غاستون باشلار

(عزلتي حاضرة أصلا، فليحرقها من يحرقها)

لويس إيميه

ترجمة: علي بدر
مي عبد الكريم

فوزي الدليميبعد فصل استهلالي قصير كنت أوجزت فيه ثيمات البحوث التي تلزم مؤرخ الأفكار والتجارب إتباعها، أعود إلى مهنتي البسيطة، كباحث عن الصور، الصور التي فيها من الجاذبية ما يكفي لتثبيت أحلام اليقظة. إن لهب الشمعة يستدعي أحلام الذاكرة ويعيد إلينا، من ذكرياتنا البعيدة، مواقف وسهرات مستوحدة.
ولكن، ألا يفاقم اللهب المستوحد بحد ذاته عزلة الحالم، ألا يواسي أحلام يقظته؟ يقول لشتنبرغ: إن الإنسان بحاجة إلى الصحبة، حتى أنه وهو حالم بعزلته، يشعر بوحدته، أقل، أمام الشمعة المضاءة. وكم أثرت هذه الفكرة بألبير بيغان، مما جعلته يطلق على فصل كان قد كرسه لجورج لشتنبرغ، الشمعة المضاءة. 1
ولكن يتخذ كل موضوع، طابعا غريبا، عندما يصبح موضوع حلم يقظة، وكم سيكون ذلك العمل عظيما لو كان بإمكاننا أن نوحد في متحف، الموضوعات الحلمية مع الأشياء المحلومة، وذلك من خلال أحلام يقظة مألوفة لأشياء مألوفة. وهكذا سيكون لكل حاجة في البيت شبيهها، ليس شيئا مصنوعا من كابوس، بطبيعة الأمر، إنما هو نوع من الخيال الذي يوسوس في الذاكرة، وهو الذي يهب الذكرى قبس حياتها.
نعم، إن لكل موضوع عظيم شخصيته الحلمية، فاللهب المستوحد له شخصيته الحلمية، وهي غير شخصية النار التي في الموقد. وإن النار التي في الموقد باستطاعتها أن تبهج مؤجج الجمر. ويمكن للرجل الجالس أمام نار متأججة أن يساعد الحطب على الاحتراق حين يرمي في اللحظة المناسبة حطبة إضافية. ويحتفظ الذي يعرف كيف يدفئ نفسه، بفعل برومثيوسي، لأنه يغير الأفعال البرومثيوسية الصغيرة، ومن هنا يتأتى كبرياؤه بوصفه مؤججا عظيما للنار. غير إن الشمعة تحترق بمفردها. فما من حاجة لها بمن يخدمها. ولم نعد نحن نحتفظ، على طاولتنا، بمقراض لقص الذبالات، ولا بحمالته. ومن جانبي، فأنا أرى أن زمن الشموع هو مع ذلك زمن (الشموع المثقبة) حيث تسيل الدموع الخفية على امتداد قنواتها الدمعية، ويا له من مثال جميل، يحتذي به الفيلسوف المتأوه!
لقد سبق لستندال أن أحسن التعرف على الشموع الجيدة، فهو يحدثنا في مؤلفه (ذكريات سائح) عن عزمه على الذهاب إلى أفضل عطار في الضاحية التي يقطنها ليتزود بأفضل أنواع الشموع، ليستبدل بها (قناديل صاحب المنزل المتسخة).
وهكذا علينا أن نعثر على أحلامنا المتوحدة في ذكريات الشموع الجيدة. إن اللهب وحيد، ومن الطبيعي أن يكون وحيدا، وهو يبغي أن يظل وحيدا، وقد حاول عبثا أحد الفيزيائيين نهاية القرن الثامن عشر أن يربط لهب شمعتين، فكان يضع ذؤابة كل واحدة منهما بالاتجاه المعاكس للأخرى، بيد أن اللهبين المتوحدين، وهما في غمرة تعاظم لهبيهما وصعوده، لا يعبئآن بالاتحاد ببعضهما، بل يحتفظ كل منهما بطاقته العمودية، ويحافظ كل منهما-عند قمته-بدقة طرفه.
فأية رموز محزنة في تجربة الفيزيائي هذا تشير إلى قلبين ألمَّ الوجدُ بهما، وهما يحاولان عبثا أن يساند كل منهما الآخر على الاحتراق، فليكن اللهب نسبة إلى الحلم، على الأقل، رمزا للكائن المستغرق في صيرورته! فاللهب هو كائن-صيرورة، وصيرورة- كائن. هو أن تشعر بأنك لهب وحيد وكلي، لهب المأساة ذاتها لكائن- صيرورة، وأن تُستضاء، وأن تتهدم، وهذه الأفكار، تتفجر في الواقع خلف صور شاعر كبير، فقد كتب جون دو بوشير:

