ديفيد هارسنت
(بريطانيا)

بالكاد أستيقظ حتى تطفو في الأثير بضعة سطور من الشعر نصف المكتملة. يتكرر معي هذا الشيء، في الفترة الأخيرة، ولا اعرف ماذا افعل. اكتشف هذه الهدايا الصغيرة عند حافة النوم، واذ لا ازال نعساً، أشتغل عليها مجدداً بينما عيناي مغمضتان، وايقاع تنفسي لا يزال ايقاع شخص نائم. عندما اصحو تماماً، يكون قد أصبح عندي قصيدة من ثلاثة أسطر. لا يزال يلزمها بعض الاهتمام، لكنها تامة نوعاً ما. تكرر ذلك لثمانية ايام على التوالي. في القصيدة التي بين يديَّ الآن، وهي ايضاً من ثلاثة أسطر، اراهن على الحظ. أطلقت على السلسلة عنوان "الزجاج المكسور". أكتب السطور في المفكرة التي ابقيها دوماً الى جانب السرير، ثم اجري عليها في ما بعد بعض التعديلات لأحصل على ما يأتي:

رجل يخرج من بناية شاهقة. - مهمتك؟
أن أتذكّر الصوت الخافت والمتسلل
للحذاء الجلدي على القرميد: ليس بالشيء المهم.

لا يزال الوقت باكراً. اوقظ ابنتي البالغة السادسة عشرة والتي يجدر بها الا تفوّت باص المدرسة عند الثامنة. روتينها الصباحي يقتضي توقيتاً دقيقاً، ساعةً من الوقت لوضع الحد الادنى من التبرج المسموح به في مدرستها، ثم دقيقتين ونصف دقيقة لتناول الفطور، يتبعه ركض سريع الى محطة الباص.
أحب ركوب دراجتي الهوائية كل يوم اذا اتيح لي المجال. اعيش قرب حديقة ريتشموند المؤلفة من 2500 أكر من المياه والعشب والغابة المسكونة بقطعان الايائل. فيها ايضاً مسار جيد للدراجات الهوائية، لكن النهر على مقربة منه، واليوم اخترتُ طريقاً فرعياً: خمسة جسور، ستة عشر ميلاً. انه صباح رائع: اشجار تصير ذهبية قبالة سماء زرقاء هشة. لندن مدينة كبيرة ومكتظة وضاجة وملوثة، لكن لا يزال ممكناً العثور على مقدار ضئيل من البراري. عندما ابلغ المساحة المشجّرة بين الجسرين الثاني والثالث، يقفز طير من نوع مالك الحزين من الماء ويطير الى جانبي، جناحاه العريضان يخبطان الهواء بتكاسل. هذا المشهد الريفي الصغير، يقابله ركام قناني البيرة التي تركها نائمون يفتقرون الى الذوق، فضلاً عن الدخان الخانق في المكان الذي اشعلوا فيه نارهم الليلية. لكن ايضاً تقابله طائرة الـ747 المحلقة فوق رأسي، والتي تستعد للهبوط في مطار هيثرو.

اليوم، لن يكون يوم كتابة. لديَّ قراءة هذا المساء في مهرجان بريدبورت. لكن قبل ذلك، سأذهب الى دار الاوبرا الملكية حيث يقوم اثنان من السوبرانو بتجربة اداء لجزء من الاوبرا التي اقوم بكتابتها مع السير هاريسون بيرتويستل. عملت مع هاري على ثلاثة مشاريع اخرى: "غاوين" الذي عرض في دار الاوبرا الملكية في 1990، بالاضافة الى عملين أصغر منه. اشتغلتُ مع مؤلفين آخرين، الا اننا، هاري وانا، نتفاهم في شكل مميّز. يحمل العمل الجديد عنوان "المينوتور"، وهو الميدان الامثل للقائنا نحن الاثنين. من المفترض ان يجري حفل الافتتاح في نيسان 2008، وهو موعد قريب جداً من حيث "التوقيت الاوبرالي". أنهيت المخطط التمهيدي الاول للنص منذ عامين. انها فقط بداية المسار بالنسبة اليّ، اذ ما ان يبدأ هاري بتأليف الموسيقى، تبدأ حساسيته الخلاقة بالتأثير في حساسيتي، فأعيد الكتابة بما يلائم البنية الموسيقية في مسار تطورها.
اصل الى تجربة الأداء وانا مصاب بألم في المعدة، علاجه يقتضي ان اتمدد بطولي على الارض. هاري والمدير الموسيقي في دار الاوبرا طوني بابانو والمخرج ستيفن لانغريدج والمصممة آليسون تشيتي، تراجعوا جميعاً وداسوني من دون تعليق. أدى كل من المغنين إنشاده بشكل رائع، مع اني اعلم ان المستمعين الآخرين سينتبهون الى تفاصيل تعجز أذني عن التقاطها. انا سعيد لأن مهمة الاختيار لا تقع على عاتقي. انها المرة الاولى استمع فيها الى نصوصي هذه مغنّاة. الموسيقى غامضة وباردة ومثيرة.
لاحقاً، عرضت علينا آلي مجسّماً للمسرح، وحدّثتنا هي وستيفن عن افكارهما حول شكل المسرحية والطريقة التي يمكن ان تؤدّى فيها. كل شيء راح يأخذ شكله، والتمارين ستبدأ خلال اقل من سنة.

بعد ذلك، اتوجه الى بريدبورت، وهي بلدة صغيرة وجميلة قرب البحر في المقاطعة الغربية. ولدت في المقاطعة التي تليها – ديفونشاير - لكني لم اترعرع هناك بما يكفي لأعتبر نفسي رجلاً من غرب البلاد. موضوع المهرجان هو "شعر الحرب"، ومن الواضح انه جرت دعوتي بسبب مجموعتي الأخيرة "الفيلق" التي تضم سلسلة من القصائد وصفتها الصحافة بأنها "اصوات من منطقة الحرب". المنطقة المقصودة ليست محددة، لكن جرى الافتراض على نطاق واسع اني اقصد العراق. في الواقع، ثمة صور من الحرب العالمية الثانية مستندة الى قصص والدي عنها، والكثير من حرب البوسنة، لكن ربما حضّ التلفزيون وصور الصحافة عن اجتياح العراق على مثل هذا التكهن، وربما كذلك ترجماتي الانكليزية لقصائد غوران سيميك التي كتبت خلال الحصار في ساراييفو. في الحقيقة، لم يكن عندي نية مسبقة لكتابة قصائد عن الحرب، فأنا لست شاعراً شعبياً ولن اكون يوماً. هي ظهرت ببساطة، وكانت تكمن فيَّ.

الشخص الذي عرّف بي، وهو مقدّم سابق في إذاعة "بي بي سي"، يدعى ديفيد برايسور جونز، وجد الرابط مع مسألة البوسنة فتمهّل قليلاً قبل أن يبدأ، وأعلمني ببرودة تامة ان ساراييفو لم تكن يوماً تحت الحصار.
هذه المسرحية المضحكة من الإنكار، تركتني امام خيار واضح: إما مغادرة حفل قراءتي، وإما البقاء والافتراض ان الرجل توقّع مني القيام بذلك. في وجود الجمهور الذي دفع للاستماع اليّ، استكملت القراءة. في الفندق، امضيت ليلة مفعمة بالأرق متمنياً ان اكون اتخذت الخيار الثاني. استيقظت في اليوم التالي من دون هدايا السطور – واتخذت خياراً سيئاً آخر في انتقاء مقعدي في القطار - ثم عدت الى لندن والشمس في عيني.