلى وراء (في داخلي ما يتلفّت) بل تدفعه إلى التخطيط والتحايل على الوقت والمسافات والمعاني عبر الانترنت والموبايل ومطالعة جداول وسائط النقل والركض على السلالم المتحركة، وإلى تعديل خططه ورغباته بين محطة للمترو وأخرى.
أجاهد في أن لا أكون أمياً بالمعنى المعاصر لمفهوم الأميّ.
نسبة الأمية في أسوج هي صفر بالتمام والكمال، وآمل أن لا أخلخلها، ونسبة الجمال في الطبيعة والبشر تكاد تعادل النسبة التي يحققها رؤساء العالم الثالث في استفتاءاتهم، مع حفظ الفارق بين الحقيقة والأكذوبة.
لا أتحدّث عن شيء آخر خارج يوم في حياتي. الجمال مثلاً مسألة يومية هنا، مثلما البشاعة هناك.
وإذا كان كل جمال موجعاً، فإن جمال النساء هنا هو الأكثر إيجاعاً، ولا سيما جمال اللواتي لا يعرفن ولا ينتبهن إلى فداحة جمالهن.
ليس للجمال في أسوج فرصة للاستقالة من ملكوته.
منذ عامين تقريباً وأنا أعيش كمطرود محظوظ إلى هذه الجنة. أقيم في الشقة التي يستضيفني فيها "نادي القلم" وقسم الثقافة في استوكهولم. شقة قريبة من المركز، تشرف على شارع مؤمن بما تمنحه أشجاره من ألفة وطيور وصلوات، وتترامى خلفها حديقة تشتهي أن يستجمّ فيها أحد أو يقيم حفلة شواء.
إلى يمينها حديقة مسفوحة على بضعة كيلومترات مربعة مسحورة بالمروج والأجساد التي تتعرّى وتسبّح خالقها، كلما هربت الشمس من رقابة الغيوم.
كل يوم هو نفسه وغيره، إلا أني أميل إلى كسر ما يشي بالرتابة والإيقاع، فأمشي في كل يوم على ضفة بحيرة جديدة، لكني غالباً ما أكمل قصيدة الطريق على طول الشاطئ إلى مركز المدينة.
في أسوج ما يزيد على مئة ألف بحيرة، واستوكهولم أرخبيل ساحر يضم أكثر من 25 ألف جزيرة لا يكفي الوقت لقراءتها وتأويلها أو حتى إلقاء السلام عليها.
حريات وغنى وعروض فائضة على سطح الوقت، وإن كانت في العمق مشدودة إلى ما يشبه شبكات خطوط المترو والقطارات.
كل شيء هنا معدٌّ لتسهيل استثمار الوقت واستنزافه بأيسر صورة ممكنة، كما هو في سوريا معدٌّ لتعطيل الوقت وتبديده بأيسر صورة ممكنة أيضاً، بدءاً من الأمور المعيشية، مروراً بالصحة والمعرفة، وانتهاء بتخصيب القيم والطبيعة هنا وتصحيرها هناك.
لعلني أمتدح حاضر أسوج على نحو ما، لألعن حاضر سوريا على نحو ما. أما الماضي البعيد والمستقبل الذي آمله قريباً، فأمران مختلفان.
يبدأ يومي بالانترنت لمتابعة آخر أخبار السياسة والثقافة، ومعرفة الطقس وارتداء الثياب الملائمة.
يقال هنا: ليس ثمة طقس جيد وطقس رديء بل ثياب جيدة أو رديئة.
أتصفَّح الانترنت على مهل. كلمة "مهل" تذكّرني الآن برئيس الدورية التي أقلَّتني إلى مستشفى حرستا العسكري. كان ينظر إلى الأطباء وإلى قدميَّ المتورّمتين وهو يقول بأقصى ما درّبوه عليه من "حنان": إمشِ على مهلك... على أقل من مئة مهلك .
حسناً. في الحقيقة ليس حسناً البتة. قلتها كمتكأ لفظي لا أكثر.
حصتي من الانترنت مفتوحة هنا. في سوريا لم تكن تتعدى نصف الساعة يومياً.
