(روائية/ العراق)

تلزمني نخلة. نخلة حقيقية لا من فسائل الزينة التي تباع في كشتبانات.
هذا ما أعد نفسي به، كلَّ صباح، حين أستيقظ باكراً وأنهض واقفة مرّة واحدة، بدون تثاؤب او تلكؤ او حتى نحنحة، محاذرة إقلاق نومة الرجل الغافي في جواري. أهبّ من فراشي كأني جنديّة في حرب أزلية وكأن العدو يكمن لي وراء الباب ويجب أن أكرّ عليه ولا أفرّ منه.
أبدأ النهار، الذي لم يبزغ بعد، بسقي النبتات المعلقة في الشرفة. يشرب الزرع قبل أن أشرب كوب شايي الاول. إنّ للشاي طقساً لا يتناسب وعجلة الامهات الجاريات في ماراتون الأشغال المؤبدة للحاق بالوقت. لا بد من اختلاس جلسة مسترخية، ولو لربع ساعة، لإعطاء الشاي حقه في الاحتساء. كلمة أكتبها كثيراً من دون أن تسمح لي المشاغل باختبار معناها. وكان أبي يصف من يكرع كأس العرق "المستكي" كرعاً بأنه شخص لا يصلح للسهر ولا للمنادمة لأنه "لا يعطي المشروب حقّه".
هكذا تعلمت أن أستمدّ من الشاي سكينة روحي وأن أقدّم له كامل احتراماتي ثلاث مرات في اليوم. وفي ما بعد رحت أقدّمها لمشروبات اخرى، توصف بـالروحية او بالطويلة "لونغ درينك"، فكنت أستغرق فيها روحياً وطويلاً... لئلا أغمطها حقها واخالف وصية أبي.
لا يزعجني الاستيقاظ المبكر، عند الخامسة او بعدها بقليل، لكنه يقلقني إذ يقيم فروقات زمنية بيني وبين معارفي لأني صباحية ولأنهم ليليون.
يقلقني لأنه يذكّرني بعجائز القرى في شمال العراق وبتلك المرأة الخارقة أم جرجس التي كانت تنتصب واقفة على دكة الدار قبل صياح الديك، تدخن سيكارتها اللفّ وتناجي أزهار النرجس ذات الفوح المدوّخ. وكنت، أيام كانت لي أذنا فأر، أسمع خطواتها وألحقها الى الخارج بحجة أن كابوساً فزّزني من نومي. وكانت تشاغلني بالكلام ثم تكوي عنقي من الخلف بطرف سيكارتها لكي تطرد عنّي الفزّة.
هدأ قلقي، قليلاً، عندما قرأت في هذه الصفحة نصاً للشاعر محمد بنّيس يقول فيه إنّه يستيقظ أيضاً قبل نجمة الصبح، وكأنّ منبهاً دقّ في رأسه. لقد عثرت على نديم مفترض للهزيع الأخير، او للشعاع الاول. وصار يطيب لي، وأنا واقفة أنتظر غليان ابريق الشاي، أن أرسل نظري من شبّاك المطبخ في اتجاه الجنوب، وأن أرفع يدي بالتحية هامسة في سرّي: "صباح الخير يا سيدي حبيبي". أليست تلك هي عبارة بنّيس الشهيرة التي ينطقها بلهجة مغربية تسكّن الأحرف كلها وترقّص شياطين الشعر؟
تلزمني نخلة يا بنّيس. واحدة مثل اللواتي لدينا ولديكم. مثل نخلة مريم. وتلحّ عليّ الفكرة وأنا أفتح التلفزيون لأسمع أخبار المقتلة المستمرة في العراق حتى ضاع الحساب. وأتذكر أن دولتنا التي كانت تمارس هواية التدخل في شؤوننا فرضت، في وقت من الاوقات، على كل بيت أن يزرع نخلة وزيتونة وإلا قطعت عنه الماء الخابط، أي ذاك المخصص لسقي الحدائق. ليت كل قراراتها ظلت على تلك الشاكلة. فالحروب قطعت من النخل وغير النخل رؤوساً لا حصر لها وأعدمت بساتين على مد النظر.
