عبده وازن

عبده وازنهذا يوم خاص، يوم سياسي أو انتخابي بالأحرى، في حياة شخص ليس بكائن سياسي، علاقتي بالسياسة باهتة جداً وكذلك بما يُسمى ثقافة سياسية، وأتذكر دوماً سخرية الكاتب الفرنسي سارتر من الانتخابات السياسية. لكنني أمضيت الأحد الفائت وكأنه يوم غير عادي، يوم يختلف عن الأيام شبه المتشابهة التي أقضيها تباعاً، بالقليل من الرتابة والكثير من القلق، قلق البحث عن الجديد الذي يقتل الرتابة. لكنها غالباً أيام لا تخلو من السحر والسرّ والفرح.

يوم خاصّ، لكنني لم أستطع إلا أن أستهلّه بالوقوف للحظات كعادتي كلّ يوم، أمام النافذة متأملاً بصمت ومسبّحاً بصمت إله تلك الزرقة التي تشغل السماء أمام ناظري، ذلك الإله الذي سمّاه المسيح الربّ الإله، ربّ السموات والأرض. هذه العادة تعلّمتها باكراً وما عادت تفارقني. انها الصلاة الزرقاء التي لا بدّ من أن يبدأ النهار بها. وبتّ عاجزاً عن العيش في منزل لا تطلّ إحدى نوافذه على السماء.
هذا اليوم الخاصّ بدأته بداية ثانية ببعض القراءة. انها عادة قديمة أيضاً. وأذكر أنني باشرتها عندما كنت على مقاعد الدراسة الابتدائية. كنت قرأت حينذاك وصية ميخائيل نعيمة الى الكتّاب المبتدئين وهي تنص بأنّ عليهم أن يبدأوا نهارهم بالقراءة وألا يفارقوا الكتاب ما دام لديهم وقت للقراءة. هذه الوصية التي قرأتها تلميذاً في أحد كتب نعيمة التي أتيت عليها كلها، مثلها مثل كتب جبران وتوفيق يوسف عوّاد وخليل تقي الدين وفؤاد سليمان وبعض كتب طه حسين وتوفيق الحكيم والمازني ومحمود تيمور وسواهم، علاوة على شعراء النهضة، هذه الوصية ما برحت ترافقني حتى اليوم على رغم قراءتي لاحقاً "وصايا" الشاعر الألماني ريلكه الى "شاعر شاب".

ولكن ما إن أنهيت قراءة بعض القصائد والنصوص حتى "أشعلت" الشاشة الصغيرة ورحت أستعدّ لهذا النهار الانتخابي الطويل الذي شهده المتن الشمالي في معركة عاصفة بين الجنرال والرئيس. كنت شديد الحماسة ضدّ الجنرال الذي لم أستطع أن أؤيده يوماً منذ أن تسلّم زمام السلطة عام 1988 وراح يطل من شرفة القصر الجمهوري ويلقي الخطب جزافاً. وعندما خاض حربين عبثيتين خاسرتين دمّر خلالهما ما دمّر، صرت أكنّ له الكراهية. هذا الجنرال الذي فرّ من ساحة المعركة الى السفارة الفرنسية تاركاً جنوده يستشهدون تحت القصف السوري ثم انتقل الى فرنسا في ما يشبه المنفى، كنت أرى فيه مشروع ديكتاتور صغير ولو بلا سلطة تُذكَر، وقد أقنعه سعيد عقل مرّة بأنه فخر الدين الجديد.

لعلها المرّة الأولى أتحمّس فيها للانتخاب البرلماني. كلّ همّي أن أصوّت ضدّ الجنرال، هذا العسكري الديماغوجي الذي اعتاد دوماً خداعي شخصياً والذي يعرف جيداً كيف ينتقل من موقع الى آخر، بحسب الرياح السياسية والمصالح الشخصية. أذكر ما قاله مرّة في إقامته الفرنسية عن المقاومة و"حزب الله" وكيف سخر منهما داعياً الى إعلان السلام مع إسرائيل، لأن السلام كما قال حينذاك، وحده قادر على تحرير الجنوب من دون أن يدفع لبنان أي ثمن. هذا ما أذكره جيداً من كلام الجنرال أو زعمه. لكنّ الجنرال الآن أصبح من دعاة "النصر الإلهي" الذي كانت كلفته لبنانياً باهظة وباهظة جداً.

يوم حماسيّ اذاً، صوّتُّ فيه لدم الشهداء الذين سقطوا، وخصوصاً دم سمير قصير وجبران تويني وجورج حاوي ورفيق الحريري ودم بيار الجميل، هذا النائب والوزير الشاب. بل صوّتُّ ضدّ القتل والقتلة، ضدّ المجرمين الذي لا يؤمنون بالكلمة والحوار والاختلاف. أما أجمل ما في هذا اليوم الانتخابي، عدا حماستي ضدّ الجنرال، فهو عودتي الى بلدتي ولقائي أصدقاء الطفولة والماضي وبعض الأهل. هؤلاء تغيّروا مثلما تغيّرت البلدة نفسها ومثلما تغيّرت أنا أيضاً. لكنّ الذكريات تظل جميلة. وعندما دخلتُ غرفة الاقتراع وجدتُ صديقاً قديماً يعمل مندوباً للجنرال. قلت له انني اختلف معه وإنها الديموقراطية التي يتحدث بها الجميع. والى هذا الصديق القديم شاهدتُ بعض الأقارب المتقدّمين في السنّ يرتدون القمصان البرتقالية، وهالني المشهد كثيراً.
بعضهم كانوا من محازبي العميد الراحل ريمون إدّه، هذا السياسي الأنصع والأجرأ والأنظف في تاريخ لبنان الحديث.

عندما عدت الى المنزل، "أشعلت" التلفزيون وجلست. لكنني رحت ألاعب ابنتي وأمرح معها. الابنة أجمل هدية يمكن أن يتلقاها الإنسان. ومن أجلها أستطيع أن أغضّ النظر عن أيّ شاغل آخر، حتى عن الكتابة والقراءة. عندما تطيل النوم في الصباح أنتظر يقظتها بشوق. صباحها جميل جداً ولا بدّ منه. انها الطفلة الرفيقة، بلهوها وغنجها وأسئلتها تجعل النهار بهيجاً.
يوم خاص جداً. تحلّ الساعة السادسة وتُقفَل صناديق الاقتراع وأروح أنتظر، مقلّباً الشاشات، متسائلاً، قلقاً، يجب أن يُهزَم الجنرال، هذا الذي احتل المشهد الانتخابي بنفسه من غير أن يتيح لمرشحه المتنيّ أن يظهر. ظل هذا المرشح مجهولاً وشبه مجهول، مثله مثل معظم النواب الذين خاض الجنرال معركتهم وجعلهم أقرب الى التلامذة الابتدائيين الذين يجلسون الى طاولته السياسية بتهذيب وطاعة.

انتصر الجنرال انتخابياً، بل يمكن اعتبار أن حزب الطاشناق هو المنتصر عدداً. لكن دم الشهداء هو المنتصر الحقيقي في النهاية. وشخصياً شعرت بأنني انتصرت، فقط لأنني صوّتُّ ضدّ الجنرال ومَن يمثّل، ولأنني شعرت بأنني أصوّت أيضاً ضدّ "حزب الله"، هذا الحزب الطائفي والمذهبي.

يومٌ خاص؟ أجل، وإن شعرت بخيبة انتخابية لا سياسية، أنا الكائن اللامنتمي بامتياز.