فقدت أفكاري أرديتها في النار
وكنت أتعرف عليها من خلالها.
لقد استنزفت في الحريق
الذي كنت مصدره وحطبه،
ومع ذلك فأنا لم أعد موجوداً،
انا الداخل، كنت محوراً للهب.1

أن تكون محورا للهب! هو أن تكون صورة عظيمة وعتيقة لديناميكية موحدة!
لهب جان دو بوشير، لهب شيطان العتمة، لم يكن يرتجف على الإطلاق. وبإمكاننا ان نعده كما لو انه إعلان عن مؤلف عظيم .

(2)

تستمد البطولة مع جان دو بوشير مثالها من لهب فعال ( يمزق أرديته )، بيد أن هنالك لهب أكثر هدوءا في العزلة. إنه يتحدث بكل بساطة إلى الوعي المنفرد، ويمنحنا الشاعر من خلال كلمات خمس حقيقة مقررة عن مواساة عزلتين اثنتين.
لهبٌ وحيد وأنا وحيد 2
أفي هذا الكلام حزن أم خضوع، عاطفة أم يأس، ترى أية نبرة لهذا النداء في عملية التواصل المستحيل؟ أن تحلم وحيدا، تحترق وحيدا-إنهما رمزان عظيمان، رمزان مزدوجان غامضان، فالأول هو للمرأة التي عليها أن تبقى وحيدة، وهي تحترق دون أن تتكلم، والثاني هو للرجل الصامت، والذي لا يملك من شيء سوى عزلة يقدمها.
ومع ذلك فيا لها من حلية تلك الوحدة! نسبة للكائن الذي بإمكانه أن ُيحِب وأن يُحَب! فقد حدثنا الروائيون عن الجمال العاطفي لهذه الأنواع من الحب الخفي، وعن هذا الحب غير المصرح به، ويا لها من رواية عظيمة يمكننا صنعها لو كان بإمكاننا تتمة الحوار الذي استهله تزارا:
لهبٌ وحيد وأنا وحيد
ولكن ألا يستمر هذا الحوار من خلال الصمت، من خلال صمت كائنين متوحدين؟ ولكن عندما نحلم، علينا أن نتحدث. فالحالم، وفي أثناء حلمه المسائي، عندما يحلم أمام شمعة، فإنه يلتهم ماضيا، ويقتات على ماض مزيف. إنه يحلم متمرداً على نفسه، متمردا على ما يجب أن يكون عليه، وبما كان عليه، وفي داخل تموجات حلم اليقظة يُخمد هذا التمرد على النفس. إن الحالم ينقاد إلى سوداوية حلم اليقظة، السوداوية التي تمزج الذكريات الفعلية مع ذكريات حلم، وأن نكون ومن داخل هذا المزيج متحمسين لحلم يقظة الأغيار. فيتواصل حالم الشموع مع أعظم الحالمين بالحياة الماضية، متضمناً أعظم خزين من الحياة المستوحدة.

(3)

