(غواتيمالا)

كارلوس لوبيثالثاني من أيار 2007، خلال مهرجان بوغوتا الدولي للشعر: يوقظني باكراً رنين الهاتف. انه مواطني فرنسيسكو موراليس سانتوس الذي، ولحسن طالعي، يحرّكه حسّ التضامن معي فيدفعه الى الاتصال بي لاطلاعي ان الوقت حان للنهوض. أستحمّ بسرعة وأنزل لتناول الفطور في قاعة الطعام، في فندق "دان". "يغويني" فنجان قهوة سوداء أرتشفه طمعاً في أن أستهلّ نهاري على نحو جيد. هذه المرة، حان دوري للقراءة، في مدرسة خوان ماكسيميليانو امروسيو، الواقعة في بوسا، في ضواحي بوغوتا، وذلك عند الحادية عشرة قبل الظهر. ثمة سائقو أجرة لا يجرؤون على قصد هذا المكان المهمّش والمدقع الفقر وحيث الطرق غير معبّدة وتفتقر الى شبكة لتصريف المياه.

أما المبنى المدرسي فقيد الإنشاء. يقدّم لنا التلامذة رقصة تقليدية قبل البدء بالقراءات التي تصل الى خواتمها على أفضل حال. بدورهم، يقرأ بضعة تلاميذ وإحدى المعلمات مجموعة قصائد قبل أن يقترب جزء من الحضور طلباً للتواقيع، باستثناء كارلوس، ابن الثلاثة عشر ربيعاً الذي يسألني ان أنظم له قصيدة تَقبّل".

أستفهم عن السبب الكامن وراء طلبه الغريب. يشرح لي رغبته في إقناع فتاة ما بأن تكفّ عن القلق بعدما تقبّل فكرة انها لا تبادله الحب. ينتظر بصبر أن أنتهي من التواقيع. أشعر بارتياب، وأستعيد في برهة علاقات الحب التي عذّبتني في هذه السن في غواتيمالا وأفكر في القصيدة التي كنت لأنظمها في ظروف مماثلة لإحدى الفتيات. كتبت بضعة أبيات وأعطيتها لكارلوس لكنه فاتني التنبه الى أن جلسائي الى المائدة كارلوس بورديني ومارتا غارتيي وغوستافو ادولفو غارسيس وفيديريكو ديياس غرانادوس وفرناندو غاوونا قد غادروا. عدتُ الى الفندق لكي أتناول الطعام. راجعت بريدي، لم يسنح لي الوقت سوى ان أقرأ الرسالة التي بعثتها جمانة حداد. أحاول جاهداً أخذ قيلولة، تشغلني القراءة التي ستجري عند السادسة والنصف في "منزل سيلفا للشعر"، ناهيك بأن ايكتور بينيا دياز سيعرّج عليّ عند الرابعة لنذهب معاً لاحتساء القهوة. بعد ذاك، سنزور مركز بوغوتا التاريخي: مكتبة "ميرلين" للكتب القديمة و"ايل تيامبو" والنصب التذكاري السابع والمقعد حيث أردوا بالرصاص أمل كولومبيا السياسي الوحيد الباقي: لويس كارلوس غالان. وسنزور القصر التشريعي الذي تقف أمامه تظاهرة طالبية، وأيضاً قصر العدل الذي استولى عليه الثوار قبل سنوات معدودة، ناهيك بالقصر الحكومي الذي يتعذّر الدخول إليه بسبب محاصرة العسكر له، والقصر البلدي بـ"عباءته" الضخمة التي ستستقبل هذه السنة الاحتفال بإعلان الأونيسكو بوغوتا عاصمة عالمية للكتاب. يتحلّق حول طاولة العشاء مارغاريتو كوييار وريغوبيرتو باريديس وخوان غوستافو كوبو بوردا وكاتب هذه السطور، يقدَّم لي كتيّب شعري حيث الإهداء الآتي: "الى كارلوس لوبيز، خلال جلسة ودودة في ليلة لا تُنسى في بوغوتا، صديقك".
منزل الشاعر خوسيه أسونسيون سيلفا الذي يتنفّس شعراً، قد ضاق بالناس. أحاول استجماع شجاعتي. الحضور في منزل الشاعر مرحِبّ جداً وسخيّ ومتضامن. حتى انه في الختام، يشكر الشعر، وهذا تصرف غير مسبوق. أخرج الى الشارع حيث ثمة منازل قديمة تعود الى حقبة الاستعمار وتقع على قدم جبل "ايل اورينتي".

يتجلّى القمر من وراء هضبة مونسيرات التي سأتسلّقها لإلقاء التحية عليها في الغد برفقة الفارو غوميز رويدا وابنته آنا ماريا. القمر، يا حبّي، يفرض جلالته التي نكاد نلمسها حتى. أرجع مشياً إلى الفندق، أُفكّر في أهلي. تذكّرني إقامتي في بوغوتا كثيراً بأرضي. الجغرافيا تتشابه أما الناس فهم وحدهم الذين يجعلون الأماكن فريدة. أصاب الشاعر، انها ليلة لا تُنسى، ويوم لا يُنسى أيضاً.