شوقي مسلماني
(لبنان/استراليا)

شوقي مسلمانيوأنا أحشد كلّ طاقتي في عينيّ لكي أرى أكبر قدر من تفاصيل المكان الذي يحتويني والحركة الدائبة فيه، أدفع بذاتي لتكون خلف ستارة غير مرئيّة أو في الوقت ذاته أطفئ ذاتي وأُغرِقها في الظلمة، والضوء الذي كان موزّعاً بالقسطاط أجعله كلّه موضوعيّاً. وأنا في الجانب الآخر من البرزخ، وهنا المفارقة وبيت القصيد في آن واحد، أكون في الحقيقة حادّ الإنارة، الحضور، ومستجيباً كما ليس في أي وقت. فبعد ستّ ساعات نوماً، وأنا المتطلِّب لعشر ساعات نوم على الأقلّ بسبب الجهد الذي أبذله في محيط الفوضى، وتمام الحادية عشرة قبل الظهر أمشي شبه مغمض العينين وأُعدّ لنفسي "زهورات".

أُصغي فقط إلى أوّل ثلاثة أخبار في فضائيّة "الجزيرة". ووجه من الرباعيّة العربيّة زائد لبنان أراه فأفرك جبيني. وبوجهي إلى الكومبيوتر والإنترنت وبريدي الألكتروني. ولهذا الأخير كلّي أوّلاً. عمدتُ مرّة أن أتقن كيفيّة حجب بريد ما أسمّيه: "ما هبّ ودبّ"! وفي يوم التطبيق كان بريدي الألكتروني نظيفاً تماماً! أي ولا رسالة واحدة فيه لا من كريم ولا من لئيم أو عابث وما شابه، وطبعاً ولا رسالة من "هبّ ودبّ"! وأقول الحقّ إنّ النظافة إلى هذا الحدّ ليست من "الإيمان"! ومن يومها صرفتُ النظر تماماً عن تلك الخطوة الجهنميّة: "فاكتظّ يا بريدي الألكتروني بالعسل وإبر النحل".

جولة أولى على الصحف والمواقع الألكترونية التي لي عندها "حبيب"! وقيل: "يا بحر لي عندك حبيب"! و"حبيب" يطلّ وأتفحّصه من جديد، والتقط له صورة أحفظها في ملفّ حقيقي لا إفتراضي، وأستذكر الناشر بالخير لأنه لم يكن أو لأنها لم تكن أقلّ رقة. ثمّ جولة سريعة في الإتجاهات كلها. وهذا الموضوع سأقرأه، إنه عن حركة "فاوست" في بيروت "ستّ الدنيا"! وهذا الموضوع سأقرأه، إنه عن الوضيع، وهذا الموضوع لن أقرأه، فالكاتب إشارتُه في جهة و"طاحش" على جهة.

إنها تمام الأولى من بعد الظهر. زوجتي الآن ستتصل بي وسيرنّ هاتفي الجوّال. الرقم رقم هاتفها الجوّال. فأربع رنّات قبل أن أردّ. احتيال أبيض. وأشكرها أنها أيقظتني، وطبعاً بصوت أجشّ أو تائه، فيجب أن أكون مستعدّاً للإنطلاق إلى "مقبرة الأموات الأحياء" بالنسبة اليَّ طبعاً، فأنا في المآل الأخير يجب أن أكون متواضعاً وأتحدّث عن نفسي.

وقطار يمضي، وقطار يصل ليمضي. وكتب الشاعر الصديق وديع سعادة عن حالي. والآلاف من الناس تشهدهم محطّة "سيدنهام". وبعد 30 سنة عملاً يقول لي أبو شوقي: "متى ستطوّب الحكومة محطّة قطارات باسمك؟ أقلّه قطاراً"! وأمّي تبتسم وتقول: "الصحيفة والكتاب ولا بأس من محفظة"! والمسافرون لطفاء، لكن لا تعدم من تقول له" "يا أخي"! أن يردّ قائلاً: "أنت لست أخي فأنا أبيض وأنت أسود".

إنها العاشرة ليلاً. أنا منهك. وقبل آخر لقمة، وقبالتي التلفاز، تتثاقل عيناي. وجملة الإستلطاف هي ذاتها وقد حفظتْها زوجتي حنان عن ظهر قلب فتسبقني إليها مبتسِمةً: "كم ملعقة منوِّم جعلتِ في الطعام"؟ وأستلقي على الأرض مثل "راكب ماشي" و"شادد حافي". وبرامج عالم الحيوان لها المساحة كلّها حتى الأولى بعد منتصف الليل.

وعودة مع الشراب إلى الكومبيوتر وجولات سندباديّة تعجّ بالأهوال عن البلاد الأمّ و"المعذّبين في الأرض". وساعة مع الكتاب الذي يحمل الكلمات ذاتها كعنوان.

الساعة الآن تمام الخامسة فجراً. ألمٌ حادّ يتسلّل إلى أصابع يديّ. أنام كقتيل.