(روائية/ لبنان)

من عادتي ان استفيق باكراً. النور الذي يخترق النافذة من الزيوح الضوئية المخططة على الأباجور هو نور طري احسبه لي وحدي، دون الآخرين. لكنه وفي لحظة انشقاقه، كثيراً ما يلتبس عليّ. ربما لأني اذهب به الى مكاني، بات يلتبس عليَّ إن كان يشرق أو يغيب. أجول بنظري وأنا لا أزال ممددة على السرير في الغرفة. كل شيء في مكانه. الجدران نفسها، الخزانة، علاّقة الثياب واشياء الغرفة كلها. منذ زمن لا أتذكره تماما، يطغى لوهلة على مشاعري الاحساس بأن لا شيء سيتغير في هذه الغرفة. شيء واحد قد يحدث في أيّ لحظة هو غيابي أنا فقط عن السرير وخلوّ الغرفة مني. يلمع هذا الاحساس ويزول بسرعة كما يلمع عصبٌ ما في الجسد للحظة ويزول.
فضاء صباحي لي وحدي ايضاً. نور عزلتي لطيف، يُدخلني في طقس خاص بي، يفصلني عن ضباب الوقت الذي يجمعني بالآخرين اثناء النهار إما لضرورات العيش وإما للايهام بأني على صلة ما بالحياة والزمن. فترات الصبح نعيم العزلة التي اخترتها واختارتني، ولا يتعكر صفوها الا متى رنّ جرس الهاتف باكرا من اهلي لتفقدي او للسلام عليّ، فالكلام في الصباح يتعبني. العزلة لم اخترها تماما لتستقيم الحياة والكتابة، انما نبتت وحدها في اعصابي، والجسد يملي عليّ شروطه، ويدافع عن نفسه لحظة المرض فترتفع حرارته.
حرارة العزلة أقمتها للعينين والاذنين منذ زمن طويل، ولاسيما في الصباح، كي لا اسمع نشرات الاخبار والفضائيات، وكي لا أراها. أقمتها ليس فقط لإبعاد ذاتي ونفيها الى جهة مجهولة في الغياب الطوعي عن الحياة التي يلتهمها الموت، وانما فقط لإحداث بعض التوازن المطلوب لعبور عاديات يومي الضئيلة التي تهبني الاحساس بأني مبللة ببقايا حياة ولو متلونة. وكذلك لبعض الاحترام لقدرات جسدي وما تبقّى له من الحياة، والذي احسب ان السوس ينخر عظامه والدود يلعق به لمجرد ان اسمع كلام مصّاصي العقول او تصريحاتهم، أكانوا من أهل السياسة ام من اصحاب اللحى، أو لمجرد ان اسمع مفردات من قاموس الموت المكتوب بالعربية من أزمنة الانحطاط أو المترجم من القاموس العالمي الجديد. مفردات مثل شيعي وسني وماروني ودرزي ... الخ، او مفردات الموت المذهبي الجنوني في بغداد وغير ذلك من وجبات الموت اليومية في العراق وفلسطين، لقمة الموت للعقول كما للشعوب، ومما يجعل ما تبقّى من احياء ادمغة لاسفنجات سرطانية مذهبية وطائفية واجساد تنتظر قبورها.
اتجنب الاخبار كي ابعد شبح الاكتئاب عن الركض خلفي، وكي اتجنب انتفاخ بطني وانتفاخ جيوبي الانفية والاحساس بالمرض الذي يصيبني عادة طوال فترة الكتابة، ويصيبني عند التوتر ويصل الى ذروته عند سماع الأخبار ومشاهدتها. اتجنب الاخبار كما لو اني ابعد عن رأسي صباحا فكرة ان الشعوب تصيبها لعنة العجز او الخرافة او الخرف، ولأتجنب الاحساس بأن نبض يدي الرئيسي اشبه بأشلاء نبض ممزق في الابدان التي اراها.
