(روائي الأردن)

على غير العادة، لا يبدو لي أيّ يوم من الأيام التي أعيشها الآن مشابها لليوم الذي سبقه أو لليوم الذي يمكن أن يليه! يعود الفضل في هذا الى الكتابة أولا وأخيراً، وإذا أردتُ أن أكون أكثر تحديدا فإنه يعود الى الكتاب الذي انشغلتُ به منذ ستة أشهر ولم أزل.
كل صباح أستيقظ في مدينة أخرى، مدينة مختلفة، كما لو أن عمان المدينة التي أحبّها، المدينة التي أعيش فيها، قد اختفتْ، كما اختفى سكانها ذات يوم في روايتي "حارس المدينة الضائعة".
منذ عودتي الصيفَ الماضي من كولومبيا، راحت المدن التي زرتها خلال أكثر من ربع قرن تتفتّح في ذاكرتي، وهكذا وجدتُ نفسي أعاود السفر إليها، أعيشها من جديد وأراها من جديد في كتاب أصبح له الآن اسم هو: "السيرة الطائرة - أقل من عدو... أكثر من صديق".
لكن الشيء الوحيد الذي يربط بين هذه الأيام كلها هو فنجان "القهوة" الذي أبدأ بارتشافه في الثامنة صباحاً وأنتهي منه في الثانية عشرة ظهراً! وكلما كانت درجة الانغماس في الكتابة أكثر نسيته أكثر؛ لكن الرشفة الأخيرة تكون باردة عادة، باردة تماما. وفي بعض الأحيان أكتشف أني لم أُنْهِ نصفه، وكم يفرحني هذا!
هكذا أتيح لي في الفترة الماضية أن أنام في عمان وأستيقظ في نيويورك أو روما أو مدريد أو نابولي أو بيروت أو القاهرة أو بغداد أو القدس؛ وقبل أن أفتح عيني أدرك أني أصبحتُ هناك لأن الكلمات التي سأكتبها بمجرد نهوضي من فراشي تكون قد كُتِبَتْ فعلا في تلك المنطقة الغامضة ما بين الصحو والنوم.
واحد من الكائنات الصباحية، هذا أنا ككاتب، منذ سبعة وعشرين عاما لم أكتب حرفا واحدا في الليل، وأظن أن لذلك فضائل كثيرة أهمها أنك تصحو ولا شيء يشغل قلبك وروحك غير ما سيُكتَب بعد قليل، أو يُقرأ بعد قليل، وقد تخففتَ بالليل من عناء ما عشتَه منذ ظهيرة اليوم السابق حتى دخولك عالم النوم، تلك الفترة الموّارة بالكابوس النهاري الذي يقضّ مضاجع صحونا بلا رحمة بدءا بما تحمله شاشات التلفزيون من موت منقول على الهواء مباشرة إلى ذلك الذي تغصّ به الصحف.
منذ زمن طويل لا أقرأ الصحف إلا مساء، أقول لنفسي: من العبث أن يبدأ المرء يومه بكل هذا الموت أو الموات، وهو يسعى لإقناع نفسه قبل غيره أن الحياة لم تزل ممكنة، بل ممكنة جدا على هذا الكوكب؛ وفي محاولة مني للتخفيف من حلكة هذا الفصل اليومي المعاد الذي لا تتغير فيه سوى أسماء القتلى وأعمارهم والأماكن التي ماتوا فيها، صرتُ أبدأ القراءة من الصفحة الأخيرة.
لست أدري من ابتكر فكرة الصفحة الأخيرة الخفيفة! الصفحة التي تشكّل الوجه الآخر للصفحة الأولى، حيث الأخبار التي تبتعد عن العام وتذهب الى الخاص، الى البشر بأسمائهم وطرائفهم وغرائبهم. لكني أظن أن صاحب الفكرة قد هُزِم في عقر فكرته، لأن الصفحة الأخيرة لم تعد أقل قسوة من الصفحة الأولى، بسبب ندرة الأخبار المفرحة ربما، ولا أبالغ حين أقول إني أفكر أحيانا بإخفاء هذه الصفحة (الخفيفة) عن ابني وابنتي (15، 13 عاما) بسبب ما تحمله من طرائف كابوسية:
"النمل يلتهم عين هندية مصابة بالسكري وهي ترقد في المستشفى"، "أم تضع طفلها أمام القطار"، "دراسة: طفل سعودي من بين كل أربعة يتعرض للتحرش الجنسي"، "ممرضة يابانية تنتزع أظافر مرضاها لتخفف من توترها!"، "عجوز في الثمانين يقتل زوجته بسبب ملعقة سكر". وهكذا إلى ما لا نهاية. ولا يخفف من "هول" هذه الأخبار سوى ذلك الخبر الذي يقول: "العلماء الألمان نجحوا في التحدّث مع الضفادع"، فيبتهج قلبي وأنا أرى السلام والتفاهم يعمّ بين الخلائق!