إن كان يحقق كتابي هذا ما أرغب له أن يكونه. وإن كنت استطعت، أن أجمع لدى تفحصي لقصائد الشعراء، ما يكفي من مآثر أحلام اليقظة بغية تهشيم الحاجز الذي يعترض دخولي إلى مملكة الشاعر، فكم كان بودي أن أعثر لدى نهاية كل فقرة من الفقرات، وعند طرف كل سلسلة طويلة من الصور، على الصورة النهائية الخفية، تلك التي كما لو إنها صورة قصوى لحكم الأفكار العاقلة. فحلم يقظتي يمكنه أن يصل مستعينا بخيال الآخرين إلى أبعد من أحلامي، أنا.
إني أتذكر أمام الشمعة الأشياء الأكثر بعدا من ذكريات الوحدة، وأبعد مما هي عليه ذكريات الشقاء، هذه الفقرة القصيرة هي وثيقة أدبية يتحدث فيها ثيودور بونفيل عن سهرة كامنيوس، فالشاعر الذي يتحدث بعاطفة عن شاعر آخر فان ما يقوله حقيقي مرتين:
يقول بونفيل ان شمعة كامينوس كانت قد انطفأت، بينما ظل الشاعر يكتب قصيدته مستنيرا بضوء عيني قطته! بصيص ضوء خافت ورقيق يقتضي تصديقه كما لو إنه أبعد من ضياء تافه فالشمعة لم تعد موجودة، بل كانت موجودة. لقد شرعت بالسهر حين استهل الشاعر قصيدته. وقد أمضت حياة مشتركة، حياة ملهمة مع الشاعر الملهم. لقد كان الشاعر يبسط حياته الخاصة، حياته المحتدمة أمام الشمعة. كان يبسطها على نار الوحي بيتا بعد بيت، بينما كان لكل حاجة على الطاولة قبس من نور. كان القط جالسا هناك على طاولة الشاعر، وذنبه الناصع البياض يلامس المحبرة. كان القط يحدق بسيده، بينما كانت يد سيده تجري على الورق.
نعم إن الشمعة والقط ينظران إلى الشاعر نظرات مملؤة بالنار. كل شيء كان عبارة عن نظرة في عالم صغير مؤلف من طاولة مضاءة في عزلة شاعر حالم.
لذا كيف لا يحتفظ كل منهما بحماسته في النظر، أي حماسته في الضياء؟ لذلك فإن كل تهدم وانحطاط من الطرف الأول، يُكافئ من خلال زيادة في تعاضد الآخرين.
ثم ان للكائنات الضعيفة حيزا أكثر رقة، واقل وحشية مما هي عليه الكائنات القوية. وتمتد عزلة اللاشمعة من دون عائق إلى عزلة الشمعة، فكل شيء في هذا العالم محبوب ومرغوب لقيمة في ذاته، وله الحق كل الحق أن يكون له عدمه الخاص به، فكل كائن يطلق بعضا من كائنه، يطلق ظلا من كائنه داخل لا كائنه الخاص به.
إذن، وفي رقة التناغمات التي يستمع إليها (فيلسوف ما فوق الأحلام)، يجد بين الكائنات واللاكانئات كائنا، هو ( عين القط )، باستطاعته أن يساعد لا كائنا هو الشمعة. وكم كان عظيما مشهد كامينوس وهو يكتب في الليل! ان لمثل هذا المشهد مداه الخاص به، والقصيدة ذاتها تبغي أن تبلغ مداها، والشاعر نفسه يريد أن يبلغ هدفه. وكيف تسنى لنا، وفي اللحظة التي يخفت فيها نور الشمعة أن لا نرى أن عين القط هو مشعل وضاء؟
إن قط كامينوس لم يرتعد على الإطلاق عندما قضى نور الشمعة نحبه2، إن هذا القط ، هذا الساهر الحيواني ، هذا الكان المتيقظ ينظر وهو نائم مواصلا السهرة، ومشتركا في النور مع وجه الشاعر الذي تنيره العبقرية.

(4)

