(روائية/ جنوب افريقيا)

إنه الصباح الباكر. يصل الحرّ مرافقاً الصفاء الأزرق. أضيف الزبدة والحليب الى الخميرة وأمزج الكلّ مع عشرة أكواب من الطحين. ثم أجبل. أجبل؟ نعم العجين. وهذا لا يعني أني ألكم حدبة العجين بقبضتين حمراوين هزيلتين: لا، بل أجبل بحنان واضعةً هدفاً أمامي، أجبل بتروّ، بدءا من إبطيّ فانخفاضاً مثل امرىء يقيس قوته. أجمع قبضتيّ، وأشعر بتبدّل نسيج العجين تحت مفاصل عظامي. أشعر، وأنا أجبل، بالحمّى ترتفع، رويداً رويداً، ثم تنزح في اتجاه مرفقيّ.
تسأل أمي دائما: "كيف يمكن امرأة أن تفاوض على حياتها إذا كان لا يسعها أن تجبل كما يجب؟".
أضع غطاء على الوعاء الذي يحتوي العجينة وأكسوه ببطانية خبز قديمة تملكها أمي. تتأوه قائلةً: "لم يعد الناس يملكون بطانيات للخبز. لم يعد شيء يشيخ في المنازل. بات كل شيء جديداً، وما أن يعتق قليلا حتى يتم التخلّص منه".
عند الظهر، كان العجين قد انتفخ ليشبه فخذ صبية مبلّلة. ألقي بثلاث قطع داخل صينية الخبز وما أن يصبح الفرن في درجة الحرارة الملائمة حتى تتوهّج ثلاثة أرداف ليّنة منها.
تملأ الرائحة المطبخ. تتدفق نحو الحي. تلقّن الناس معنى الدوران وتسمح لهم بتحرير غددهم اللعابية. يغادر أفراد عائلتي غرفهم وألعابهم وكتبهم وأجهزة الـ"ايبود" والـ"بلاي ستايشن" ليقفوا عند فتحة الباب ويتنشقوا رائحة الخبز الزكية. يغلي أحدهم الماء لإعداد القهوة.
أقلب الخبز الذي باتت نتوءاته البنّية الفاتحة بارزة وأضعه على الطاولة، فأجد الجميع جاهزاً مع الصحون والزبدة والسكاكين ومربّى المشمش. أما زوجي فيبرش الجبنة. وبين الأصابع المتّقدة، تتوارى كلّ شريحة سميكة يتصاعد منها البخار. تغلق إبنتي عينيها عند أول قضمة.
تقول أمي: "يسعدني أنك لا تزالين تطهين الخبز، يتراءى لي أن الناس في أيامنا، فيما أصبحت مطابخهم أكثر فأكثر بياضاً، باتوا يطهون أقل فأقلّ فيها. تحوّلت مطابخهم مختبرات، لا يعدّون فيها سوى الكوكتيلات".
يحلّ المساء. ترتفع النجوم على طول مقلبي الجبل. في الغسق، نجلس خارجاً، على الشرفة، ونتناول الخبز مع سمك التونا وحبّات الأفوكادو الإجاصية.
يهمس الحي بكامله انشودة السلام: ضحكات الأطفال في الخضرة القاتمة، وقرقعة السكاكين والشوك على الصحون، وهناك، في مكان ما أكثر انخفاضاً في الشارع، يستعيد البيانو صوته. والهواء مشبع بالياسمين.
تتملكني السعادة. أولادي يأكلون ويتحدّثون. وأبوهم يضحك.
عليَّ كتابة هذا النص اليوم. أتساءل إذا كان في استطاعة امرأة من العرق الأبيض أن تصف كيف أتاح لها السود أن يكون وجودها ممكناً. أتذكّر كيف وصفت أمّ من بلادي، جنوب أفريقيا، كان "قومي" قتلوا ولدها، فهمها لكيفية جعله وجود "الآخر" ممكناً.
قالت تلك الأم واسمها سينتيا نغيوو: "في شأن هذا الأمر الذي يُدعى المصالحة... إذا كان معنى هذه المصالحة أن يسترجع هذا المجرم، وهو هذا الرجل الذي قتل ولدي، انسانيته، لكي أستعيد أنا، ولكي نستعيد جميعاً، إنسانيتنا... فإنني اوافق اذاً على الأمر، وأدعمه تماماً".
ما عرفته سينتيا ولم يعرفه الظالمون، هو أن قاتل ابنها قتل لأنه فقد إنسانيته. ما عرفته سينتيا ولم يعرفه القامعون، هو أنه كان من مصلحتها مساعدة المجرم في استعادة انسانيته. ما عرفته سينتيا ولم يعرفه الظالمون، هو أنها لو كانت أجهزت على الجاني بدافع الإنتقام او إحقاق العدالة، فهي بذلك ستدمّر فرصتها في استعادة إنسانيتها.
أغسل الصحون. يكاد قلبي ينفجر. لقد حقق السود إحدى أهم المساهمات الأخلاقية في القرن العشرين.