ابرهيم الكوني (3/3)

ابرهيم الكونيأخرج لأقاسم الخلق نهارهم بعد ان اكون قد سددت الدين نحو نهاري. أبدأ بقضاء الحوائج الدنيوية: تصفية شؤون كانت رهن الاجراء. الردّ على مراسلات حملها بريد الصباح. تحرير المخاطبات مع دور النشر في مختلف أركان الأرض. ضبط قائمة المواعيد الخارجية. والخروج إلى دوّامات الممسوسين في المدن في حال الضرورة القصوى فقط: جنيف أو برن أو زيوريخ. ففي أعوام الاقامة على مرتفعات لينين في موسكو اضطرّتني المسافات الاحتيال لاقتصاد الوقت بتجميع ملف الحوائج اليومية أياماً والتضحية بيوم محدّد مخصّص لتصفيتها بضربة واحدة، لأن الوقت الذي ننفقه في قضاء مثل هذه الحوائج دائماً وقت ضائع يروق لـ سنيكا أن يسمّيه الوقت الذي يؤخذ منّا بالقوة. فبرغم سخف الكثير من معطيات هذه القائمة إلاّ أن وزرها يكمن في ضرورتها بالذات. ضرورة من الجنس الذي لا نملك إلاّ أن نقضيه برغم يقنينا بأنه لا يجلب السعادة كما يقول أفلاطون.
ضغط حوائج الايام والاسابيع في يوم واحد صنف من تقنية يجب ان نحسن استخدامها في الحرب التي تفرضها العلاقة مع العالم لئلا تستحيل في كفّ أهل الباطل وثيقة لإدانتنا في ما لو تسامحنا وغضضنا النظر عن الحقيقة القائلة بأن الطرف المخوّل انقاذ العالم ليس الطرف الذي يشارك بدورٍ في المهزلة البشرية، ولكنه الطرف الآخر المتأمل لفصول المهزلة البشرية!

