بشير مفتي
(الجزائر)

هذا اليوم لا أدري كيف نهضت باكرا، ودخّنت سيجارتي الأولى طبعا، وحلقت ذقني على غير العادة، ثم قرأت على عجل ما كتبته البارحة من أشياء، فلم اعثر فيها على المتعة التي شعرت بها وأنا أكتبها. قلت ربما في المساء سأجد فيها ما أمتعني أمس. خرجت مسرعا الى الشارع في حي فيكتور هوغو. ربما تغيّر اسمه بعد الاستقلال، ولكن أن اقطن حياً يحمل اسم ذلك الكاتب، فمسألة لا تزعجني بالمرة. ثم دخلت المقهى الذي اشرب فيه قهوتي الصباحية كل يوم. هذا المقهى لا يحمل أي اسم ولهذا لم أذكره. وكالعادة تباطأ النادل في إحضارها بينما كان رأسي ثقيلاً من ليلة أمس، وكنت في حاجة الى شرب قهوة ثقيلة وتدخين سيجارة أخرى. شربتها وخرجت. قبالة المقهى يوجد السيبير كافي أو نادي الانترنت. جلست في مقعدي المفضل غير بعيد من تلك الفتاة التي تسيّر النادي والتي أعتبر ابتسامتها الصباحية من أجمل الابتسامات التي أستقبل بها يومي الجديد. تصفحت بريدي الالكتروني على عجل، قرأت بعض الموضوعات المهمة في الصفحات الثقافية في الصحف العربية، ومن بينها صفحة "النهار" طبعا، و"الحياة" التي أكتب فيها من حين الى آخر، وأيضا تصفحت مجلة "كيكا" الالكترونية التي يديرها صموئيل شمعون بطريقة طريفة وجميلة، و"دروب" التي ينشر فيها الكثير من أصدقائي المغاربة. اكتشفت أني أمضيت تقريبا ساعة في هذا العالم الافتراضي، وأنه يجب عليّ العودة الى واقعي اليومي، فأدفع مستحقاتي وأخرج من جديد الى شارع فيكتور هوغو وأسير حتى شارع حسيبة بن بوعلي الطويل، ومنها إلى ساحة أول أيار. لا يتعبني المشي في الصباح بل أعتبره رياضتي الوحيدة المفضلة، ولا أمل أثناء المشي من تأمل حياة اليومي العابرة، بل أجدني في أكثر من مرة أتلصص على أحاديث الناس الهامشية، وأتوقف حتى للنظر الى مشاجراتهم التي تنفجر من حين الى آخر، وعيناي تتأملان باستمرار تلك المباني الكولونيالية الجميلة التي تركها الفرنسيون ورحلوا عنا، حتى أصل الى شارع بشير عطار حيث توجد "دار الصحافة الجزائرية" وحيث أعمل هناك في جريدة جزائرية اسمها "الجزائر نيوز" وأشرف على "الأثر"، ملحقها الثقافي الأسبوعي. وقبل أن أتوجه الى المكتب أمرّ بالكافيتيريا كطقس إجباري تقريبا، وأشرب قهوة أخرى - أعرف أني مدمن قهوة - وأتحدث مع زملاء من صحف أخرى في أشياء تعبر ولا ترسخ في الذاكرة، حيث تكون الساعة قد أصبحت الحادية عشرة فأصعد الى الجريدة التي تقع في الطبقة الثانية وأحتل مكانا فيه كومبيوتر وانترنت، وأجهّز مادة العدد المقبل من الملحق. من حسن الحظ أن مدير الجريدة روائي وكان أعارني منذ أسبوع مخطوط روايته الجديدة "هوس". ما ان رآني حتى سألني مباشرة عن رأيي، فقلت مجيبا: "لقد هلوستني بروايتك هاته". فرح بما سمع وتركني الى مشاغله الإدارية بعدما شعرت أنه اطمأن قليلا بأن روايته قد بان أثرها عليّ. انصرف فيما بقيت أفكر في مقال الافتتاح لهذا العدد، وجاءتني الفكرة لكني لم أكتبها على الفور، بل تركتها في مكان من رأسي، ثم خرجت من "دار الصحافة" تلك والساعة تجاوزت الثانية قليلا، ولم يكن يغلي في رأسي ويدور في تلك اللحظة إلا ما بدأت كتابته منذ أسابيع من دون أن أتمكن من الانتهاء منه، أو القبض عليه تمام القبض، وأنا أشعر بالعجز والقلق وحتى الإحباط، ثم أحاول تسكين قلقي بأن أقول لنفسي بأنها أمور لا مفر منها حتما عندما تتوق الكتابة أن تذهب الى أبعد مدى ممكن.

