(كاتب/ فرنسا)

سوف أروي لكم يوماً ككل الأيام. ما همّ ايّ واحد هو؟ حتى الفصول لا تهمّ. ما يبقى فقط من النهار، من كل نهار، تلك اللحظات النائمة بين الفجر وطلوع الصباح. من المستحيل ان أنسى جملة بروست هذه: "ثمة نهارات وعرة وصعبة نحتاج الى وقت لا متناه لصعودها، وثمة نهارات كمنحدر، ننزلها بسرعة ونحن نغنّي".
أبدأ بفطور خفيف في المطبخ، وحدي، بينما استمع الى اخبار الصباح على "فرانس انتر": بعض من السياسة، لأن لا مفرّ، ثم مراجعة عناوين الصحف، فتعليق او اكثر، وينطلق ايقاع النهار. الحركة الأولى التي أقوم بها هي إضاءة جهاز الكومبيوتر لقراءة بريدي الالكتروني والاجابة عن الرسائل، قبل ان انقضّ على الصحف. سيتطلب مني الامر بين ساعة وساعتين، والسبب بديهي: "لو فيغارو"، "ليبيراسيون"، "لو موند"، "الباييس"، "ذو غارديان"، "ذو اندبندنت"، وسلسلة من الاخبار الواردة من وكالات انباء ثقافية. وإذا كان النهار يوم خميس، يضاف الى ما سبق "تيليراما" و"الاكسبرس" و"لو بوان" و"لو نوفل اوبسرفاتور"، أما ايام الآحاد، فلا بد من "ذو سنداي تايمز" و"ذو اوبسرفر" و"ذو نيويوركر". أف!!! لكني رغم ذلك مدمن عليها، وأطلب اكثر واكثر من دون ان ارتوي. من كان صحافيا ولو ليوم واحد في حياته، يظل صحافيا الى الابد. ليست هذه مهنة: انها حال نفسية وفكرية. وفضول كهذا لا يمكن ان يكتفي بإطار ساعات المكتب التقليدية. كان غوته يقول إن قراءة الصحف اليومية هي صلاته الصباحية. لا بدّ أني "غوتيّ" الميول! سبب هذا النهم اني احب ان استعلم طبعا عما يجري في العالم، ولكن ايضا لأني في حاجة الى ان اغذّي مقالاتي، وخصوصا العمود الذي اكتبه اسبوعيا في "لو موند"، وهو تعليق يرتكز على تحقيق مرتبط بـ"تفصيل" ثقافي ما.
بعد ذلك، أي في حوالى العاشرة، أكرس الوقت للعمل على كتابي. ثمة دائما "طبخة على النار"، عمل في طور الانجاز، مخطوطة تنتظر. أولا لأن الافكار تتدافع في الرأس بلا هوادة، وأيضا لأن الرغبة هي هي، ولأنه يجب، بحسب وودي الن، الاستمرار في انتاج عمل تلو آخر اذا كنا نريد ان نجتنب اكتئاب ما بعد الولادة، الـ baby blues الذي تختبره كل امرأة حامل بعد أن تلد طفلها. الأمر مشابه مع الكتب. وبما ان طبيعتي أكثر قلقا وتوترا من طبيعة وودي الن، رغم اني لست من نيويورك، لا اكتفي بالعمل على كتاب واحد، بل احضّر كتابين بالتزامن. هذا الصباح مثلا، اغوص في ملاحظاتي المتعلقة بالرسام بونار من اجل الفصل الذي أخصصه له في Rosebud، وهو كتاب السِيَر الذي انوي إصداره سنة 2006.
