(كاتب / الجزائر)

حيّرتني جمانة، وأيم الله.
حيّرتني، إذ جعلتني أعيد النظر في حياتي كلها للمرة الاولى، فأنا لا أعرف التوقف عن التفاعل مع الزمن، يأكلني فآكله. لا أعرف الجلوس في المقاهي، وإذا جلستُ في انتظار أحدهم، أو تلبية لدعوة داع، فسأظل أسائل ساعتي، حتى أنصرف آمنا سالما. لا أعرف أن أبقى فارغ اليد من أي شغل، أو فارغ الذهن من أي انشغال.
منهكا، منهكا الى حد الانهيار، أعود إلى منزلي في حدود الرابعة مساء، أغلب الأحيان، أتمدد على سرير فردي، في قاعة الجلوس، وأنتظر فيلمي العزيز. إما الأخوات الساحرات الثلاث، وإما مونك.
الفيلم الأول وهو حلقات أحيانا مترابطة، وأحيانا مستقلة، خلاصته صراع الإنسان مع قدره، ومع المجهول المعلوم. شاهدته أكثر من مرة، وفي كل مرة، أصل إلى استنتاجات جديدة. الفيلم الثاني، وهو أيضا حلقات، فيه شيء من كل واحد منا، بهذا القدر أو ذاك، وهو الفضول، وعشق السيميترية. فالسيد مونك أدريان، مهووس بالخوف من الجراثيم، وبرؤية الأشياء والأمور مرتبةً ترتيبا سيميتريا لا اعوجاج فيه. وبقدر ما يقوم بأعمال الكبار، وهو يحقق في الجرائم المقترفة، يعيش حياة البراءة الولدانية. ماتت زوجته اغتيالاً، منذ خمسة وعشرين عاماً، لكن مكتبها لا يزال مغلقا، وهو يدفع ثمن كرائه كل شهر، مع أنه يعاني العوز والحاجة، إلى درجة يعجز فيها عن دفع أجرة مساعدته.
السابعة والنصف، وأكون قد تعشيت، وهضمت قليلا، أدخل الفراش، على أمل أن أشاهد نشرة الثامنة، لكن عادة ما لا أستطيع فعل ذلك. تتسلل زوجتي. تضع إبريق الماء، ولربما فاكهة أو حلوى أو قطعة خبز، فكثيرا ما أستيقظ جائعا.
أستيقظ في حدود الثانية عشرة في أحسن الحالات، وأحيانا كثيرة قبل ذلك بنصف ساعة. مهووسا بقضية عربية ما، وما أكثر القضايا العربية، التي تحيلنا على الجنون، على مدى الزمن. مهووسا أبادر بفتح إحدى الفضائيات العربية أو الفرنسية. أكون في الصورة، عن المستجدات العربية والدولية، والحق أقول، إن الحلقة التي ترتبط بها كل المستجدات في العالم، هي إما الكوارث الطبيعية، وإما العالم العربي.
أطفئ كل ما يشعّ وأراود النوم. وعادة ما أفعل ذلك بإحدى الوسيلتين، إما بإسقاط النظم العربية، وإما بفتح المذياع، المثبت باستمرار على المحطة الليبية. على طريقة الأخوات الساحرات الثلاث، أجد وسيلة ما لإسقاط هذا النظام أو ذاك. لكن الحيرة تبعد النوم عني، إذا حاولت إقامة نظام بديل... ذلك أني مقتنع ومنذ مدة طويلة، بأننا نحيا باطمئنان وسكينة، القرن السادس عشر الميلادي، وينتظر بعضنا بروز محمد بن عبد الوهاب، في هذه العنيزة أو تلك.
أخرج بشبه خلاصة، أن السنّة لا يستطيعون العيش إلا في نظام ملكي. وأن الشيعة لا يليق بهم إلا النظام الشيوعي الستاليني. وأن المسيحيين العرب في حاجة إلى نظام الإمامة... وأن الأكراد ليسوا عربا والسلام. يهيأ لي، والله أعلم، أن أفضل أسلوب لتوحيد العرب، هو ما يحدث في الإمارات: مجموعة من الشيوخ، بعضهم كبير، بعضهم متوسط، بعضهم صغير، تفاديا للمشاكل وابتعادا عن القفز على المراحل، يتشايخون... وشيئا فشيئا يتقاربون، ولكن في الأثناء يتبارون بالإنجازات المادية وغير المادية... نلعنهم صباحا ومساء وننعتهم بمجتمعات البترودولار، حتى أصبح العالم العربي كله مجتمع بترودولار، في انتظار أن تلحق بنا موريتانيا وأريتريا. والله أعلم بما تخبئه أجواف الأرض وبواطنها.