9

في المساء لا بدّ من أداء الفريضة التي بدأ بها النهار وهي المثول بين يدي اللاهوت في حرمه: الطبيعة! وهو عمل مثيل لتأدية صلاة العشاء في يوم ابتدأ بصلاة الفجر. وهي رحلة ليست مجرّد نزهة في أحضان الغابات الجبلية للريف السويسري الكلاسيكي، ولكنها رحلة ذات بُعد روحي ايضاً. ذلك أني كثيراً ما استعملتها في استلهام الحلول لتلك المستغلقات المستعصية التي غالباً ما تعترض مسيرة كل من كبّلته الاقدار بأغلال السرد الروائي. وهو ما قد يعني أن المبدع ليس عاشق طبيعة من جانب واحد، ولكنه معشوق الطبيعة ايضاً من جانب آخر. وبرغم أنه من قبيل المجازفة أن يتورّط راوي الفضاء الصحراوي في وصف طبيعة مغايرة كالريف الاوروبي، الاّ أني يجب أن أعترف أن سرداً كهذا استهواني دائماً بسبب ما يخفيه من إغواء! فبرغم الجدال في الطبيعتين الاّ أن ثمة قاسماً مشتركاً أعظم بين هذين العالمين ألا وهو: التطرّف! فالنهار الصحراوي الشديد الحرارة نهاراً لا يلبث أن ينقلب صقيعاً ليلاً، ولا سيما الجزء الشمالي من الصحراء الكبرى. الطبيعة في الألب السويسري، أو في مرتفعات الكاربات، سنوات الاقامة في بولونيا، أو في مرتفعات لينين، سنوات الاقامة في روسيا، تتحلّى بالنزعة المتقلبة المزاج ذاتها. ولا أنسى كيف لجأت الى القرية الديبلوماسية قبل انهيار الامبراطورية السوفياتية طلباً للسكينة في زمن كنت أصارع فيه عملاً ملحمياً هو "المجوس" فوجدتها مهجورة الاّ من العمالة بسبب انقضاء موسم الاجازات وحلول موسم أعشقه كما لا أعشق أي فصل آخر من فصول السنة وهو الخريف. كانت القرية الديبلوماسية تلك من إنجازات المرحلة الستالينية تأسست خصيصاً لايجاد متنفّس للبعثات السياسية الاجنبية في ربوع الاتحاد. وهي تبعد عن العاصمة حوالى المئتي كيلومتر، وتستلقي على ضفاف نهر الفولغا مباشرة، مطوّقة بأدغال بكر من غابات الصنوبر والبتولا والسنديان. وجدت نفسي يومها وحيداً في مدينة نموذجية مهجورة في فصل اعتاد الشعراء الروس أن يتغنّوا بأفضاله بسبب تلك الفتنة التي كان يختم بها الطبيعة الروسية الشهيرة. وبرغم أني لم أحرم نفسي من الاستمتاع بكل ركن في هذه المملكة الرائعة (التنزّه عبر الغابات، الرحلات النهرية عبر الفولغا، الاسترخاء في بساتين المنتجع في الايام المشمسة)، الاّ أني أنجزت فيها عملاً لم أفلح في إنجازه في عواصم العالم في أشهر، وكانت النتيجة هي الانتهاء من الرواية قبل الزمن المقرّر لها بشهور كاملة. وحزن الطبيعة التقليدي في خريف ذلك العام ذكّرني بنظرية شوبنهاور عن جمال الحزن الذي يبدع أضعاف ما في وسع الجمال أن يبدعه مجرداً من مسحة حزن! حقاً أن الجمال لا يكون جمالاً ما لم ينطبع بسيماء الحزن، ربما لأن الجمال الإلهي دائماً جمال مجبول بحزن عميق! فعندما حللت في سويسرا منذ خمسة عشر عاماً فراراً من تلوث البيئة في شرق أوروبا وهرباً من الروح التجارية التي حلّت محل العماء الايديولوجي في نفسيات أهل روسيا، نزلت آنئذ في البدء منطقة "بيرنر أوبرلاند" على ضفاف بحيرة تون التي ينبثق منها نهر آرا الذي يعبر مدينة بيرن ليصبّ في بازل في نهر الراين، الرمز الميتولوجي لروح الأمة الالمانية كما تتناوله أساطير الجرمان وإبداعات كبار الموسيقيين الالمان أمثال فاغنر؛ هناك تتماهى مياه قمم الألب السويسري المهيمنة على منطقة بيرنر أوبرلاند مع مياه الراين لتبدعا معاً مسيرة طويلة تخترق الاراضي الالمانية بأسرها لتدفع بسر الحياة هذا الى بحر الشمال. قمم الألب السويسري تشرف على تون، لتخلق منها أسطورة طبيعية يؤمّها السياح من كل أركان العالم، كأن المدينة التاريخية التي كانت مقاماً لجان جاك روسو يوماً، وكذلك ليوهانس برامس ايضاً، تستعير أسطورتها من أسطورة قمم الألب الملفوفة بالحزن ايضاً في جمال صارم لا تزيده أقنعة الثلج (التي لا تذوب على مدار العام) إلاّ غموضاً. هذه الشعاف الخرافية التي عبرها هنيبعل بالفيلة يوماً في طريقه لمباغتة روما من الخلف في سابقة تاريخية دفع إحدى عينيه ثمناً لها، هي التي تغذّي بحيرة تون بالانهار والشلالات التي تنهمر بلا انقطاع لأنها تتزوّد من ذوبان الكتل الثلجية الجزئي صيفاً، كما تنهل من الأنهر ومن مياه الامطار في بقية الفصول.
في سفوح تعلو سطح البحر بمئات عدة من الامتار، حول بحيرة تون هذه، أقمت السنوات الاولى، في عزلة كاملة انقطعت فيها عن العالم قبل أن أعتلي خاصرة الجبل تالياً لأنتقل الى رحاب غولديفيل (التي تعلو سطح البحر بما يزيد على الألف متر) حيث أقيم اليوم.
يطلق السويسريون اسم "معبد الهواء الطلق" على هذه القرية الضائعة في متاهة الطبيعة. وهو اسم ذكّرني دائماً باسم آخر كان السوفيات زمن وحدة أمبراطوريتهم يطلقونه على احدى قمم القوقاز التي كانت وزارة التعليم العالي السوفياتية توفدنا اليها للإستجمام سنوات الدراسة وهو "حرم الهواء النقيّ".
المثير في الامر أنني لم أخرج من مجاورة البحيرة اختياراً، ولكني خرجت فراراً مرة أخرى. ذلك أن فردوس عزلتي في هونيباخ ما لبث أن كدّرته قوافل الزوار الذين كانوا يقتحمون عليّ خلوتي من حين الى آخر. هؤلاء كانوا خليطاً من الصحافيين واساتذة الجامعات والقراء وطلبة جامعات يعدّون الرسائل العلمية حول أعمالي التي ترجمت الى لغاتهم. كانوا يأتون من غرب أوروبا ومن شرقها، ومن اليابان وكذلك أميركا الشمالية من دون أن افهم كيف استطاعوا أن يحصلوا على عنواني. وكان عليَّ أن انتظر زمناً كي أدرك أننا نحيا في عصر البرمجة الآلية الذي يستطيع فيه أي انسان أن يعرف عنوان أي انسان آخر طالما اختار سويسرا مكاناً للاقامة الدائمة.
لم يكن ضيوفي هؤلاء يدرون بالطبع أن فراري من مجالسهم لم يكن كراهة في لقائهم، ولكن بسبب عجز انسان لا يجد حرجاً في التحدّث عن نفسه فحسب، ولكنه يرى في مثل هذا العمل إثماً!