ثلاث ساعات من الكتابة المكثفة والمتواصلة على الكومبيوتر تكفي لإنهاكي، يليها غداء خفيف وبعده وقت مخصص للعناية بالجسد، لكي يظل العقل في اوج عطائه. ثلاثون سنة وأنا ادأب على هذا التقليد، ولا يسعني حتى ان اتصور نهارا يمر في شكل مختلف. إذاً، بحسب المزاج والطقس والظروف، أذهب إما الى حوض السباحة في "نادي السباق الفرنسي"، وإما الى ملعب التنس في الـ"جو دو بوم"، وذلك سيرا في الحالين.
فترة ما بعد الظهر ستكون مخصصة للقاء الاصدقاء، صحافيين وكتّابا، وغالبا ما يتم ذلك في منطقة السان جيرمان دي بري (آه من حضارة المقاهي! عندما تخسر فرنسا كل شيء، تظل تملك مقاهيها التي سيحسدها عليها العالم بأسره الى أبد الآبدين). إنه الحيّ المثالي للقاءات لأنه يحوي أعلى كثافة من الكتّاب في المتر المربّع، ولأن دار النشر التي تصدر كتبي، "غاليمار"، موجودة فيه، ومكتب صديقي العزيز الطاهر بن جلون، ومعهد العلوم السياسية الذي أعلّم فيه القراءة مرتين أسبوعيا لطلاب السنة الأولى، والكتابة لطلاب السنة الرابعة في كلية الصحافة، وفيه يقع أيضا فندق "لوتيسيا" الغالي على قلبي، حيث يحلو لي ان التقي بعض الاصدقاء في وقت الغروب.
في ختام ذلك، اعود الى منزلي، اذ أحاول جاهدا ان اتعشى كل مساء اذا امكن مع زوجتي وابنتيّ البالغتين من العمر 22 و20 عاما. انه وقت الكلام، ووقت الاصغاء كذلك. بعد العشاء، عندما لا نرتاد المسرح، او نذهب للسهر في منزل احد اصدقائنا، أحتجز نفسي في مكتبي حتى وقت متأخر من الليل. هناك، في عتمة المكان، أكرّس نفسي لرياضة اختُرعت حديثا: البلوغ (أو المدوّنة)، أي دفتر اليوميات الذي ننشره مباشرة على الانترنت. فأنا اكتب يوميات (غير حميمة) على الشبكة في موقع جريدة "لو موند" الالكتروني، انشر فيها مقالات أدبية ومراجعات نقدية واخباراً ثقافية وتأملات. احاول الا انشر يوميا اكثر من مقال واحد، او مقالين ايام اليسر. انه قانون فكري واسلوب حياة التزمهما. عنوان يومياتي "جمهورية الكتب"، ويبدو انها تلقى نجاحا كبيرا اذا اعتمدنا على احصاءات الزائرين الذين لا ينفك عددهم يرتفع باطراد منذ عام الى اليوم: خمسة آلاف صفحة يوميا، اي اكثر من مئة الف شهريا. اما تعليقات القراء، ومعدلها خمسون في اليوم، مع ذروات تبلغ احيانا المئة او حتى المئتي تعليق، فغالبا ما تكون حادة وجدلية، واحيانا عنيفة ومهينة: لذلك يجب مراقبة الموقع باستمرار، الاجابة احيانا، واحيانا رمي الترّهات والشتائم في سلة المهملات. إنه لعمل متطلب قدر ما هو مثير للاهتمام. "البلوغ" نوع من المخدرات التي ندمنها، قراء وكتّابا على السواء. في أي حال، انها ثورة بالكاد بدأنا نلمس تأثيراتها: السرعة، المجانية، التفاعلية: أي بديل افضل؟
بعد ان اخصص نحو ساعة للبلوغ، اغرق في قراءة كتاب جديد، اختاره من كومة اصدارات الاسبوع. فالكاتب هو قارىء أولا، وفي حالتي أنا، هو قارىء "مرضيّ"، لا يشبع، ولا ينفكّ يزداد تطلباً. ما الكاتب في آخر المطاف؟ شخصٌ يجد صعوبة اشدّ من الآخرين في الكتابة.