(شاعرة ورسامة / لبنان)

استيقظتُ حوالى الثامنة صباحا، كالعادة، او على الأدق بين الثامنة والتاسعة. أشعر بالحسرة. لقد مرّ شهران منذ اضطررت الى الكفّ عن احتساء القهوة أو الشاي عند استيقاظي. أشرب ليموناضة إذاً، لكن في قدح الشاي، للمحافظة على "الوهم"، وهم الشاي على الأقل. أحسّ بالجوع، لكني قبل ان أبادر الى الأكل أتوجه الى عتبة البيت وآخذ جريدة "لوريان لو جور". أبدأ بقراءتها قبل ان اكون قد استيقظتُ تماما. أقرأها تقريبا من "الجلدة الى الجلدة". يتراءى لي منذ اشهر عدة أن مصير العرب لم يعد مرتبطا في شكل مباشر بإرادتهم الخاصة. ويزعجني ذلك رغم اني اعرف، منذ وقت طويل، ان ارادة العرب نادرا ما تخدم مصالحهم الحقيقية.
انتقل من قلق الى آخر. أضيء التلفزيون ثم اطفئه على الفور. الاتصال الاول يجيئني من صديقتي كلير بياجيه: "تابعي على الـ "TV5" برنامجا جميلا حول الفن المعاصر!". أفتح الصندوق السحري من جديد، وأقع على مشهد تابييس في محترفه في برشلونة. لوحة بيضاء كبيرة تفترش الأرض، وتابييس، كمثل غجري، يمشي حولها كماتادور يدور حول الثور. أذكر أن رساماً اسبانياً يعيش في لندن كان يكره تابييس، الى حد أنه قال لي يوما بحقد شديد: "تابييس هو شرطي كاتالونيا!". عدو تابييس هذا مات بذبحة قلبية. في مطبخه. بينما كان يأكل. وحيدا.
انتقل الى محطة الـNBC. يتكلمون فيها على الاعصار الذي اجتاح اخيرا نيو اورليانز. كاترينا هذه تشبه المجرة. مجرة من مياه وريح. انها ظاهرة فضائية كونية هائلة.  اذ ارى مشاهد الدمار الكاسح، اجد نفسي متنازعة بين الرعب وفرح ذي طبيعة أكاد اقول "حيوانية"، بدائية، او ربما فرح "معتم"، اذا كان يمكن وصفه بهذه الطريقة. اقول لنفسي، حتى من دون ان افكّر، إن الطبيعة موجودة فعلا، وانها تعبّر عن نفسها وتبيّن قوتها ولا تسمح للتكنولوجيا بأن تروّضها كما لو انها مجرد كلب. لا، الطبيعة تتجاوزنا، مثلما يجب ان يكون. لكننا نحن من يدفع ثمن هذا التجاوز. والا فإن الثمن الآخر سيكون موت كل شيء.
أحدهم يدق الباب. أذهب لأفتح: إنه مصلّح الغسّالة. لقد سبق أن أصلح الرجل هذه الآلة منذ وقت غير بعيد، ولكن يبدو أنه ينبغي تصليحها مجددا. يغادر بعد ربع ساعة: يقول إنه مضطر للعودة في الغد مع قطع غيار. تلك هي حال الآلات. فجأة يدهمني الجوع من جديد، وليس ثمة ما هو جدير بالأكل في البرّاد. هناك خبز وصعتر وبندورة وجبن... آكل ساهية وأفكر في سفري الذي يقترب ... تأتي أمل ديبو في بداية فترة بعد الظهر، ومعها ترجمة قصائد لي الى العربية. أحب القصائد بالعربية اكثر منها في اللغة الأصل التي كتبتُها فيها، اي الانكليزية. لكني في الوقت نفسه اشعر في داخلي أني لا اريد ان اسمعها. يجتاحني دائما مزيج من القلق والتعب يدفعني الى اجتناب التفكير في ما سبق وكتبته. أحس آنذاك أن نصوصي ليست تماما لي وليست تماما ملك الآخرين.
تدخل سيمون، التي أمضت النهار خارجا للقيام ببعض المشتريات، يسبقها الناطور والسائق وهما يحملان أصصا كبيرة فارغة. يجب ان ننقل الازهار التي على الشرفة من الأصص القديمة قبل ان نسافر. الأصص الجديدة فخاريات رائعة، وهي من شغل سمير موللر. اشتغلها بيديه. لكنها كابوس ايضا. يا للفوضى التي ستخلقها تلك العملية، وذلك قبل ايام قليلة من رحيلنا! اني ممزّقة هذه المرة بين الجمال المهيب لهذه الأصص الجديدة الضخمة، وارهاب الذهاب والاياب والغبار والصخب الذي ستتسبب به. هناك أمر واحد أكيد: مضى شهران لم استطع ان احظى خلالهما بنهار واحد من الراحة. صيف كامل في بيروت، من دون زيارة واحدة الى الجبل: ليس ذلك بالأمر السهل ولا المحتمل. رغم ذلك، الحر الشديد الوطأة ينعش ذاكرتي احيانا ويحملني الى ايام مراهقتي في بيروت، عندما كنت انزل خصيصا من الجبل لأشعر بهذه الحرارة بالذات، ولأتوهم اني اتبخر داخل ضباب لامرئي لكنه موجود في كل مكان.
الوقت هنا جامد. الحرّ ثقيل. البحر لا يتحرك. العقول كذلك. الجميع ينتظر. يبدو ان الشرق محكوم عليه بالانتظار. ينتظرون المسيح. ينتظرون المهدي. ينتظرون الحرب. ينتظرون نهاية الحرب. ينتظرون تقرير ميليس. ينتظرون عودة السياح. ينتظرون الموسم الجديد. ومنذ اوائل تشرين الأول سوف ينتظرون أيضا رمضان المبارك، ثم عيد الميلاد.
الوقت متأخر الآن، ولن أخرج هذه الليلة. أنا لا انتظر أحدا. أطفىء التلفزيون. فكرة واحدة تقضّني قبل الذهاب الى النوم: طوال النهار، لم تأت أي محطة اجنبية على ذكر العراق.