(شاعر /فرنسا)

أسكن في قرية يقطنها 350 شخصا، على بعد تسعين كيلومترا من باريس: هضبة معرّضة للريح ومنذورة للزراعة الكثيفة. هنا أعيش وأعمل وأتنفس وأنام وأفكّر وأتنزّه وأحبّ.
إذا استثنيتُ الأيام الباريسية المتواترة المواعيد، وجداول العمل التي يجب احترامها، خصوصا تلك المكرّسة للتسجيل في الاستديوهات، أحاول هنا في مكان سكني، أن أترك الوقت مفتوحاً أمامي إلى أقصى درجة ممكنة. لا شك في أن هذه الرغبة بالتحرر من القيود سهلة التحقق بسبب مشاريعي المتعددة، وفضولي المتنوع الوجه والهدف، فضلا عن حال الفوضى في مشغلي حيث تتكدّس كراتين الرسم ورزم الكتب والاقمشة والصحف وقصاصات الورق التي تتقاسم أرض المكان مع فرن الخزف والثلاجة. هنا، في هذا المكان الهادىء والصاخب على السواء، حركتي ثابتة بين إياب وذهاب. أحيانا مثلاً، أضيّع ما كنت أعمل عليه طوال السهرة الفائتة، تاركاً للركام المحيط بي أن يمتصه، هذا الركام نفسه الذي يمنحني نصاً، توليفةً، رسماً منسياً منذ يوم أو بضعة أشهر، فأضعه من جديد في الورشة قبل أن أفقده مجدداً.
كيف أمضي يومي؟ أقفز من مشروع الى آخر، من بضع كلمات إلى مساحة ملوّنة، من خمس أو ست جمل مرمية على جناح السرعة إلى مقطوعة موسيقية... هكذا أكدّس مسوّدات المشاريع دونما اهتمام بأن أغلّب الواحدة منها على الأخرى. يمكنني القول بلا مبالغة إني أعيش حالا من العطلة المستمرة، الناجمة عن عدم استسلامي لرعب المواعيد وتعاملي بليبيرالية شديدة مع مفهوم الوقت. تارة أقرر تنظيم مهرجان، وطورا أحسم أمري في ضرورة تسجيل قرص مدمّج، قبل ان انتقل من القرارين الى نزوة جديدة ألا وهي إصدار كتاب. أنعطف من كل شيء إلى كل شيء. لكن لا تعتقدوا أن الأمر يؤول بي الى عدم فعل شيء على الاطلاق: بل أنا أجمع ما يلزم لتحقيق هدفي وأركّز على تجسيده.
رغم التفلت من العادات، أحافظ على بعض الثوابت: مثلا، أستيقظ دائما قبل الساعة الثامنة. أشغّل الراديو. أنتظر، بلا شك، أخباراً سعيدة لا تأتي أبداً تقريباً. لا شيء يحدث في العالم غير ضربات مجنونة، مجازر، مشاريع ديكتاتورية، مجاعات، زلازل، فيروسات قاتلة، ...الخ. أما في ما يخص فرنسا، فقوانين أكثر تشدداً تجاه الحرية الفردية والفكرية. أخشى انزلاقاً لهذا الكون لا رجعة منه الى السطح.
إنها الآن الساعة التاسعة صباحا. أدخل مشغلي المجاور للمسكن. بضع ساعات صامتة تمتد أمامي. ما ألذّها! إنه وقت تلك الكتابات المتقطّعة - نهايات قصائد، أخبار، رسائل لا تُنجز أبداً. ولختام صباحي أقرأ أشعاراً جديدة أو أخرى أليفة. أحاول - ولا أنجح دائماً - ألاّ أفتح البريد، وألاّ أردّ على الهاتف قبل استراحة الغداء. أتناول الغداء مع شريكة حياتي فرنسواز. هكذا أصل إلى فترة ما بعد الظهر التي غالبا ما اخصصها للتلحين. أتساءل: ترى أيّ نغمة تلائم هذه القصيدة؟ ما الذي يليق بها ويضاعف قيمتها؟ أسمع أيضاً التسجيلات المنجزة، إذا لم تكن أذناي مشبعتين.
لا ساعة حائط في المشغل ولا ساعة في يدي. بشكل عام، يأتي المساء من دون أن أرتوي. لكن حين أستطيع أن أسرق نفسي من الاستغراق في العمل في نهاية النهار، وإذا سمح الوقت، أكرّس ساعة، من الربيع إلى الخريف، للعناية بحديقة الورود، والبركة وضفافها. أحاكي الأزهار وتحاكيني. أشعر بامتنانها عندما اعتني بها. أنا ممتنّ لها ايضا، فهي تمنحني سعادة لا تعرفها.
عند الساعة الثامنة، أو التاسعة على الأكثر، أوافي فرنسواز إلى موعدنا اليومي حول كأس من النبيذ. تتذوّق "لا فاغان" وهي تدخّن سيجارتها الصغيرة. ثم تحدّثني عن تطوّر كتاباتها، أو تُسمعني نصاً بكراً طازجاً، يُغرقنا في محادثات عميقة، لا متناهية، حول الشعر. أعشق نقاشاتنا واعتبرها جزءاً لا يتجزأ من قصة حبنا الطويلة التي بدأت لخمسة عشر عاما خلت. هكذا نحاول معاً، يدا بيد وقلباً على قلب، إصلاح العالم قليلا قبل العشاء!
بلا جدوى.