المعطي قبال

المعطي قبالكل صباح، أختلي باكرا إلى ما يشبه المقصورة الواقعة في الجهة اليمنى من مدخل البيت لأدخّن بعض السجائر. منذ مدة ترافقني الليالي البيضاء إلى انبلاج الصبح وبزوغ الضوء. مع مرور الوقت، أضحت للمكان وظيفة أخرى، بحيث تحوّل إلى ما يشبه الخلوة للقراءة أتصفح فيها المجلات، بعض الكتب القديمة أو الصحف، أو أستسلم لأفكار رمادية أتركها تتناسل في طلاقة. من الكتب التي أراجعها في انتظام، مؤلف "تاريخ رخام الأضرحة من العصر الفرعوني إلى اليوم" (صدر عام 1902 لدى منشورات "لاكوميدي")، عثرت عليه في أحد الأكشاك المحاذية لنهر السين. يعرض الكتاب ل لرخام، أنواعه، المواد التي يتشكل منها، ثم مختلف استعمالاته المنزلية (مواقد، أو نافورات تتوسط مشاهد الحدائق الخ...) أو الرمزية حيث تنقش فيه أبجدية الخلود.

أعيش منذ أكثر من عشرين سنة في فرنسا، انفرطت فيها علاقاتي الزوجية والأبوية، وكتبت نصوصا بائخة وبلا كثافة، والآن أشعر بأن "اليوم لقريب". أن أختار الرخام، فصيلة الثوب ونوعية خشب التابوت، ثم البيت الشعري الذي سيُقرأ على رفاتي، أن أحرر رسالة غفران لعاشقات خيّبت حلمهن، هو ما أعكف على إعداده اليوم. لكن أبسط الرغبات لشخص فشل في قطف أكاليل المجد، بعدما هرب من القدر الفائر الذين أطلقوا عليه في المغرب تسمية "سنوات الرصاص"، هي أن يُدفن في بلده وبخاصة أن ترتّب تبعا لوصيته، مراسم تليق بمقامه. لكن الموكب سيكون لا محالة هزيلاً ولن يشمل سوى البقية الباقية من عائلتي التي اندثرت بالتتابع على مهل. لكن هل لديَّ حقا الرغبة في أن أدفن في المغرب؟ تلك هي المسألة. أتصفح بين الفينة والأخرى وبشكل متشظٍّ هذا الكتاب الذي يقع في قرابة أربعمئة صفحة. يردّني في كل صباح الى صغائري، فلكأنه مرآة مكبّرة. بالتوازي مع ذلك، تشغلني منذ المدة نفسها، على نحو هلوسي، حكاية أنا الآن عليّ وشك إنهائها، حتى وإن استعصى عليَّ ترتيب مبناها العام.
فقد تمكّن مني الوهن، لكن شوكة المتخيّل لا تزال لاسعة.

مفاد الحكاية تتعلق بحلاّق يملك صالوناً يقع على درب فقير. لكن شهرة الصالون سرت في أرجاء المدينة بحكم براعة الحلاّق في قص الشعر، وتوضيب الشوارب، وتلطيف الوجنتين الخ... ذلك كله في عناية تامة. يقال عنه: صالونه مثل الحمّام التركي، تدخله شخصاً لتخرج منه شخصاً آخر. لكن في أحد الصباحات الباكرة، توقفتْ سيارة سوداء في صخب، وهي تثير من حولها غبارا كثيفاً، ليترجّل منها ثلاثة أشخاص بمعاطف رمادية طويلة. تقدّم أحدهم ليطرق باب بيت الحلاّق بقوة. من حدّة القرع، عرف الحلاّق أن البوليس نزل إلى المكان. ما إن فتح الباب حتى طلب منه الشخص الذي يبدو أنه رئيس الفرقة، أن يرتدي ملابسه ويرافقهم.

- إلى أين؟، سأله الحلاق بصوت مرتجف.
- إلى... القصر الرئاسي، أجابه رئيس الفرقة، قبل أن يضيف في لهجة حازمة: جاءت التعليمات من فوق!