الآن، عدنا وبصورة قصوى لتحسس مأساة الضياء، بعد أن استطعنا الانفلات من هيمنة الصور الجد مرئية. نحن عندما نحلم متوحدين وعابثين أمام الشمعة، فإننا سرعان ما ندرك بأن هذه الحياة التي تتوهج هي أيضا حياة تتكلم. حيث أن الشعراء سيعلموننا هناك أيضا فضيلة الإصغاء.
إن اللهب ليحشرج، وإن اللهب ليتأوه. إن اللهب هو وجود يتعذب. ويتدفق من هذا الأنين همس معتم. إن كل ألم صغير هو علامة على عالم يتعذب. والحالم الذي كان قد قرأ مؤلفات فرانتس فون بادر Franz von Bader يعثر في صورة مكتومة مصغرة، على شظايا البرق في صرخات شمعته.
انه يصغي إلى صوت الكائن الذي يحترق. هذه الخشخشة schrack التي يحدثنا عنها أوجين سوزيني Eugene susini2، بأنها عصية على الترجمة من الألمانية إلى الفرنسية. ومن المثير أن نرى أن ما هو عصي على الترجمة من لغة إلى لغة أخرى هو في الغالب مظهر من مظاهر الصوت والرنين. فللحيز الرنان في لغة ما ترجيعه الخاص به.
ولكن، أتعلم كيف نستقبل بشكل جيد وبلغتنا الأم الأصداء البعيدة التي تدوي في جوف الكلمات؟ فحين نقرأ الكلمات، فإننا نراها، ولكننا نكفّ عن سماعها، ويا له من اكتشاف أدهشني به قاموس الرجل الطيب نودييه، قاموس الكلمات التي تحاكي الأصوات في الفرنسية، فقد علمني الوسيلة التي اكتشف بها بواسطة الأذن تجويف المقاطع التي تشكل البناء الصوتي للكلمة. وبأية دهشة وبأي انبهار، كنت قد تعلمت أن الفعل يغمز clignoter كان نسبة لأذن نودييه كلمة صوتية تحاكي لهب الشمعة.
ومن دون شك، إن العين تضطرب، والجفن يرتجف عندما يرتجف اللهب. ولكن الأذن التي منحت نفسها بشكل كامل إلى ضمير الإصغاء، كانت قد سمعت سلفا انزعاج الضياء. فحين يحلم المرء، فإنه يكف عن الأبصار. وها هو ذا جدول الأصوات الصادرة عن اللهب وهو يجري بعسر، ومقاطع اللهب ها هي تتخثر. ولندرك جيدا إن اللهب يغمز. وعلى الكلمات البدائية أن تحاكي ما تسمعه قبل أن تترجم ما تبصره. وإن مقاطع لهب الشمعة الثلاثة التي تغمز تتصادم وتتكسر الواحدة تلو الأخرى:
cli-gno-ter فكل مقطع من هذه المقاطع يرغب بالانصهار مع المقاطع الأخرى. وإن انزعاج اللهب مسجل في العداوات الثلاث، بهذه الرنات الثلاث. فحالم الكلمات لا يكف أبدا عن التعاطف مع مأساة الرنين هذه. فالكلمة يغمز clinoter هي إحدى الكلمات الأكثر ارتجافا في اللغة الفرنسية.
آه ! إن أحلام اليقظة هذه لتمضي بعيداً... بعيداً جداً! وإنها لا يمكن لها أن تلد إلا من ريشة فيلسوف تائه في أحلامه. إنه ينسى أن الغمزة في العالم اليوم هي علامة تدرس من قبل أطباء الأعصاب، وإن الرماش هي عملية ميكانيكية تخضع لإصبع سائق السيارة. بيد أن الكلمات وهي تنقاد إلى هذه الوفرة من الأشياء، فإنها تفقد فضيلتها في الإخلاص. إنه ينسى الشيء الأول، الشيء المألوف بكليته. ولكن حالم الشمعة، الحالم الذي يتذكر إنه كان صديقا للضياء الصغير، يتعلم مرة أخرى عند قراءته لنودييه بساطة الأشياء الأولى.
وكما أشرنا إلى ذلك، في الفصل الذي استهلينا به هذا الكتاب، إن حالم اللهب سيصبح بيسر مفكرا بالشمعة. إنه يريد أن يدرك لماذا يشرع الكائن الصامت أمام شمعته فجأة بالأنين. هذه الschrack نسبة لفرانس فون بادر ( تسبق كل التهاب مهما كان صامتا أم صاخبا ) إنه ينتج من تماس مبدأين متقابلين، حيث الأول يحبس الآخر أو يضمه إليه، وعلى اللهب أن يجدد التهابه على الدوام عند احتراقه، ويصون بالرغم من مادته المبتذلة قيادته للضوء. ولو كانت لنا إذن أكثر حدة من هذه الأذن، لكنا استمعنا إلى الأصوات الناتجة عن كل هذه الاضطرابات الحميمة. فالنظر لا يمنحنا سوى توحيدات بخسة الثمن. وعلى العكس من ذلك فان حشرجة اللهب لا يمكن اختصارها. إن اللهب يخبرنا عن كل الصراعات التي يتوجب خوضها لصيانة الوحدة.