قد أغفو، لكن سرعان ما أستيقظ، أقفز إلى الكومبيوتر الذي يكاد يكون معي، هو وطاولته، في السرير. أقرأ بريدي، أقرأ بريد الجمعية، أرد على التساؤلات والاستفسارات والتحيات، أفتح ما يفتح من الجرائد والمجلات الوطنية والقومية، أجدها كلها أشبه ما تكون بقناني اللبن، شكلا واحدا، محتوى واحدا، سرعان ما يروب.
لا يسمح لي ليلا بتلقيم موقعي وموقع الجاحظية، فأعود إلى السرير، مصمما على النوم، باستعمال السلاح الثقيل لذلك. أطفئ كل ما يشع. أمد يدي في الظلمة. أفتح المذياع. يجلجل الصوت من هنالك: على العرب أن يتحدوا. الزحف الأخضر زاحف. عليكم يا عرب إنقاذ العالم المنهار. في شبابي قرأت كتابا يقول إن من مجلبات النوم عند الأرق تصور إسعاف فقير أو مسكين أو ابن السبيل. وعجائزنا كن يقلن لنا تصوروا قطيعا من الأغنام وعدّوا نعاجه. ذلك كله لا يساوي صوت مستنهض الجماهير من المحيط إلى الخليج، والتي أنا واحد منها.
أنام ملء جفوني كما يقال حتى إن دهمتني الوضعية المالية المزرية للجاحظية. تكون الساعة بين الخامسة والسادسة، عندما يحدث ذلك. السابعة أستيقظ. الثامنة والنصف أكون في الجمعية. أيام الأزمة، أيام الموت، أيام هربَ المثقفون إلى أوروبا، ومن بقي منهم يلتجئ إلينا، أيام كنت أجد عندما أخرج من باب الجمعية، جثة لشرطي، أو لملتح ملقاة في الشارع، أو يصم أذني دوي انفجار. في تلك الأيام، كانت الجاحظية مزدهرة بالأدباء والكتاب والفنانين والمثقفين عموما.
أما وقد استتب الأمن، أما وقد انفتح ضرع السلطة، أما والطاهر وطار، ممن تلحقهم لعنة الأجهزة في الليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى. أما وأما... فقلما يعرّج أحدهم، على الجاحظية التي أنعتها أحيانا بمقر السلطة التنفيذية التي مات فيها أبو عمار، وأحيانا بغرناطة. أعالج كل ما يعالج ها هنا. مختلف آلات المطبعة. مختلف الحواسيب وبرامجها. ضبط برنامج المحاضرات الأسبوعية. التوسل للمحاضرين أو الشعراء بأن لا ينسوا الموعد أو يتأخروا عنه. أكتب رسائل التسول لهذا الوزير أو ذاك. أضبط قواعد البيانات. أشرف على تسجيل الواردات أو النفقات.
أستقبل أحد المتفضلين بالزيارة، أحدّثه عما شغلني من التفكير البارحة وأنا أنتظر مونك أدريان، صاحبي وصديقي الوفي. يسألني بفضول، فأكذب عليه قائلا، انشغلت بما يميز الإنسان عن باقي الحيوانات والنباتات، بعدما ثبتت وحدة الخلية، وتالياً وحدة الوجود. يزداد فضوله، فيقول ما هو؟ عدم التمييز. أقول. كيف ذلك. الأرنب لا يقع على قطة مثلا، وكذلك باقي الحيوانات. كل الكائنات تقع على أشكالها. ما عدا ابن آدم. يستنتج صاحبي، فأضيف، الحيوانات لا تأكل ما يضرها أو يقتلها. أما ابن آدم، يقاطعني صاحبي، فأضيف: يأكل حتى الرهج، وطوال عمره، يتداوى بما يضره في أغلب الأحيان. المهندس الوحيد، والفيلسوف الوحيد، والمعارض الوحيد، والعدو الوحيد، والكذاب الوحيد، هو أنا عمي الطاهر.
بدءا من الساعة الثانية زوالا، يكون الإنهاك قد أحكم قبضته عليّ. الثالثة والنصف، أغادر، أكابد الزحمة، والطريقة التي يسوق بها بنو آدم سياراتهم. أشبع ضحكا أحيانا، وأنا أتصورهم يسوقون أبقارا، تمرح أحيانا، وتتناطح أحيانا، ويركب عجولها على أمهاتها أحيانا أخرى. أمتلئ حزنا أحيانا، وأنا أتذكر أن ثلثي رخص السياقة لدى الشباب مشتراة من السوق.
أصل الدار في الرمق الأخير. يعيد إليَّ مونك بعض الاطمئنان، إلى نفسي، فما أفعله ليس سوى محاولة لتصحيح السيميترية المعوجة في هذا البلد الذي لم يخرج الاستعمار منه بعد. مساء الخميس ويوم الجمعة، أقرأ آخر ما بين يدي.
في شهر آب، شهر عطلة الجاحظية، ألتحق ببيت لي على شاطئ البحر، أصطاد بقاربي، وأكتب، وفي الليل أفكر في الظلمة.
حقا إن يومي فيه العمر كله. مع ذلك فهو قصير.