10

من مرتفعات غولديفيل، على الطرف الآخر لبحيرة تون ينتصب جبل "نيزّن" الخرافي الذي ينعته السويسريون أنفسهم بـ"الميتافيزيقي". بعد الجبل تتبارى قمم الألب الموشّاة بالثلج في اختراق الفضاء على ارتفاعات تقترب من الخمسة آلاف متر فوق سطح البحر. وهي قمم برغم بُعدها الاسطوري الاّ أنها تستعصي على الوصف ما ظلّت حضوراً في البادية. وهو ما يعني أن ما يعجزنا حقاً ليس الوجود المستتر، ولكنه الوجود المستظهر. ما يعجز فينا العبارة حقاً ليس الوجود الروحي، ولكن الوجود في الظاهرة. فماذا نستطيع أن نقول عن وجود الحجر غير كونه حجراً؟ في المقابل في جعبتنا دائماً الكثير لنقوله عن الأحجية. عن الرمز. عن التسعة أعشار المغمورة من الجبل الجليدي في أمثولة همنغواي. ذلك أن الظاهرة وجود في الوقت، ولذلك هي باطلة. أما المبدأ الميتافيزيقي فحضور في الابدية، ولذلك هو قيمة خالدة. هذا ما أراد القديس بولس أن ينبّهنا اليه في وصيته الرائعة: "نحن غير معنيين بما يُرى، ولكن بما لا يُرى. لأن الاشياء التي تُرى وقتية، أما الاشياء التي لا تُرى فأبدية". سلسلة الألب، كما تتبدّى لي الآن، ليست أسطورية في ظهورها كطبيعة جبلية، ولكنها كذلك في بعدها الضائع. أسطورية في جذرها المفقود. أسطورية بانطباعي عنها أثناء غيابي عنها لا بحضوري في حضرتها. لأن بحضوري في حضرتها روحها دوماً في رحلة اغتراب. أما حضورها الحقيقي فأعجوبة لا تتحقق الاّ باغترابي عنها. وهو ما قد يعني أن حضورنا في العالم هو بداية اغتراب العالم عنّا. ولا نستعيد حقيقة هذا العالم الاّ بالاغتراب عن العالم. أي بالموت في العالم. لا بد أن ندفع الجسد ثمناً لكي نشتري بهذا القربان الحقيقة التي لا حضور لها بحضورنا! الحقيقة التي لا حضور لها إلاّ بغيابنا!