ذلك كله أدفعه عني صباحا، تاركةً لعيني وشوشة الضوء الغامض بالتباسه. فالصباح لي وحدي. وقتي الجميل في يدي، ومتعة القهوة المرة والتدخين. طقسٌ ما يشبه الصلاة، كذلك الفة الزاوية التي اجلس فيها على الكنبة نفسها. والقهوة افضّل ان أعدّها بيدي. اضع فنجانا وحيدا، مثلي، على الصينية. لكني شعوريا، اضع احيانا فنجانين عليها، لي ولأمي. افعل ذلك حين اكون شاردة او في حالة عدم صحو بالكامل. ثم اعيد فنجان امي الى مكانه في خزانة المطبخ، بعدما انتبه فجأة ان امي ماتت منذ سنوات واني نسيت ذلك.
مزاجي الصباحي المتقلب والذي لا افهم اسراره، يعدّله الصمت. او ربما يدفعه الى رغبات كثيرة لتوازنه. امارس حريتي على وقتي الذي ادلّله ويدللني. لديّ متسع من الوقت لأتكامل او اتوزع واتشتت، لا يهمّ. اصفن وادخن وافكر او لا افكر، لا يهمّ. جسدي يكون شبه خفيف ربما لأن ذبذبات البشر الشريرة في الصباح الباكر لا تكون قد تكاثرت بعد، وهي أقل تهديدا لانزلاق الكتفين الى الانكفاء. البيت خالٍ الا من رائحتي ورائحة الكتب والخشب واشياء البيت. حياته في مكان آخر، بما حضر من الحياة في الشقق والابنية فوقي وحولي، من أسرة الأزواج والخناقات المنزلية وصراخ الاولاد وطناجر الطبخ واصداء الاغاني التي تصدح فيها. الصمت حولي يتحدث على الكنبات الخالية وفي اشياء البيت. صمت احسبه احيانا اذنا تتلصص على ما يدور في رأسي. يتحرش بي الى حد الالتصاق بلزوجة على جلدي. صمت يعمّق احساسي بتدجين الوحدة وحمايتها لي في ثنايا خلاياي. ارمم الفراغ حولي بالشرود والصفن بمتعة.
أدجّن الوحدة فتلقّحني بالافكار وأبلل يباسها بالتخييل، فأمتلىء احساساً بالعالم الذي ابنيه حجرا حجرا في خيالي، وأمتلىء بأني نائية عن البشر وعما حولي.
احياناً، وأنا اشرب القهوة، لا اكون وحدي. استحضر الاصدقاء الذين احب ولا ينأون عن رأسي، واكتشف ان الموجود في حياتي هو الذي أفكر فيه ليس الا.
انصاع لحرية رغباتي. قد أتكوم على الصوفا غير قادرة على جمع شفاهي حتى للصمت، وقد تتفتق شاشة عيني إن اخطأت وأدرت التلفزيون على الأخبار، فتصيران في حاجة الى ترتيق.
احيانا يتشتت رأسي في الأفكار والمشاعر التي تجتاحني وتتلبسني كالأشباح وخصوصاً في فترات الكتابة. قد احس بأن وقتي طري وندي مثل الضوء، وقد أحسب نفسي احيانا سماء من الحب، او كومة من الرعب او الأمزجة المتقلبة. أبلع الصمت والفراغ وانا امتلىء بما افكر ان اكتبه، لكن وعورة البلع تكون كبيرة.
وسط صياح الصمت في أعماقي، يأخذني تأمل شجرة قبالة شرفة منزلي. يدهشني تأمل الأشجار ويريحني. اتعلم منها كل صباح شفافية الصفاء، كما اتعلم كل صباح جلالة الحكمة من الصمت. من النافذة ايضا اتأمل العابرين بلهاثهم، والسيارات التي تتكاثر. أرى الاجساد كأنها ارواح طائرة في الفضاء، والاحذية العابرة بأجساد مخدوعة بالحياة. اتأمل قطط الشارع بمتعة، هذه الكائنات التي تسحرني. ومثل نقطة متوحدة امتلىء بالاحساس بأني نائية الى حياة اخرى لي، أو ما تبقّى لي في هذه الحياة.
