(مسرحي/ لبنان)


أنا أحب الليل أكثر من النهار. الليل يخفي ويغطي الكثير من البشاعات التي يفضحها النهار، وما أكثرها هذه الايام.
وكم كنت أتمنى لو يبدأ نهاري مع غروب الشمس وينتهي مع شروقها. ولأن السير عكس الزمن مستحيل فأمري لله.
استفيق عند الحادية عشرة صباحاً، أرتدي ثياب الرياضة، أشرب كوباً كبيراً من الماء وأمضي الى الهرولة على كورنيش المنارة لساعة من الزمن. فأنا كممثل في حاجة الى لياقة بدنية دائمة، وشيخوخة الانسان تبدأ من بطنه عندما يروح في الانتفاخ يوماً بعد يوم. استحمّ بعدها وانصرف الى رياضة اخرى لمدة ساعة ايضاً. رياضة ترتكز على تمارين يجب ان يمارسها الممثل لتطوير نفسه. فالموهبة وحدها لا تكفي لأن يكون الفنان متألقاً. الموهبة يجب ان تخضع للصقل والتطوير بصورة دائمة.
سئل ستانيسلافسكي، واضع القواعد الحديثة للمسرح، عما يجب أن يتوافر في المرء من مقومات، ليكون ممثلاً ناجحاً أجاب: النظام. ولم يقل الموهبة لأن الموهبة أمر بديهي غير مطروح للبحث.
والنظام قسمان: قسم بين الفنان ونفسه، وقسم بينه وبين الآخرين.
نظام الفنان مع نفسه ايضاً قسمان: قسم خارجي وقسم داخلي.
يرتكز الخارجي على تمارين الصوت وتمارين امتلاك الجسد ووعيه. فالممثل، كأي عازف للموسيقى، يعزف على آلتين ويعبّر من خلالهما عن مشاعره وأحاسيسه. وهاتان الآلتان يجب ان تكونا في جهوزية تامة. وترتكز تقنية الصوت على تمارين التنفس ومخارج الحروف، وهي التقنية الأصعب التي يكتسبها الممثل في مهنته. الآلة الثانية هي الجسد من خلال الحركة، وهذه التقنية ترتكز على امتلاك الانسان جسده ووعيه له بواسطة تمارين الارتياح النفسي والجسدي والتركيز.
أما القسم الداخلي من نظام الانسان مع نفسه فيدفعني الى الغوص في خزّاني الداخلي. أهزّه واحركه كي لا يستنقع: أمرّن ذاكرتي كي تظلّ طرية، استفز مشاعري وأحاسيسي لأبعد عنها خطر الجفاف واليباس. هذا الخزان الداخلي هو رأس مال الممثل، فإذا جفّ او استنقع، أصبح الممثل ببغاء.
اما نظام الممثل مع الآخرين فيرتكز على احترام الآخر واحترام المواعيد. مهنتنا جماعية. والتحضير لاي عمل مسرحي يتطلب جمع عدد من الممثلين لمدة اشهر، وهنا يصبح احترام المواعيد بدقة امراً اساسياً. الإنسان والوقت أغلى قيمتين عند العالم المتطور، أما نحن فجعلناهما الارخص في حياتنا.
من يتأخر خمس دقائق على اجتماع يضم عشرين شخصاً مثلاً، هو في الواقع لم يتأخر خمس دقائق بل سرق خمس دقائق من أوقات العشرين الآخرين، أي ما يعادل مئة دقيقة.
بعد انتهائي من هذه التمارين خلال ساعة، اتناول فطوري وأمضي الى نقابة الممثلين، لأواجه مع زملاء لي مشاكل الفن والفنانين ومأساة الفن في دولة تعتبر الثقافة والفنون نوعاً من الترف والتسلية واضاعة الوقت.
السادسة مساء ألهو مع حفيدي الذي لم يبلغ بعد الخامسة من العمر، فيستفيق فيّ الطفل الذي اختزنه في داخلي، أنا الذي لم يعش طفولته بسبب المرض.
في السهرة نلتقي عادة شلة من الفنانين ونستمع الى الاخبار المملة في هذا العالم، وإذا كان هناك من اعمال فنية تستهوينا نمضي اليها.
الثانية عشرة أعود لأنهي نهاري بالقراءة وسماع الموسيقى الكلاسيكية الى ان يغالبني النعاس فأنام. ولا يكون ذلك عادة قبل الثانية فجراً.
قد تطرأ بعض الحوادث المزعجة فتكسر رتابة الايام، كأن تقع زوجتي وتكسر رجلها، فيذهب وقتي طوعاً للاهتمام بها، علّني بذلك أخفف عنها الوجع وأقصّر طول الايام.