(رسّام / لبنان)

البارحة، كان الأرق مرافقاً لي طوال الليل. لم أستطع التغلّب عليه. أجبرني على ترك سريري. أفتح باب الغرفة. أدخل غرفة التلفاز وهو دوائي الوحيد للنوم. البارحة لم يستطع تنويمي. قمت الى طاولة الرسم. بقيت دقائق لأقرر، هل أرسم بالحبر الصيني الأسود أم باللون. لم أصل الى قرار. خرجت الى الشرفة. وشرفة المنزل مغطّاة بالزهور. الشارع هادئ كأنه يتهيأ لصخب النهار. جلست على الكرسي المعدني الأبيض. رحت أنظر الى ظلال أوراق الأزهار على الحائط وهي تتحرّك ببطء وترسم أشخاصاً وأشكالاً تذكّر بالرسوم اليابانية. الرسوم يحرّكها نسيم الليل الذي أخذ يداعب جفوني ويدعوها الى النوم. قلت ان الفرج قد لاح. لا بد أن ينتهي الأرق أو ينتهي الليل. دخلت الى الدار ثم خرجت الى الشرفة ثانية. لم أبق فيها طويلاً. نظرت الى المقاعد البيضاء المعدنية. رأيتها حزينة. ووحيدة. ثم عدت الى طاولة الرسم. كان الصمت مختبئاً في زوايا الغرفة كلها. رحت أخطط على ورقة من دون أن أختار موضوعاً معيّناً لأرسمه. أمعنت في الخطوط السوداء المتساوية الأفقية والخطوط العمودية. لقاء الخط الافقي بالخط العمودي وحده يحمل معاني ورموزاً.
منذ أكثر من شهرين، ابدأ برسم دائرة ثم عينين ثم فم وخطوط غزيرة سوداء لشعر أسود. انظر الى صورة أمايا على طاولة الرسم منذ اكثر من شهرين عندما عدت من باريس تاركاً رفات أمايا في تربة جبال الپيرينيه الاسبانية وصخورها، حيث رغبت أن تمضي حياتها الساكنة الأبدية. لم أترك الدمعة تسقط من عيني. قمت. مشيت بعض الوقت ثم عدت وجلست على كرسيّ. رحت أرسم بحبر أسود خطوطاً تمتلئ بها الصفحة البيضاء اشكالاً - رموزاً يصعب عليّ تفسيرها وتفسير المعنى الذي تحمله. هذا ليقيني ان الفن لا يعبّر إلا عن نفسه. الكلمات تبقى خرساء هي الأخرى تعبّر عن نفسها بطريقة مختلفة لاختلاف ابجديتها عن أبجدية اللون والشكل.
لم يبق من الليل الا القليل. طلع النهار. فطور وحديث وحوار مع انجلينا ينتهي مع خروجي من المنزل. أوقف سيارة. صباح الخير. الى ساحة رياض الصلح. انزلني السائق أمام "الغران تياتر". دخلت المعرض الذي أصبح اسمه الآن "داون – تاون". اسم المعرض الجديد بشع: "داون تاون" ثقيل الدم. ما لي ولهذا. لكني عندما اسمع لفظ هذا الاسم يقشعر بدني. أفكّر في هذا وأنا أسير تحت قناطر المعرض. أتذكّر كيف كانت الأماكن من قبل. كأن بيروت الجديدة اليوم، بيروت بعد الحرب، اصبحت كالمثل القائل بأن ما بين دكانة بيع ثياب ودكانة أخرى توجد دكانة ثالثة للثياب.
المكاتب التي كانت موجودة قبل الحرب عادت هي هي. لم يدخل جديد سوى "مكتبة البرج". كأن الناس صاروا يقرأون الثياب ولا يقرأون الكتب. ما لي ولهذا. أتكلّم مع نفسي كلما مررت من هنا ورأيت المحلات على صف الطريق من أوله الى آخره. ثياب... ثياب... ثياب.. وكما قال الشيخ الانكليزي: كلمات كلمات كلمات. دخلت المقهى. كنت أول الزبائن. صباح الخير استاذ أمين. صباح الخير يا زهير، كيف الحال؟ قهوة بدون كافيين وماء. كالعادة، بقيت في المقهى اكثر من ساعة. زبائنه بعض الصحافيين الجدد الذين يفهمون ما يحصل في جميع انحاء بيروت وزواريبها وفي لبنان كله والعالم ايضاً. من زبائن المقهى ايضاً كتّاب جدد كلهم مترجمون الى لغة اجنبية، الفرنسية او الانكليزية، وهذه "موضة" الروائي اللبناني ما بعد الحرب. من الزبائن والزبونات ايضاً نساء كاتبات وسياسيات او مفكرات. يُرى هذا في نوعية الثياب على أجسادهن. كل هذه الشخصيات مرسومة اليوم في دفتري الذي أغلقته. دفعت ثمن قهوتي فهمس زهير: الى الغد استاذ أمين. الى الغد اذاً. لكن الغد لم يأت بعد. فأنا ما زلت في انتصاف النهار.
