(شاعر/ البرتغال)

بعد حياة مهنية ناشطة تعرفتُ خلالها الى مهن مختلفة وبدأتُها كمحام متدرّج قبل ان انصرف الى النشر (لمدة 18 سنة) ثم الصحافة فالتعليم الثانوي، وصولا الى ادارة احدى المؤسسات الثقافية الاوروبية الكبرى لاكثر من ربع قرن، لم اتردد لحظة في انتهاز فرصة التقاعد.  لطالما حلمتُ بحياة المتقاعد وخططتُ لها في أدقّ تفاصيلها، مذ كانت حلماً بعيداً يتراءى لي وسط معمعة المشاغل والهــموم: واحة هدوء وسلام كنت أتوق اليها كمكافأة مستحقة.
خططتُ اولا لشراء منزل في الريف، قريب من لشبونة، كي استطيع الاستفادة، بين الحين والآخر، مما يسمّونه الحياة المدينية، عندما تجتاحني الرغبة في الصخب، وكي اكون في الوقت نفسه بعيدا عن كل الاغراءات التي شغلتني واستنفدت قواي خلال الأعوام الماضية، حتى الثقافية منها.
خططتُ ثانيا للتمتع بالملذات التي حُرمتُ منها بسبب ديكتاتورية الواجب، واعني القراءة والموسيقى. كم من الكتب اشتهيت ولم أستطع أن أنهل منها سوى القليل، لأنه كان عليّ آنذاك أن أقوم بشيء آخر، وأن أكون في مكان آخر! وكم من الحفلات الموسيقية فوّتُ على نفسي بسبب طاغية اسمه الوظيفة!    
خططتُ اخيرا لممارسة كاملة وحماسية لنشاط لطالما استهواني وتمكّنت من القيام به باستمرار، وإن بشكل متقطع، الا وهو الترجمة الادبية. يحكى الكثير عن أن الحلم الذي نركض وراءه ولا نطاله أجمل من ذاك الذي ندركه. هذا الكلام، بكل بساطة، دجل. ليس أجمل من حلم مشتهى يتحقق أخيرا. الحب المنتظر والمحلوم مثلاً، إذ يتحقق ويصير حبا موجودا وسعيدا، يزداد سحرا واشتعالا. لا بل أجرؤ أن أقول إنه أكثر "حلمية" من الحلم نفسه. إنه معجزة معيشة، مسكرة، تتكرر في كل لحظة والى ما لا نهاية: فهل أكثر بعثاً على النشوة من ذلك؟   
اليوم، في وسعي أن أقول إني حلمت وخططت ونفذت. أعيش الآن حلمي المتحقق: لقد استقبلتُ الالفية الجديدة في منزلي الريفي المختبىء بين الجبال والوديان في حضن الطبيعة، وبدأت اعتني بحديقتي الخاصة لكي أُدخل بعض التعديلات على هذا المشهد الطبيعي فيصبح "كاملا". وعلى الفور، غصتُ في ترجمة "بحثا عن الزمن الضائع" لبروست، وهو عمل شاق استغرقني اربع سنوات، وهذا انجاز في ذاته. بعد بروست، انتقلت الى فلوبير فالى بالزاك، والآن أعمل على ترجمة نصوص بودلير النقدية.
كيف أمضي نهاري؟ اقرأ بكل حرية، بكل ما أوتيت من شراهة، واستمع الى الموسيقى. انا الآن في صدد قراءة رسائل الكاتب البرتغالي الشهير انطونيو لوبو انتونس الى زوجته الشابة بعد استدعائه الى القتال في افريقيا في زمن الحرب الاستعمارية في السبعينات. انا الذي عانيتُ، بدوري، الأمرين يومذاك جراء تلك الازمة الرهيبة، أجد نفسي اعيش مجددا سنوات مؤلمة لطالما سعيت الى محوها من ذاكرتي. لكني اعيشها اليوم على انغام جوزف هايدن على الناي والكمان والفيولونسيل: إنه لعزاء كامل.
حقا، ليس في نهاري اكثر من ذلك. هذا هو ملخّص حياتي اليومية الهادئة البعيدة عن الضوضاء الادبية والاجتماعية: أعيش بسلام برفقة شريكتي وحبيبتي وصديقتي منذ لقائنا الأول لخمسة وأربعين عاما خلت (حلم آخر متحقق!). أترجم، أقرأ وأستمع الى الموسيقى. اتأمل الطبيعة وأكتب، بين الحين والآخر، الشعر.
ها أنا اليوم في عامي الحادي والسبعين ربّ اسرة كبيرة، فقد رزقتُ وزوجتي ثمانية اولاد واصبحنا جدّين لواحد وعشرين حفيدا يغزون كالاعصار هذه السكينة التي وصفتُها لكم للتو. والسعادة التي تغمرني عند وصولهم تعادل الراحة التي اشعر بها عند مغادرتهم.
هنيئا للذين شعروا في ايامهم الاخيرة بفرح عيش أحلامهم! نعم، اعرف اني لمحظوظ...