ارتدى الحلاّق بدلته، وللمرة الأولى لبس ربطة عنق حمراء اللون. لم يستطع تفسير اختياره لهذا اللون. وضع الفوطة التي يستعملها للحلاقة في كيس من البلاستيك، ربت بقبلات، جبين ابنه النائم، ودّع زوجته، وأخبر الفريق انه على استعداد. أجلسوه في الخلف بين حارسين لتنطلق السيارة في سرعة جنونية في اتجاه القصر الرئاسي. بعد إجراءات المراقبة، أدخل الحلاّق إلى بهو مفروش بسجادات بعضها تركي، الآخر إيراني أو طاجيكي. أما المبثوثة على الحائط فمن فصيلة أخرى، لربما تم اقتناؤها من أحد المتاحف المحلية أو الأوروبية. تصاويرها عبارة عن مشاهد صيد لحاشية أريستوقراطية من أوروبا.

أشار إليه رئيس الفرقة أن يجلس داخل مقصورة رُصّعت حيطانها بصور الرئيس، وهو في مواقف وأوضاع مختلفة: يعانق مبتسماً بعض رؤساء الدول والحكومات مثل رونالد ريغان، مارغريت تاتشر، فاليري جيسكار ديستان، أو مصطاداً السمك على ضفة بحيرة، أوضارباً كرة الغولف، أو في استعراض رسمي برفقة الرئيس نيقولاي تشاوشيسكو الذي يعتبر أحد أصدقائه المقربين، أو عيدي أمين دادا الخ... لكن، ولا مرة ظهر برفقة زوجته، التي يقال إنها حاصلة على ديبلوم في الحلاقة، وإنها كانت إلى عهد قريب حلاّقته الرسمية. تعطي هذه الصور ذات الألوان ما فوق الطبيعية، فكرة عن صاحب المكان وعن عقليته الفولكلورية.

انتظر الحلاق زهاء ساعة قبل أن يتقدم منه شخص بدين، طويل القامة، يتصبب عرقاً، ليأمره بمرافقته إلى الطبقة الأولى التي يولج إليها من باب خلفي. صعدا الدرج ليصلا الى غرفة ضيقة لا تتسع لشخص واحد، فُرشت أرضها بحصير من الدوم، وفي الركنية سطل للغسيل، فيما طلي الحائط بعشرات من صور الرئيس.

- ستقيم هنا. وكل صباح، عند الساعة السابعة عليك أن تكون جاهزا لحلق ذقن الرئيس وترتيب قصّ شعره. يجب أن أخبرك أن ثلاثة أشخاص فقط يعرفون بالشعر الاصطناعي للرئيس:

زوجته، أنا، وأنت. قد تلاحظ أحيانا أن الرئيس ينزل إلى صالون الحلاقة في حالة تسطيل، فذلك يستوجب منك دلك صدغه ووجنتيه. ثم إنه لا يرتاح إلا لأريج شانيل. مرِّر العطر على خدّيه، ما إن تنتهي من الحلاقة.

- لكن ماذا سأقول لابني وزوجتي؟
- انس عائلتك إلى أجل غير مسمّى. بهذه الملاحظة الآمرة أنهى صاحبنا، الذي لم يعرّفه بهويته، الحديث في الموضوع، قبل أن ينزل الدرج.

للحقيقة لم يغمض له جفن. سكنت يقظته حركات الشحذ على مدار الليلة. شحذ السكاكين والموسى، والمقصات. في الصباح كان الحلاّق جاهزا عند الساعة السادسة. أدخلت سيدة في الخمسينات فطوراً مع شاي بالنعناع محلّى بكثرة وبأرغفة دسمة بلا قياس. فقد طعم الأشياء وأهمّ شيء خطر على باله أن يتخلص من حلاقة الرئيس. نزل في حدود السابعة إلا ربعاً ليهيئ أغراض الحلاقة. ورأى الصالون للمرة الأولى: صالة شاسعة ناصعة البياض رُصّعت بمرايا صقيلة. رتّب على درابزون ما جدّ من موسى، مقصات، وآلات كهربائية للحلاقة. أما حريرية نعومة الفوط فتنافس فوط الأطفال.