في السابعة والنصف يحين موعد ذهاب الصغير الى الروضة (روضة خمس نجوم. ليس في أسوج روضات بنجوم أقل. وفي صفّه ستة عشر طفلاً تشرف عليهم أربع آنسات. أربع فقط !(
أتابع بعدها إلى "روضة الكبار"، لتعلّم اللغة. الطريق بضع دقائق بالمترو (يا إلهي كم تحتاج بوسائط النقل في سوريا)، ثم أدلف إلى طريق تفضي إلى غابة أستحمّ بظلالها قبل دخول المدرسة.
في كل مكان ترى الجمال ولكنك لا تحس به كما يليق. لكي تستطيع ذلك فأنت في حاجة إلى آخر قابل أن يتبادله معك.
تسير في شوارع استوكهولم سعيداً كمجهول لا يعرفه رجال الأمن ولا يتعقبونه. لا ترى صورالزعماء، ولا تقرأ شيئاً عن "الوحدة والحرية والاشتراكية". إنهم وحدويون وأحرار في طبعهم،واشتراكيون في الغالب.
لكن الوقت يتعقّبني. الوقت الذي كان يرهقني تسرّبه من بين يدي هناك، يرهقني هنا بمطاردته في الكثير من الأنشطة والجماليات المتاحة.
أحياناً أشعر بالضيق من ضعف لياقتي التي لا تعرف كيف توفّق بين انشدادها إلى إيقاع حداء الإبل، وبين اقتناعها بمواكبة إيقاع الأرقام.
أنا ابن صحارى الشرق، بحنين رمالها وسرابها ومفاجآت واحاتها، وجدت نفسي هكذا، دونما نية أو تخطيط، في عالم يكاد يسأم من إدمانه الرفاه والغابات والمروج، ويتذمر من كثرة ثلوجه وأمطاره.
أسوج شمال الشمال الذي يأخذه الصيف نحو نهارات تشتاق إلى شيء من العتمة، والشتاء نحو ليال تشتاق إلى تحية من شمس عابرة.
أعود من دورة اللغة إلى الروضة. لقد "أفسدوا" الصغير، وعلينا أن نواصل إفساده على طريقتهم.
في كل مساء ينبغي أن نرتب له برنامجاً مغرياً يتضمن الذهاب إلى حديقة جديدة (لحسن الحظ، الحدائق هنا لا تنتهي)، ووجبة في "ماكدونالد" الذي أكرهه، ليس لسبب ايديولوجي (لا سمح الله)، وليس لضيق ذات اليد، فدخلي كمتوسط دخل الفرد في أسوج، أي قرابة ستة وعشرين ضعفاً لما هو في سوريا، لكني أكره هذا "الاستبداد الديموقراطي" الذي ينجح "ماكدونالد" في ممارسته على رغبات الأطفال والشباب، ويحتل أجزاء واسعة من أسوج.
هكذا تنعقد وتنفرط احتفالات نهاري في دوائر صغيرة، تستغرقني وأستمتع بكثير من تفاصيلها وسهولة جريانها وعدم تحسّبها لأي طوارئ، غير أن عيني وقلبي على الليل.
في الليل أبحث عن معناي مع القراءة والكتابة، مع أخت الله، أعني فيروز، وآمل أن لا يكفّرني أحد على هذا الاستخدام المجازي، مع الميجنا وأبو الزلف والموسيقى الكلاسيكية. لكن الأٍسوجيين خارج المناسبات وعطلة نهاية الأسبوع، لا يتسامحون مع الضجيج بعد العاشرة في ما يُفترَض أنه ليل.
لا بأس. أُنيم حركة الوقت على السطح، وأبدأ ديدني الملعون بهدوء وصمت اعتدتهما طويلاً، كما أبدأ أحلاماً، في منتهى اليقظة والحنين، وقد أتوهّم أن قليلاً من الحرية والأمان والكرامة، يجعل بلادي أشهى، وربما قابلة لأن تحلم بأكثر مما هو محقق ومبذول في هذه الأسوج الجديرة بأهلها مثلما هم جديرون بها.

"النهار"
11/9/2007