(روائي/ البرازيل)

تريدون يوماً من حياتي؟ حسناً، أعيش في هذا الوقت ثلاثة أنواع من الأيام، وسوف أخصّكم بيوم من الفئة "الثالثة".
تتساءلون طبعا ماذا يعني كويلو بيومه الثالث هذا. لا بأس، أشرح لكم: حياتي في هذه الفترة تشبه السمفونية: سمفونية مؤلفة من ثلاثة ايقاعات مختلفة: الأول سريع جدا، عنوانه العريض "الكثير من الناس"، الثاني ابطأ قليلا، اسمه "بعض الناس"، أما الثالث فهادئ تماما، ويحلو لي أن أصفه بـ "لا أحد تقريبا".
"الكثير من الناس" هي المرحلة التي أكون خلالها غارقا في متطلبات حياتي ككاتب: لقاءات مع القرّاء، حفلات توقيع في جهات العالم الأربع، مقابلات تلفزيونية واذاعية وصحافية، تواصل مع الناشرين والصحافيين والمترجمين. وأنتم، طبعا، في غنىً عن تفاصيل يوم كهذا.
"بعض الناس" هو ايقاع الفترة التي اذهب خلالها، وبانتظام، الى أرضي، البرازيل، حيث التقي بأقربائي وبأصدقاء طفولتي وشبابي، وأمشي على طول شاطىء الكوباكابانا. قد احضر حفلا اجتماعيا هنا وهناك احيانا، لكني في معظم الاوقات ألازم منزلي. وأنتم، على الأرجح، في غنىً أيضا عن تفاصيل يوم مماثل.
لذلك سأدعكم تتسللون الى الايقاع الثالث، إيقاع "لا احد تقريبا" (لا أحد سواكم انتم في هذه اللحظة).
استيقظتُ اليوم على صوت صياح الديك، تناولتُ فطوري وذهبتُ في نزهة بين الابقار والخراف، عبر حقول القمح والقش المجاورة لهذه الطاحونة القديمة التي اشتريتها منذ بعض الوقت وحوّلتها منزلا، في قرية صغيرة في البيرينيه لا يتجاوز عدد سكانها المئتين وأفضّل ان أترك اسمها سرياً. تأملتُ الجبال، محاولا الهرب من هاجس يكاد لا يفارقني: هاجس التفكير في سؤال "من انا؟". قلت لنفسي إني لا املك اجوبة ولا اسئلة، وعشت بكاملي في اللحظة الحاضرة، متماهيا مع واقع ان للسنة اربعة فصول (نعم، أعرف، قد يبدو الامر من البديهيات، لكننا غالبا ما ننسى البديهيات)، تاركا لذاتي أن تتغيّر وتتغيّر حتى تصير تشبه المشهد الطبيعي الممتد من حولي.
عندما أعيش لحظات كهذه لا يكون عندي اهتمام كبير بما يجري في العالم، في العراق او في اميركا او في افغانستان. على غرار سكّان الأرياف، الخبر الأهم بالنسبة إليّ هو المناخ. جميع المقيمين في هذه القرية يعرفون تماما متى تمطر، متى يبرد الطقس، متى تهبّ العاصفة، لأن لذلك تأثيرا فوريا ومباشرا على حيواتهم ومشاريعهم ومزروعاتهم وحصادهم.
تجاوزتُ مزارعاً يعتني بحقله، تبادلنا التحية، "صباح الخير ايها الرفيق!"، تناقشنا في احوال الطقس وتوقعاته، ثم تابع كلٌّ منا ما كان يقوم به: هو عاد الى حراثة الارض، وأنا عدت الى نزهتي الجبلية.
رجعتُ الى المنزل، تفقدتُ علبة البريد، قرأتُ الجريدة المحلية المليئة بأخبار المنطقة. عرفتُ ان ثمة حفلا راقصا مساء غد في القرية المجاورة، وفكّرت اني ربما سأذهب. لم لا؟
عدت الى الخارج وتمددت على العشب في محاذاة الجدول الذي يجري قرب طاحونتي الحبيبة. نظرتُ الى السماء وتحادثتُ مع غيومها لهنيهة. أنتَ لا تستطيع أن تحادث غيمة معيّنة لأكثر من بضع ثوان، اذ سرعان ما تتركك وتهرب الى مصيرها. ثم نهضتُ وذهبتُ لممارسة الكيودو، وهي رياضة تأملية أدأب عليها منذ فترة، تمارَس مع القوس والنشاب. شغلني ذلك طوال ساعة تقريبا، حتى حان وقت الغداء. تناولتُ وجبة خفيفة، على عادتي ظهرا، ثم جلستُ قليلا، فراح صوت بعيد يناديني: "تعال، تعال يا باولو".
بداية لم اعرف من المنادي، لكني شيئاً فشيئاً تمكّنتُ من أن اميز صوته الغريب المختلف عن كل اصوات هذا العالم: إنه جهاز الكومبيوتر، صندوق العجائب والغرائب الذي يشدني اليه كمغنطيس كل يوم. ظل يناديني وظللتُ اقاوم، فانا اعرف اني اذا ما لبيت النداء سوف امضي كل فترة بعض الظهر جالسا أمامه، وانه سيعيدني الى المعمعة التي احاول تحديدا التملص منها هنا في هذه البقعة الساكنة: سوف يجلب ألف صوت الى اذنيّ وألف وجه الى عينيّ، وألف كلمة وكلمة الى صمت طاحونتي.
قاومتُ اذاً لبعض الوقت، لكني اذعنتُ في آخر المطاف، وما ان ضغطت اصابعي على كبسة الـ On حتى صار العالم كله في حضني: مقالات عن كتابي الجديد "الزهير"، طلبات لإجراء حوارات معي، رسائل قراء، كتب ومخطوطات، أخبار عن العراق واميركا وافغانستان، إيميل من صديق يبلغني انه آتٍ لزيارتي، قرارات يجب أن اتخذها، قرارات يستحسن ان اؤجل اتخاذها، والكثير مما يمكن الاستغناء عنه متشابكا مع الضروريات حدّ انه يصعب التفريق بينهما. عملتُ لبضع ساعات راضخا راضيا، فهذه هي الحياة التي اخترتُها، وتلك هي اسطورتي الشخصية التي ينبغي لي أن أواصل صنعها كل يوم. أدرك مسؤولياتي وواجباتي مثلما أدرك نعمي وحظوظي.
بدأ المساء في النزول، فكبست زرّ الـ Off. اختفت ضجة العالم وبقيت الطواحين والجداول وحقول القمح، وبقي خوار البقرة ورائحة العشب وصوت الراعي اذ يؤوب بخرافه الى السقيفة.
بضع مكالمات هاتفية، وتحين لحظة رجوعي إليّ. أكتب لكم هذه الكلمات الأخيرة من نهاري، وأعود الى ايقاع "لا أحد تقريبا". لا تحدثوا جلبة كبيرة وأنتم مغادرون، ولا تنسوا أن تطفئوا النور وراءكم.