بيد أن هنالك قلوب أكثر قلقا لا تهدؤها رؤى كوزمولوجية. حين تسجل تعاسات الكائن وفق عذاب عالمي. فيمثل المصباح بالنسبة إلى حالم اللهب، رفيقا مصاحبا لحالات روحه. فإن ارتجف هذا اللهب فهذا يعني انه يستشعر قلقا سيغمر الحجرة برمتها. وفي اللحظة التي سوف يغمز بها، فإن الدم سيغمز في قلب الحالم، إن اللهب قلق على الدوام، وإن النفس في حجرة الحالم له انتفاضات، ويمسرح الحالم المتوحد فيزياويا مع حياة الأشياء كل ما هو ليس له معنى. ولكن كل شيء نسبة لهذا الحلم بالشيء، يكتسب معنى بشريا أثناء حلم يقظته المشبع بالتفاصيل. ربما يكون بإمكاننا ان نجمع بيسر العديد من الوثاق التي تخص القلق البارع للضياء الخافت، فلهب الشمعة يكشف لنا عن التنبؤات، ولنعط هذا الأمر مثالا سريعا.
في ليلة مرعبة، يلوذ مصباح سترندبرغ بالفرار :
سوف أفتح النافذة. تيار من الريح يهدد بإطفاء المصباح
يشرع المصباح بالغناء، وبالنواح، والقوقأة1
ولنتذكر أن هذه الحكاية كتبها سترندبيرغ بالفرنسية مباشرة. وبما أن اللهب يتقوقأ، فإن له حزن طفل، ولذا فإن الكون بأجمعه حزين. ويدرك سترندبرغ مرة أخرى بأن جميع كائنات العالم تتنبأ له بالشرور. ولكن، ألا تكون القوقأة معروفة على السلم الواطئ، ومصحوبة بدموع من العينين؟ مصحوبة بدموع في الصوت. ولا تكون هذه الكلمة محاكاة صوتية للهب السائل الذي نعثر عليه من حين إلى آخر في فلسفة النار؟ وفي صفحة أخرى من الحكاية نفسها. يرتاب سترندبرغ من وجود نية سيئة للضياء :
إنه صخب الشمعة الذي ينذر بالشقاء2
(أشعل الشمعة كي أزجى الوقت بالمطالعة، ويسود صمت جنائزي حين أصغى لقلبي وهو ينبض، فإذا بضجيج صغير، وحاد يهزني مثل وميض كهربائي.
ما هذا؟
فإذا بكتلة ضخمة من الستيرين المحيطة بالشمعة قد سقطت على الأرض، لاشيء سواه، إلا أن الأمر هو في الحقيقة تهديد بيننا).
ومن دون شك فان سترندبرغ يمتلك نفسيةpsychism نموذج مسلوخ، له القابلية على تحسس أبسط أنواع مآسي المادة.
إن لفحم الكوك وهو في الموقد إنذارات، عندما يتفتت كثيرا عند احتراقه، وعندما تلتحم بقاياه بشكل سيئ، بيد أن المصيبة أكثر رقة وأعظم في آن واحد، عندما تكون ناتجة عن الضياء. ولكن ألا يمنح المصباح والشمعة نارا أكثر بشرية من فحم الكوك؟ أليست النار فاعلاً أعظم قيمة، عندما تمنحنا النور؟ إن الاضطراب الذي يحدث في ذروة قيم الطبيعة يمزق قلب الحالم الذي يبغي أن يعيش، في سلام، بصحبة الكون.
ونلاحظ جيدا بأننا لا نعثر على أي اثر لانجذاب رمزي في قلق سترندبرغ أمام شقاء وتعاسة الشمعة، فهذا الحدث هو كل متكامل. ومهما صغر حجمه فانه لا يشير إلا لذاته كنوع من بروز الحالية. وربما سندين بسهولة هذا العته الصبياني، ولسوف نندهش من إنها كانت قد احتلت مكانا في حكاية ملأى بالمقاساة المنزلية الواقعية. ولكن حقيقة الأمر تكمن في الواقع السيكولوجي الذي كان يحياه الكائن والذي قد تكرر بواقع أدبي. فكان لسترندبرغ ثقة تامة بأن الحدث الذي لم يكن له مغزى يمكنه ان يحرك أوتار القلب البشري. وكان يعتقد بانه يمكنه بخوف بسيط أن يفرخ خوفا في عزلة القارئ. ومن الطبيعي، أنه ليس من الصعب على طبيب الأمراض العقلية ان يشخص الشيزوفرينيا عندما يطالع روايات سترندبرغ. غير أن هذه الحكايات عندما تأخذ شكلا أدبيا فإنها تطرح مشكلة:
ألم تكن لهذه االجحيم inferno باهتماملق شيزوفرينيا ؟ ألا تصب قراءة الجحيم inferno باهتمام بالغ، كل قارئ بساعات من الشيزوفرينيا؟ ويدرك سترندبرغ جيدا أنه حين كان يكتب عن العزلة في المطلق، فإنه يتواصل مع الغيرية العظيمة للقراء المستوحدين. ويعلم جيدا أن في كل نفس، وفوق كل عقل، ثمة مجال تكمن فيه المخاوف الأكثر صبيانية. وأنه كان مستيقنا، بأنه باستطاعته أن ينشر شقاءه المتعلق بالشمعة. لقد كان يتبع في الجحيم الشعار الذي تعبر عنه سيرته الذاتية:
(اذهب هناك، وسيرتعب الآخرون) 3