أكتب حتى منتصف النهار، بعدها أنهض لآكل شيئا خفيفا، هذه هي العادة، لكن الوضع يتطلب أحيانا المضي في الكتابة حتى الثالثة من بعد الظهر. ودائما أفضّل أن أكون وحيدا في البيت، وبمجرد أن اسمع الباب الخارجي يُفتح أو جرس البيت يقرع، أغلق الكومبيوتر وإن كنتُ في منتصف الجملة.
لذا، لم يعان أحد في البيت من كوني كاتبا، إنهم يرون الكتب لكنهم لا يعرفون كيف ومتى كُتِبَتْ، بعيدا عن مزاجية بعض الأصدقاء التي تجعل الجميع يحسون أن العالم خُلِقَ من أجل أن يكتبوا في الوقت الذي يريدون، في المكان الذي يريدون، رغم أنف من يريد ومن لا يريد.
نادرا ما أغادر البيت قبل منتصف النهار، وكل موعد صباحي مُلحّ يربكني فعلا، يربكني منذ الثامنة صباحاً لأني أحس بأنه يقف خلفي وبنـزق، يراقبني منتظرا أن أضع نقطة في آخر السطر.
هل قلت: ليس هناك أكثر إزعاجا من أن يحاول أحد قراءة ما تكتبه في لحظة الكتابة؟
عملي في الصحافة في بداياتي الأدبية، ربما هو الذي فرض عليّ عادة الكتابة في الصباح، وحينما انتقلتُ الى العمل في "دارة الفنون - مؤسسة خالد شومان" كان التفهّم الاستثنائي الذي وجدته حلم كل كاتب.
قلت لهم: إني أكتب في الصباح.
فقالوا: لا عليك، اختر الساعات التي تناسبك للعمل؟
قلت: بعد الظهر.
قالوا: من الثالثة الى السابعة، معقول؟!
قلت: من الرابعة الى السابعة؟
قالوا: من الرابعة الى السابعة. اتفقنا.
وهذا ما حدث ويحدث منذ عشر سنين، وقد أتاح لي هذا العمل أن أنجز الكثير وعلى رأس هذا الكثير مشروعي الروائي، "الملهاة الفلسطينية"، الذي بدأت التحضير له منذ عام 1985 وأنجزتُ منه حتى الآن خمس روايات، لكل رواية أجواؤها وزمانها واستقلالها عن الروايات الأخرى. أكثر ما يسعدني أن السيدة سهى شومان والمرحوم خالد شومان، وهما اللذان أنشآ دارة الفنون، قد اعتبرا كل كتاب أكتبه جزءا من عملي في هذا المكان الذي يُعدّ الأجمل والأكثر حيوية من حيث المعارض التشكيلية والعروض السينمائية والوثائقية والحفلات الموسيقية والمحاضرات المختلفة.
الليل غالبا ما يكون مكرَّساً للسينما، فمعدل مشاهدتي للأفلام شهريا يصل إلى عشرين فيلما على الأقل.
ليلة الأمس شاهدتُ "الجنة الآن"، فيلم مهم وجريء يمكن أن يقال الكثير فيه. سأكتب عنه.
سبعمئة كلمة! كيف أحشر يوما كاملا فيها عزيزتي جمانة؟
أين أذهب الآن بما خطر لي من أفكار كثيرة حول أشياء أكثر، أين أذهب بصديقي الذي سأراه بعد سبع ساعات، حوارنا الذي سيدور، الرسالة التي سأتلقاها بفرح بعدما قطعتْ أكثر من بحر ومحيط واحد على الأقل، ثم رسالة الرد عليها، اليوم المقبل، الشهر المقبل، ما يخطر ببالي حول إقامتي ستة أشهر على الأقل في المكسيك مع بداية آب؟
وها أنا أرى العالم كله يتكثف في يوم، في ساعة، في دقيقة، في رشفة أخيرة من فنجاني.
لقد نسيت قهوتي مرة أخرى.
هذا يعني أني أنجزت اليوم شيئا أحب أن أنجزه.
شكرا لكِ.