تباً لهذه الذاكرة التي لا تريد أن ترعوي. هل هذا وقته؟ ألا يفكّ العراق قبضته عن ياقتي ونحن في اول الفجر... يا فتّاح يا رزّاق؟
ينتهي كوب الشاي الاول الذي تعلمت من والدتي أن يكون بالحليب. لا عجب، فهي
ولدت في البصرة سنة دخول الانكليز العراق. ومن المفارقة أنها ماتت سنة دخول الأميركان إليه. أما الشاي الثاني فهو "استكان" أرشفه بعد الانتهاء من دورتي الصباحية الاولى على المواقع الالكترونية ورسائل أصدقاء الانترنت.
والاستكانات أشكال، مثل البنات و"مثل الجفافي" كما تقول الاغنية، أي مثل المناديل. وهذا الذي بين يدي هو الأخير من دستة من انتاج معمل الزجاج في كربلاء، أحافظ عليه من الكسر لأنه صغير ورقيق مثل جنح فراشة. وقد بادلت محمد سعيد الصكار بفنجان منها وأعطاني في المقابل لوحة من مخطوطاته. وها أنا متربعة مثل سلطانة سمينة على ديوان قديم من مخلّفات أحد الجيران، أشفط الشاي بصوت عال، طارحة بالتهذيب من النافذة، مصغية الى اغنية لليهودي العراقي فلفل كرجي، تلقيت تسجيلها من صديقي بالمراسلة سمير نقّاش.
هل يتعين عليّ أن ألحق اسمه بصفة "الراحل"؟ لو فعلت لكان عليّ أن ألجأ الى هذه الصفة بين سطر وآخر بسبب وفرة الموت. كأنّ الراحلين يصبحون أكثر اقتراباً بعد أن يغيبوا. إنّهم أدنى اليّ، هنا في منآي، من وجودهم المقلق هناك. كأني أغدو أكثر اطمئناناً عليهم وهم بين يدَي الغياب من وجودهم في بغداد، بل يصير في مقدوري الاستماع اليهم بدون أن أرهف سمعي الكليل ودونما حاجة الى أن أرفع صوتي وأنا أحادثهم عبر الهاتف.
بعد كوارث نشرة الأخبار لا بد من الهواتف الصباحية لتفقّد الأهل. فأتصل بأحلام إذا كانت المفخخة قد انفجرت شرق بغداد. وأخابر أبا نبيل إذا جاء في الأنباء أن الانتحاري استهدف سوقاً في شارع فلسطين. وهكذا دواليك إلى أن يفقد الخوف معناه ويجفّ ويتحول شعوراً محنّطاً.
طار نصف النهار وأنا أفرّغ حديثاً مسجلاً قبل سنوات مع يوسف الصائغ. أتذكر أن عليّ إرسال مقالتي الاسبوعية الى الخليج، وقد يأتيني من لندن صوت المهديّ وهو يطلب خبراً مستعجلاً للأخيرة، مستفسراً بضحكة سودانية ماكرة عن آخر مغامرات أمير موناكو، فيلهمني الاسم شتيمة سافرة، لولا أن موناكو هذه هي نبع أخبار تافهة، تسعف عند النضوب.
قبل الظهيرة أكون قد أديت قسطي للصحافة وأغلقت الهاتف. إنها ساعة دخول المطبخ والواجبات المنزلية الاخرى التي أؤديها لأهل بيتي عن طيب خاطر في الغالب، إذ يحدث أن أحرد وأطالب بحقي في الكسل الخلاق. بعد ذلك أزدرد طعامي على الواقف وأغتسل وأتجمّل ذاهبة الى صحبة كتاب. إنّها أصفى لحظات النهار ومكافأتي التي تردّ لي اعتباري وموعد شايي الثالث. يحدث، في ساعة العصر، أن أسير الى مفرق "الغوبلان" لمشاهدة فيلم في "الاسكوريال"، حيث الكرسيّ الأحمر مغطس وثير يسمح بقيلولة مؤجلة ذات سلطان.
يوم عادي ينقلب الى نفير عندما يرنّ هاتف مفاجئ يعلن مرور صديق في باريس. الأصدقاء يغيّرون إيقاع المدينة ويفتحون لي بوابات ليلها الساحر. ينتزعونني من المسلسل التلفزيوني المخدّر ويمنعون عني نومتي المبكرة عن شواردها. وعندما تحين ساعة الهجوع الى الفراش أنظر، تلقائياً، الى المنضدة القابعة الى اليمين وأؤدي التحية الى صور الأموات المصفوفة فوقها. أمواتي الأعزاء الذين التصقوا بي منذ انتبهوا.
غداً أبحث عن نخلة تؤاخي روحي. هل نمت يا بنّيس في ظل نخلتك؟