(5)

حينما ترمي الذبابة بنفسها على لهب الشمعة، فعندها يكون للتضحية ضجيج. الجناحان يئزان ويتوهج اللهب. ويبدو أن الحياة تنهار في قلب الحالم. إلا أن نهاية العثة هي أكثر نعومة وأقل ضجة، ستحلق بخفوت، وما أن تلمس اللهب حتى تكون قد نفقت. هذه الحادثة، هي أكثر بساطة، نسبة إلى حالم اللهب الذي يحلم كثيرا، حين تمتد التعليقات إلى النقطة الأسبق. وليونغ C.G.Jung في هذا المعنى فصل كامل يفسر فيه هذه المأساة تحت عنوان غناء العثة1ويستشهد يونغ بقصيدة للسيدة ميلر المصابة بالشيزوفرينيا :
يمنح الشعر مرة أخرى دلالة مصيرية لحادثة خالية من المعنى، وإن القصيدة لتمجد كل شيء يسير باتجاه الشمس، باتجاه سيدة اللهب، ذلك الكائن الضئيل المنطفئ طويلا داخل ظلمته. إنه يبحث عن التضحية العظمى، يبحث عن التضحية المجيدة.
وإليك كيف تغني العثة، كيف تغني المصابة بالشيزوفرينيا:

صبوت إليك منذ يقظة وعيي الدويدي الأول، ولم أحلم إلا بك حين كنت شرنقة. وغالبا ما يهلك عشرات الآلاف من أترابي عند تحليقهم نحو ألق ضئيل ينبعث منك. ما هي إلا ساعة أخرى حتى يصبح وجودي الضعيف ملغيا. ولكن لن يكون لجهدي الأخير من هدف آخر، كما هي رغبتي الأولى سوى الاقتراب من مجدك، فأني بعد أن تبينت في لحظة من النشوة، بأني سأموت راضية، طالما أنني استطعت ولو مرة واحدة ان أتأمل الجمال والحرارة والحياة في روعته الكاملة.
هذا هو غناء العثة، رمز لحالمة ترغب بالموت تحت دفء الشمس، ولا يتردد يونغ بمقارنة قصيدة هذه المصابة بالشيزوفرينيا بأبيات من شعر فاوست يحلم فيها أن يتيه تحت الشمس:

آه ! لو كان لي جناحان لأحلق
واتبعها دون انقطاع في جرييها!
ولكني أبصرت في شعاع الصوت، أبدا،
العالم الصامت وهو مفروش تحت إقدامي.
.....................................
بيد أن باعثاً جديداً يستيقظ في داخلي
وأنطلق على الدوام كي أشرب من ضيائها الأبدي 2

نحن لا نتردد أيضا بإتباع يونغ في مقاربته التي أجراها بين قصيدة مريضته المصابة بالشيزوفرينيا وبين قصيدة غوته. لأننا نشهد في واقع الحال تكبيرا للصورة الذي هو أحد الديناميكيات الأكثر شيوعا في الأحلام الأدبية. وهذا هو نسبة لنا شاهد على الكبرياء السيكولوجي للأحلام المكبوتة.
في الديوان (ترجمة ليشتنبرجه) يتناول غوته ثيمة ( selige schnsucht) وثيمة النوستالجيا السعيدة، وثيمة تضحية الفراشة في اللهب.

أريد أن أمدح الحي
الذي يصبو إلى الصوت في اللهب
وفي طراوة ليالي الحب
.....................
....................
تتملكك عاطفة غريبة
حينما يبرق المشعل الصامت
وأنت لا تشعرين حبيسة بعدها،
في الظل المعتم
أنى تحركك رغبة أخرى
نحو الزفاف العالي.
.......................

أنت تعدمين في تحليقك المدهش
وأخيرا أنت عاشقة الضوء
هذه أنت، آه ! أيتها الفراشة المحترقة.

ويستقبل هذا المصير لدى غوته شعارا عظيما (مت وطر):

وطالما أنت لم تفهم
هذا: مت، وطر!
فما أنت سوى طين
مظلم
على الأرض المعتمة

ويعطي هنري ليشتنبرجه في مقدمته لل( ديوان ) تعليقا طويلا على هذه القصيدة فكانت صوفية الشعر الشرقي تظهر إلى غوته قريبة من الصوفية الإغريقية، وقريبة من الفلسفة الأفلاطونية والهيراقليطية. فغوته الذي شغف بقراءة أفلاطون وأفلوطين، كان يميز بشكل قاطع القرابة التي توحد الرمزية الإغريقية والرمزية الشرقية. فهو يتعرف على الثيمة الصوفية للفراشة التي ترمي بنفسها في لهب المشعل - في الثيمة الإغريقية التي تجعل من الفراشة رمزا للروح التي تقدمها لنا (البسيشة) تحت شكل فتاة شابة أو بصورة فراشة، يمسك بها إيروس ويختطفها محترقة بالضياء.