اجراس الكنائس ومآذن الجوامع تعلن الساعة. تضج ساحة النجمة بالاصوات الكهربائية فيختلط الحابل بالنابل. ولا تسمع شيئاً ولا تفهم شيئاً، لا من الاجراس ولا من الأذان. قلت في نفسي: هذا هو الوقت يا أمين، لتترك المقهى. انا خارج الآن من المقهى، يتجه نظري الى مبنى البرلمان. تخيّلت رفيق الحريري نازلاً على ادراجه مبتسماً كعادته. على يميني كاتدرائية مار جرجس للارثوذكس. تذكّرت ايضاً سمير قصير وخروجه محمولاً شهيداً منتصراً، مشمّراً عن ساعديه، يرد الابتسامة الى رفيق الحريري السبّاق في كل شيء حتى في الشهادة.
أنا الآن في المرسم. غدائي أهيئه بسرعة. اضع صحناً صغيراً جميلاً فيه حبّات من الزيتون سوداء وخضراء. وحبة بندورة في صحن ثان. لبنة وزيت في صحن ثالث. وخبز وتفاحة. غدائي لهذا اليوم. لكنه يتغير من يوم الى يوم. مثلاً، مرّات يكون بيضة مقلية او مسلوقة مع سلطة وفاكهة. ما لي ولهذا. كأني اهيئ طاولة لزبائن في مطعم. المهم اني أكلت وانتهيت. على وزن "انا هويت وانتهيت". بدأت العمل باللوحة التي في وجهي منذ شهرين تقريباً. الموضوع: الفصول الأربعة. أجلس مواجهاً لها كأنها مرآة. أبحث عن زاوية فيها أدخل منها وابدأ بالتلوين. يطول جلوسي في وجهها. أقوم من مقعدي. أدخل غرفة، أضع فيها بعض الأعمال التي انتهيت من رسمها هذه السنة. ثم أخرج منها وأدخل المطبخ. آخذ تفاحة، أغسلها وأضعها في صحن يحمل رسما صينيا. أتطلّع الى التفاحة الموشحة بألوان حمراء وزهراء وخضراء، في صحن يحمل رسما لسمكة باللون الأزرق. تردّدت في أكل التفاحة. اذ أقول دائماً ان الفاكهة بألوانها وأشكالها كالجواهر. أخذت الصحن وفيه التفاحة ووضعتهما على طاولة وعدت الى لوحتي. الفصول الأربعة. أمضيت وقتاً في الرسم.. أو اعادة الرسم او التلوين أو ابدال لون بلون أو ابدال ألوان بألوان أو الغاء قسم من أشكال اللوحة.
النور يخفّ. أنرت الغرفة. اختفت مناظر النهار من النافذة. ظهرت أنوار الليل. ها هي كنيسة الأرمن الكاثوليك تدق أجراسها الكهربائية معلنة السادسة مساء. جلست أنظر الى اللوحة وكيف صارت اليوم. هل أصبحت حيّة؟ هل انتهى عملي فيها اليوم؟ لا، لم ينته. الشمس، في قسم الصيف من الفصول الأربعة، حمراء جداً. ليس هذا ما يزعجني في اللوحة. الألوان التي تحوط دائرة الشمس ليست منسجمة مع مجموعة الأشكال والألوان. نهاري لم ينته. أفضّل أن أبقى هنا في مرسمي، في فصولي الأربعة، الى ان يتعطّر الجو بفصل الربيع، وتمطر سماء الشتاء حتى الطوفان، وتصير اوراق شجر الخريف كأوراق الذهب، وتخيم شمس الصيف على الاجواء وعلى الارض وتنشّفها وتحرق أعشابها وتهلك أشجارها فتخرّ أغصانها على الأرض ساجدة. لا. لم ينته يومي. لم أخرج بعد من المرسم. قبل عودتي الى البيت سأرمي نظرة على بعض دفاتري التي أملأها رسوماً في المقاهي. وسأعاود بحثي عن مجموعة من المائيات الضائعة منذ شهر ولم أجدها. أعجب من نفسي كيف أفكّر في هذا كله، وانا ما زلت ابحث عن لون أحسّه ولا أراه، مجرّباً مزج ألوان بألوان لأضعه ظلاً للشمس. وهل للشمس ظل؟ أم هي التي تخلق الظلال؟ مراراً عندما يطول نهاري، تطرأ على رأسي افكار هي نتائج عملي اليومي. اليوم، أثق بأن ليس في الفن "معقول" أو "لامعقول". قلت ان الفن يتخطى كل القوانين المرسومة له. اي عند تخطيه "المعقول" يصل الى الكمال. وهذا ايضاً تناقض في ما اقوله. الأفضل لي ان أغلق الباب وأخرج بسلام. كأني لم أقترف خطيئة هذا النهار.