ألتقي في الطريق صحافية شابة اسمها هدى كانت تعمل معي في "الأثر" وهي الآن في التلفزيون وتخبرني أنها فعلت ذلك لضمان الاستقرار في الوظيفة. قلت لها: "افهم ذلك". تذكرت أني أنا نفسي فعلت الشيء نفسه منذ عشر سنين تقريبا. كانت تجربة الصحافة المتعددة حينما بدأت في الجزائر تأخذ طريقها في الساحة الإعلامية وهي تتعرض لمضايقات من السلطة، فكنت كل ستة أشهر تقريبا أعمل في صحيفة مختلفة تتوقف لأسباب سياسية وغيرها، وهكذا رحت الى التلفزيون من أجل الاستقرار، لكن ها هو القدر يعيدني الى ما كنته من قبل. والآن، بعدما ترسخت قيمة التعددية الصحافية في بلادنا، صار الأمل ممكنا في ترسيخ قيم حقيقية في الإعلام تهتم بحقوق الصحافي أيضا، والتي تظل في الجزائر على عكس كل الصحف في العالم مهدورة.
عرّجت في طريقي على مستشفى مصطفى باشا حيث تعمل زميلتي آسيا في جمعية "الاختلاف". أرغمتها على أن نلتقي خارج المكان الذي تعمل فيه، وأنا أخبرها بأني بالفعل رهيف الحساسية أمام أولئك المساكين من مرضى السرطان. دردشنا قليلا في أمور النشر خصوصاً، وفي بعض الأعمال التي سنصدرها في إطار الجزائر عاصمة الثقافة العربية لعام 2007. كانت آسيا أكثر مني إطلاعا على المجريات بالرغم من أن عملها في المستشفى يأخذ منها جهدا ووقتا كبيرين.

عدت الى البيت. تمددت على السرير، واستسلمت لغفوة قطعتها مكالمة من صديق جزائري عزيز، ذهب منذ عامين في منحة الى هولندا كي يكتب فلم يعد منذ ذلك اليوم. حدّثني عن رحلته الأخيرة الى باريس، وعن حنينه الى غابة كان يعشقها كثيرا تسمّى أكفادو في أعالي جبال بجاية. وأخبرني أيضاً عن روايته الجديدة التي ستصدر في باريس. بعدذاك طارت الرغبة في النعاس، وطارت الرغبة في أشياء كثيرة، غير أني لمحت مذكرات الكاتبة الروائية نينا بارباروفا"c’est moi qui souligne" تناديني تقريبا لأكمل قراءتها بشغف وسعادة، ذلك أني من محبي قراءة المذكرات، وربما أكثر ما قرأته في حياتي كان من هذا النوع اللذيذ الطعم، والشهي التذوق. كتاب مليء بالشعر والعلاقات الإنسانية العظيمة، وبقصص بعض الكتّاب المثيرة من أمثال غوركي وباسترناك وغيرهم كثير.

لا أدري كم من وقت أمضيته مع هذا الكتاب، لكنه أخذني معه الى ما كنت أفكر فيه منذ ليال وأيام. كيف أكمل هذه الرواية التي بدأتها منذ أسابيع، كل يوم اكتب بعض الأسطر أو الجمل، وأحيانا بعض الصفحات حين تكون الروح متوقدة بشيء من الحماسة للعمل. أتذكر نصيحة هنري ميللر لنفسه: "أكتب وبعدها سيأتي الطوفان". لكن المحافظة على صفاء الذهن، والرغبة في الاستمرار ليستا دائما ممكنتين. أطالع ما كتبته البارحة من جديد، أشعر بأنه لا يزال غير مقنع، ولا ممتع. اتركه جانباً، وأحاول مع ذلك الاستمرار في الكتابة من دون أن أتأكد من أي شيء، ولا من أن كل هذا الجهد، والإرهاق النفسي والعقلي، وهذا الدوران في نقطة واحدة سيجازى ببضع أوراق منيرة ترضيني حقا، وتريح متطلبات الكتابة التي لا ترحم.

النهار- الثلتثاء 19 حزيران 2007