(6)

تلقي العثة بنفسها في لهب الشمعة: أي ذلك الانتحاء الضوئي الإيجابي،2 حسب قول عالم النفس الذي يأخذ في الحسبان القوى المادية، أو عقدة امبادوقليس حسبما يذكر عالم الأمراض العقلية الذي يريد أن يقرأ في الطبع البشري أصل الاندفاعات الأولية، والجميع هنا محق في قوله، بيد أنها أحلام اليقظة التي تجعل كل الناس متفقين عليها، طالما أن الحالم يقول في نفسه عند رؤيته للعثة وهي خاضعة للانتحاء الضوئي لغريزة الموت الكامنة فيها: "لم لم أكن أنا الذي يحترق" ! طالما أن العثة هي أمبادوقليس ضئيل، فلم لا أكن أنا ذلك الإمبادوقليس الفاوستي الذي يحتاز في الموت بالنار، والموت بالشمس على الضياء، وطالما أن الفراشة تأتى لتشعل أجنحتها في نار القنديل، دون ان تستدرك الأمر بإطفاء الضياء قبل وقوع المأساة. إن هذا الخطأ الكوني لا يؤثر على الإطلاق في حساسياتنا. ولكن يا له من رمز ذلك الذي يتعلق بالكائن الذي يأتي لينفق جناحيه في النار!

تحرق زيتها، تحرق كيانها! هذا الذي لم تكف الروح الحالمة يوما عن تأمله. وحين تكشف بولينا بطلة بيير-جان جوف إنها كانت تمتلك كل هذا الجمال قبل أول حفلة راقصة لها، وإنها كانت تريد ان تغري الرجال جميعهم في الوقت الذي كانت تبتغي فيه أن تكون نقية طاهرة، مثل راهبة، كان موت الفراشة في اللهب، هو الذي تستحضره في نفسها.

ولكن انتبهي أيتها الفراشة العزيزة من اللهب، واحدة أخرى سيقضى نحبها في ذلك المساء، إنها ستقضي على نفسها في الحال، إنها ترتمي في اللهب رغما عنها، فهي لا تدرك معنى اللهب وإن كان نصف جناحيها قد احترق. فهي ستعود، تعود مرة أخرى مع إنها النار، إنها النار أيتها الفراشة التعيسة 3.

إن بولينا هي لهب طاهر ونقي، ولكنها مع ذلك لهب. إنها ترغب أن تكون إغواء: إلا أنها مع ذلك مغوية. إنها في غاية الجمال! وجمالها هو نار يقوم بإغوائها. ومنذ ذلك المشهد الأول، تبتدأ لديها مأساة الموت الطاهر في الذنب. إن رواية جوف هي رواية مصير، لأن الموت في الحب وبالحب، مثل موت الفراشة في اللهب، أو ليس هو تحقيق لأطروحة مركبة من تقابل
إايروس وتاناتوس؟ فرواية جوف تحرك غريزة الحياة وغريزة الحب في آن واحد، إن هاتين الغريزتين في الأعماق عندما نتبينهما كما يفعل جوف، لا تتعارضان في بدائيتهما، ويبين سايكولوجي الأعماق، كما هو عليه جوف، بأنهما يتعلقان بإيقاعات مصير ما، بهذه الإيقاعات التي تصنع في الحياة الثورات المتعاقبة. وإن الصورة الأولى، صورة المصير الأنثوي الذي يختاره بير جان جوف هي صورة الفراشة الملتهبة بالشمعة في مساء الحفلة الراقصة الأولى.
قي الواقع كنت رغبت في تتبع الحالمين المختلفين في اللهب، في تتبع الحالمين المختلفين وحتى أولئك الذين يتأملون موت الاوريفات التي يجذبها الضوء. بيد أنني لا أشارك بأحلام كهذه الأحلام إذ أنها تصيبني بالدوار، وإن الفراغ يجرني إليها ويخيفني. وإنني لا أقاسي على الإطلاق من دورات امبادوقليسية، فعزلة الموت هي موضوع للتأمل، بيد أنه من العظمة بمكان، لا يقوى عليه حالم العزلة مثلي.
ويتوجب علي إذن لكي أنهي هذا الفصل أن أعود إلى الحديث عن الكيفية التي أضم فيها الأحلام الهادئة البسيطة التي ذكرتها في بداية هذا الفصل إلى نفسي.