قد اقرأ في الصباح أو أشاهد فيلماً أو أدوّن بعض الافكار على دفتر بجانبي. المزاج كما قلت ليس هو نفسه يومياً، وإن كان يومي يسير على نظام مرتّب بدقة. أيّ خلل في الروتين يربكني، وكذلك أيّ موعد. الضجر لا اعرفه ولا اذوقه في وحدتي أو مع اوراقي. الضجر فقط حين يختل ايقاع يومي أو اذا اضطررت لمناسبات اجتماعية. في فترات الكتابة ادخل عزلة طويلة، قد افتح فيها شفتي لأسمع صوتي. يجالسني فيها فقط ابطالي ويتلبسونني ويرافقونني في نهاراتي ولياليّ. بعد الانتهاء من الكتابة لا بأس بما تملأه الحياة بي بما فرغ مني، وأصير قادرة اكثر على التواصل مع الآخرين ومع القراءة ايضاً.
عاديات يومي هي نفسها يومياً، وفي شارع لا أغادره كثيراً، الا متى سافرت. شواغل الكتابة ليست منفصلة عن يومياتي، والخيط بين الكتابة والحياة ساقط ولا وجود له. افكاري تتداعى في صباحاتي. هذا الصباح الذي احياناً باتت تحضر فيه لوهلة عابرة فكرة الموت. فكرة عابرة سريعة اشبه ببرق يزول. الاحساس بأن المسافة عن الموت ليست بعيدة. يحضر الاحساس بخوف أو بتراجيديا، انما المشاعر تجاه مسافته مبهمة، والسؤال حول مقدرته على ان يكون اليفاً هو ما يدهشني. هو بات يحضر منذ أن ماتت أمي بين يديّ وشهدته بعيني كيف يخطف الروح، ومنذ ان راح يخطف اصدقاء وأقرباء. لم أعد أشعر انه شيء يصيب الغرباء والبعيدين فقط والذين لا اعرفهم. هو يقترب كثيرا كلما رحل عزيز عليّ وأشعر ان شيئا فيَّ رحل معه.
لكني لا ادري لِمَ يحضر الزمن اكثر ما يحضر في الصباح. اشاراته ورسائله القصيرة والطويلة. رسائله في البدن وفي الذاكرة. الإحساس بأن هذا الزمن بدأ يذيب المنامات في الصباح ويذيب القدرة على تذكرها تدريجياً. وبدأ يذيب الوجوه والاسماء من الذاكرة، وهو قادر على ان يزيح مشاعر كثيرة ليستبدلها بأخرى. يمنحك جسدا آخر لا تعرفه سابقاً، والاحساس بأن هذا الجسد الذي كان لك لم يعد لك، كأن احداً ما أخذه منك بالتدريج، وبأنكَ لست قادرا على ان تردّه اليك. الكتابة لساعة او لعشر ساعات هو الذي يقررها، فالانصات اليه صار لا مفر منه. انه الزمن الذي يجعلك احياناً تشعر بأنه يقيد جسدك ويأخذك الى الاقامة الجبرية لتصير في آخر المشوار قيد الانتظار. الانتظار الذي لم يكن في قاموس حياتك او جسدك ايام شبابك. الانتظار الذي يدربك عليه الزمن مع الايام. يجعلك "ناطرا". منتظراً شيئاً عودّك إياه. يوما بيوم، خلسة، لتألفه وتكشف غموضه. وحين يحدث ذلك تصير من اسراره.
اشارات الزمن لا تراها وتحسها في وجهك وجسدك فحسب، الرسائل تصلك تباعاً من بريد الحياة. الرسائل ايضا في حديث الاصدقاء عن امراض الشيخوخة التي تبدأ بإصابتهم. الحديث عن السكري والضغط والبروستات والفياغرا وامراض القلب، وانقطاع الدورية الشهرية عند النساء والهبّة الساخنة وحبوب الهورمونات. وكذلك الكلام والاهتمامات، مما يجعل الاحساس بأن الحياة باتت مرسومة بالغياب أو باتت متلفة.