في حدود السابعة والربع، كان الحلاّق واقفاً، يداه خلفه وراء كرسي الرئيس المرصعة جنباته بقيراطات بلورية. ثم دبّت حركة اهتياج تبيّن منها أن الرئيس على أهبة الدخول إلى الصالون.

ورأى ما لا يرى: أربعة أشخاص يحملون الرئيس فيما كان يلعن الشعب والحكومة وهيئة الأمم المتحدة! من صوته المتراخي، فهم أنه مخمور وكان شرب في سخاء ولربما إلى الصبح. وعندما تذكر أحدهم أن الرئيس الروماني عائد اليوم في زيارة رسمية، قامت القيامة وعُقد ما يشبه مجلس للحكومة داخل الصالون، فيما ارتخى اللعاب من شدق الرئيس: البعض اقترح تأجيل الزيارة بحجة أن رومانيا لا تصدّر لنا سوى الجراد، فيما اقترح طرف آخر إلغاء الاستعراض الرسمي وسط المدينة، حتى يسترجع الرئيس قواه ويلقي خطبة رسمية تؤكد "توطيد أواصر المحبة وتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين الشقيقين". اقترب الحلاق من الشخص الذي أسهب في الكلام أكثر من الآخرين، وتبين أنه الوزير الأول، ليقترح عليه وصفة عملية وناجعة: أقراص من الأسبرين، عصير من الحامض وقهوة مركزة ستعطي الرئيس لا محالة ضربة ناشطة. وهكذا كان. ما إن تبخر السكر حتى طلب الرئيس قهوة ثانية ثم انهال على نيقولاي تشاوشيسكو بالسباب: لا يعرف حتى الإمساك بالشوكة، يا للعار!!

- أين هو الحلاق؟ قدّموه كأحسن حلاّق في المدينة. "سيكون عند حسن ظن سيادتكم"، قال له الوزير المهدار.
- توكلنا على الله وسنرى النتيجة، خاطبه الرئيس وهو يرتدي بدلته الصدرية الناصعة البياض. للحقيقة تمكنت من الحلاق الرجفة لكنه ضبطها ما إن أمسك بالموسى. هذه الآلة تعطي الإنسان سلطة تفوّق رهيبة. وقد سجل التاريخ في هذا المضمار حالات عديدة لأشخاص مرتجفي الطبع، لكن ما إن أمسكوا بالموسى أو المسدس حتى أصبحوا أناسا آخرين. طلى الرغوة في حركة مدروسة قبل أن يشحذ الموسى ويُمرّها في نعومة على مساحة وجهه لمرتين. في الأخير أخذ مرهماً ودلك به وجه الرئيس قبل أن يفتح قارورة أريج شانيل لفرك وجنتيه. ما ان انتعش جسد الرئيس حتى تخلص من صدريته ليخاطب الحلاق: برافو. تملك السرعة وتمالك النفس وليس مثل تلك النعجة (يقصد زوجته) التي كادت أن تنحرني لمرات. هيا بنا لاستقبال مصيبة تشاوشيسكو!

***

أعرف مسبقا ما ينتظرني في العمل، إذ توالت الأخبار أكثر لجهة الموتى: توفي جان بودريار، إدريس الشرايبي، وقبلهما جان بيار فيرنان، جاك دريدا، جاك لاكاريير، هذا من دون الحديث عن الشخصيات العربية التي تختفي في صمت رهيب. ويجب تكريم هذه الشخصيات والاعتراف بدين ذاكرتها. جسور للموت وأخرى للحياة.

لكني، وأنا أدفع بالدراجة الهوائية في اتجاه المعهد، تشدني بلا كلل فكرة غبشة الصبح بما هي بداية لنهارات أخرى لن يحصل لي عما قريب مشاهدة ضوئها الخافت ولا سماع أصدائها الخاصة بدءا من شاحنات النفايات إلى عربات البريد، مرورا بصفارات الشرطة أو رجال المطافئ . وعليه اضحى لزمني مدى ينسج خيوطه الرفيعة بين التقلص والتقشف.