( 7)

كان جون كاسو يحلم على الدوام بالتقرب من الشاعر العظيم ميلوسز بوساطة السؤال الذي يليق بكل عظيم:

كيف هو حال وحدتك المعظمة ؟

إن لمثل هذا السؤال إجابة، فبأي مركز في الروح يكون المتوحد العظيم وحيداً، وبأي جهة من القلب، وبأية التفاتة روحانية يكون وحيداً بالفعل؟ محبوساً أو مواسى؟ وبأي ملجأ يكون الشاعر المتوحد متوحداً، وبأية صومعة؟
إن كل شعور بالوحدة لدى متوحد عظيم، عليه أن يعثر على صورته عندما يتغير كل شيء، طبقا إلى تغير مزاج السماء وإلى ألوان الأحلام. لأن مثل هذه المشاعر أو الانطباعات هي صور أولا. فعلينا أن نتصور الوحدة قبل التعرف إليها، فأما أن نحبها أو نحمي أنفسنا منها. أما نحصل على الهدوء، أو نكتسب الشجاعة. وعندما نرغب بعمل تحليل سيكولوجي ل(المضاء - المعتم ) النفساني، حيث يضيء ويعتم هذا الوعي في وجودنا، فعند ذاك يتحتم علينا تكثير جميع الصور، أو مضاعفة كل صورة.
إن المتوحد وهو في مجد وحدته، يعتقد أحيانا أن بمستطاعه أن يخبرنا عن ماهية الوحدة؟ بيد أن لكل منا وحدته، وإن الحالم لا يستطيع أن يمنحنا إلا صفحات من ألبوم مضاء-عتمته، ولمجموعة من التوحدات. ونسبة لي أنا ورغم اندماجي بالصور التي يقدمها الشعراء لي، ورغم اندماجي بعزلة الآخرين إلا أن لي عزلتي التي صنعتها بنفسي والتي تميزني عن عزلة الآخرين. لي عزلتي التي صنعتها بنفسي، وهي وحدتي بعمق، والتي لا تشبه عزلة الآخرين.
بيد أن التماس العزلة يجب أن يكون كتوما، أو بشكل أدق، أن يكون عزلة للصورة. وإن أراد الكاتب المتوحد أن يحدثني عن حياته برمتها فإنه سيصبح وبشكل مفاجئ غريبا عني.
فأسباب عزلته لن تكون على الإطلاق هي أسباب عزلتي. إن العزلة لا تملك تاريخاً. فهناك صورة أولى تشكل محتوى عزلتي برمتها. ولهذا فهذه هي الصور البسيطة، واللوحة المركزية لمضيء- معتم الأحلام والذكرى. إن الحالم يجلس إلى منضدته، يجلس في العلية ويشعل قنديله، إنه يشعل شمعدانا. إنه يشعل شمعته. في ذلك الوقت أتذكر، وفي ذلك الوقت أجد نفسي: إني أنا الساهر الذي هو. إني أدرس كما هو يدرس. والعالم نسبة لي مثلما هو العالم نسبة له.. مع كتاب صعب مضاء بلهب شمعة. ولأن الشمعة هي رفيقة العزلة، لذا فهي رفيقة العمل المتوحد. إنها لا تضيء صومعة خالية، إنها تضيء كتابا.
أسهر وحيدا في الليل، مع كتاب مضاء بلهب شمعة-كتاب وشمعة-إنهما جزيرتان مزدوجتان للضياء، يواجهان عتمات مزدوجة، عتمات الروح وعتمات الليل.
أنا أقرأ! فأنا لست سوى فاعل يقرأ!
أفكر، أنا لا اجروء على ذلك.
علي أن أقرأ قبل أن أفكر.
فالفلاسفة يفكرون قبل أن يقرأوا.
وعلينا أن لا نضيع أي وقت من ضياء الشمعة خلال الساعات العظيمة لحياة القراءة.
فأنا إن رفعت عيني عن الكتاب وأخذت انظر إلى الشمعة بدلا من أن أقرأ فإني سأحلم. لذا تتموج الساعات في السهرة المستوحدة، تتماوج الساعات بين مسؤولية المعرفة وحرية الأحلام. هذه الحرية السهلة جداً للرجل المستوحد.
إن صورة الساهر تحت نور الشمعة تشعرني بالامتلاء لكي أبتدأ أنا حركتي المتموجة بين الأفكار وبين الأحلام. نعم، إن أفكاري ستضطرب لو حدثني الحالم الجالس في قلب الصورة عن أسباب عزلته. وعن القصص القديمة لخيانات الحياة.
آه! إن ماضيي أنا، فيه ما يكفي ليثقل قلبي، ولست بحاجة لماضي الآخرين. ولكني بحاجة لصور الآخرين لكي ألون بها صوري، أنا بحاجة لأحلام الآخرين لأتذكر عملي تحت شعاع الأنوار البسيطة، لأتذكر باني أنا نفسي كنت حالماً بالشمعة.