في ايام العمل العادية أستيقظ عند الفجر كي أكرّس بعض الوقت لنفسي قبل الذهاب الى العمل. فأنا أستاذ في معهد يبعد 90 كيلومتراً عن منزلي، ويقع في منطقة جبلية. ولكن، بما أني أحب أن أتمتع بالأشياء الصغيرة وأن أتلذذ بالجمال الذي تضعه الحياة على دربي، أتلمظ كل صباح برؤية الألاعيب التي يمارسها ضوء الشمس مع المشهد، الذي يختلف كل يوم لا بل كل لحظة، رغم أنه هو هو. من ثم، أغوص في التعليم، الذي غالبا ما يترك في الروح إحساسا باللاجدوى في زمننا اللاإنساني هذا، لكنه يفاجئني أيضاً بلحظات فرح وودّ، أحياناً، وبصداقات قابلة للعيش.

عندما أستطيع، أعشق السفر، لكني أحاول ألا أكون "سائحاً" عندما اسافر، بل أن اقبض على روح الأمكنة التي ازورها، وروح ناسها، فأجتنب ارتياد تلك التي تظهر على البطاقات البريدية.

أما وقت فراغي، اذا كان هناك من وقت فراغ، فأشغله بالقراءة، بالاستماع الى الموسيقى، وخصوصاً بالكتابة. وغالبا ما أدمج بين هذه المشاغل وبين نزهات طويلة في الحقول، أو استكشف المغاور قرب مكان اقامتي، او امارس الابحار على شاطىء البحر.

على غرار بطل الرواية التي أقرأها الآن، أعتبر أن النجاح ليس في أن نكسب على الدوام، بل في أن نشعر بالسعادة أحياناً. لأجل ذلك، أحب كل ما أفعله، وأفعل، أو أحاول أن افعل، كل ما أحبه. نعم، أنا إنسان شهواني وتهمّني الملذات الأرضية، لكني لستُ عبدها، بل أتعامل معها مثلما أتعامل مع المال، الذي أراه خادما جيدا وأسوأ الأسياد. فإذا سيطر على حياتنا صارت متعه مصدر قلق وهجس وعذاب.

أؤمن ايضا بأن الحب هو طريق الكمال والتحرّر. الحب السخي الكريم، الذي تنعدم فيه الحسابات، ولستُ اعني فقط الحسابات المادية بل تلك المعنوية والروحية خصوصاً. ولأجل ذلك لا أحب عصرنا، عصر الرأسمالية الشرس هذا، حيث كل ما يهمّ هو أن تراكَم المقتنيات والسلطات، كما لو أن هذه تستطيع أن تمنح المرء شيئا سوى الوحدة والفراغ الذي لا يستطيع اي شيء أن يملأه.
لا تهمني الأسماء الأدبية الكبيرة. فهي تتجاوب غالبا مع مصالحها أكثر مما تتجاوب مع الجوهر الحقيقي. لا يهمّني كذلك النقاد وما يمارسونه من إرهاب في معظم الأحيان، وهو إرهاب يشكل صدى لخوائهم وعقدهم ونقاط ضعفهم. يهمّني أن ابحث عما يهمّني بنفسي، وأن اقرر بنفسي ما اذا كان ما أقرأه جيدا أم لا.

أكتب الرواية. أكتب الشعر أيضا، لكني لا أستدعيه. لا أستدعيه لأنه لا يردّ. القصائد هي التي تبحث عني. ولأجل ذلك، أترك أبواب روحي دائما مشرّعة. كي يأتي السحر ويرفرف بأجنحته فيّ.

أخيراً، أسعى الى أن أعيش حياتي بأكبر قدر ممكن من الحرية: لا الحرية بمعناها التافه، المسطّح، الذي تسوّق له الأنظمة المادية المفرطة، التي تدّعي الديموقراطية، والذي يشبه العبودية أكثر مما يشبه الحرية: عبودية الجسد، عبودية الجنس، عبودية الشهرة، عبودية العدائية...الخ، وكلها طرق مسدودة، نهايتها تدمير الذات. أعني بالحرية حرية أن اعيش حياتي كما أحب، وأن أترك قلبي مفتوحا على مصراعيه ليمنح ذاته كاملاً لمن أحبّ.