التفكير بترتيب كتاباتي المهملة في الادراج وترتيب اوراقي تجنباً لموت مفاجىء يلوح في رأسي احياناً بين صباح وآخر، وانا اتناول قهوتي وأتأمل. تخطر ببالي لوهلة فكرة من سيقرأ خطي التاعس والذي لا افهمه الا انا بصعوبة. افكر انه عليَّ ان اتلف ما يفضح ضعفي وما يجب ان اتلفه من مادة تافهة مثل العمر المتلون.
اقول هذه الاحاسيس التي تجتاحني ولا افكر فيها حقاً بأسى او بحزن او بخوف او بفرح. احاسيس مبللة ببرودة غامضة احيانا، كأن مسافتك عن حياتك الشخصية بدأت تكبر. كأنك تفكر أنها لن تعود ملكك بعد وقت، وانما ملك آخرين. احساس غريب عادي غامض ينتابك للحظة ثم تنساه. يتلبسني خصوصاً في فترات الكتابة وربما يحفزني اليها. كأني اقاوم الموت بالكتابة وبالحياة التي اولدها من رحم اللغة والشخصيات الحية. اقاوم ايضا بقلبي وبقدرتي على الحب وبشغفي بالحياة او بأحاسيس حية تنبض فيّ.
اقول ثانية، هذا التفكير بأنه صار للموت رأس يستطيع ان يطل به عليك في أي وقت، لا يكون أكثر من إحساس عابر. أسكت زغاريده التي تصدح لوهلة بخفاء في رأسي لتتدفق رغبات الحياة وأحاسيسها فيّ وفي جسدي. اتدفق بها، أدعس حافية وانا اعبر الممر الى حمّامي الصباحي وانا اغنّي. اجد نفسي اغنّي اغاني قديمة لا اعرف اين كان مخبأها في رأسي، وكيف ولماذا انزلقت الى لساني. كأن اغني مثلا "ألاقي زيك فين يا علي" او اغنية "بتندم وحياة عيوني بتندم" او اغنية قديمة اخرى تنزلق على لساني. ولو حاولت خلال النهار ان اتذكر ما غنيت لفشلت بالتأكيد. وحين اغنّي اغنية "بتندم وحياة عيوني بتندم"، اتذكر عيني امي وانا صغيرة عندما كانت تغنيها واتذكر ملامحها التي تتغير، وتكون مختلفة عن ملامحها التي ترتسم على وجهها وهي تجلي او تطبخ. اتذكر كيف تصمت فجأة ويحمر وجهها خجلاً إن سمعها احد منا تغني كأننا ضبطناها في جرم مشهود.
قد اسمع اغاني قديمة او موسيقى وأنا اتناول فطوري في غرفة المكتب، او قد أرفع صوت التلفاز لاستمع الى "حظك والابراج" على شاشته. اسمع فقط للاحساس بأن حياة ما تجري وأن نهاراً آخر يبدأ. او ربما ادع صوت فيروز يهدهد اذني وروحي. او ربما ادع صوت هند رستم او عبد الحليم او فاتن حمامة يصدح في الغرفة، فالاصوات في الافلام المصرية القديمة تبعد فوضى الاحاسيس وتؤنس.
المرور الصباحي الى المقهى لا بد منه لقراءة الجرائد وتناول فنجان قهوة اكسبرس، قبل ان اقصد مكتب المجلة واغطس فيه طوال وقتي الروتيني. الغداء في موعده المحدد لانام بعد الظهر عميقا، على خلاف الليل. انهض بعد القيلولة لاعود الى عزلتي وأمارس شغف الكتابة في المقهى الذي اعتدت الجلوس فيه. وفي ساعات الليل اعود الى القراءة، ومشاهدة فيلم قبل النوم المتأخر، سعيدة بوحدتي. اتفكر فيّ، فيها، وفي كتابتها، او في ما تكتبه فيّ.