(روائي/ الأردن)

لا أزال أنتسب إلى الجيل الذي تعلّم حكمة قديمة تعود الى الوراء، عميقا داخل عجينة الطفولة، تحضّه على "نام بكّير فيق بكّير شوف الصحة كيف بتصير"! ليس الأمر بيدي. كما لست مطيعا إلى درجة الإذعان (مع اعترافي بوجاهة هذه الحكمة بعمومها)؛ غير أن وراثة جينيـة، ربما، أدخلتني في عداد الذين يستيقظون فجرا على نداء "الصلاة خير من النوم" فأقوم، من فوري، لأواصل مسلسل فناجين القهوة، وحرق السجائر، ووصل ما انقطع قبل ساعات: الكتاب. أو الكتابة. إذاً: الصحة ليست هدفا وغاية؛ وإلاّ لماذا أصبت بجلطتين كانت الثانية قبل خمسة أشهر؟ ناهيك بعوارض مرضيّة أخرى (كنت مهذبا فوضعت الضمّة فوق همزة الألف، بينما لسان حالي يقصد الفتحة)؟
ثمة متعة غامضة في الاستيقاظ قبل طلوع "الشمس الشموسة". أو علّها خواطر الزهو في الإطلال على الدنيا في سكونها وانبثاقها، كالوردة، من حافة الشفق المخايل؛ فيكون الواحد منا قد تلبسته حالة الخالق وهو يشهد ميلادا يفتق سرّة الأرض بعد الغمر عند التكوين: بطيئا ورويدا، مثل الطفل حين يتنفس في نومه، وليس هنالك من أمر يمكن التثبت منه وتأكيده سوى أن هذه الحالة المتخلقة من تلقائها تتخلق. ليس أكثر وليس أقلّ. حالة تتخلق من منطقة غموض لتمضي إلى منطقة غموض. وهذا هو جوهر جمالها وسر سحرها، في ظني.
وفي ظني، أيضا، أن افتتاني بهذه الحال كما هي في طبيعتها الأرضية، وملازمتي لمعناها العميق عند كتابتي لنصوصي والتزامي الطوعي لذلك؛ إنما يكشف لي احتمال إعراضي الباطني عمّا هو بيّن، وواضح، ومتماسك. يكشف لي عن اعتراضي وتشككي بكل ما هو ذو قوام يشمخ على شاشة العالم ويفقأ عيني؛ إذ أعدّ ذلك تواقحا وفجاجة طفرا من كينونة هي مشبوهة في نظري. كينونة مريبة تفتقر الى جملة شرعيات تمنحها لها صناديق الروح - بصرف النظر عن نتائج فرز صناديق الاقتراع؛ بما فيها تلك التي تراقبها لجان دولية!
ليس لعملي، الذي أخرج إليه صباحا، مفهومه التقليدي أو الصارم. عملي ليس وظيفة تجرّني رغما عني لأتقاضى عليها مالا أنفقه على ضرورات الحياة، بقدر ما هو ممارسة يومية للذات لا يستقيم معناها بغير إحساسها بالإنجاز. فأن تنجز أمرا يعني أنك أنجزت قدرا من ذاتك؛ يعني أنك حققت قسطا من كينونتك؛ يعني أنك اكتسبت حقك بيدك في الوجود؛ يعني أنك اكتسيت بالمعنى الأعمق لأنك، ببساطة ليست بسيطة، قمت بحلب لبن أن تكون وأن تحظى بجدارة ذلك كلّه.
يـاه!
هذا كلام كبير يقارب الوعظ المكرور الممل وينتهي، في الضرورة، إلى السقوط في ركاكة تبشيرية ساذجة. أو هو فذلكة أخلاقية دعيّة ذات طنين مزعج يشبه ذاك الذي تحدثه ذبابة زرقاء كبيرة تحوم حول رؤوسنا بإلحاح! ولأن الأمر كذلك، كما يبدو عبر هذه اللغة؛ فإني أزيد على هذا مستكملا معزوفتي: عليك أن تنجز عملا تحبّه! وأنا، بصراحة، أحب عملي. فأن يعمل كاتب في حقل النشر إنما يعني، في جوهره، أنه يشتغل داخل مناخات الكتابة وآفاق التفكير الهادف إلى لا غاية تسليعية مباشرة: أنه لم يحدث قطعا في نسيجه الشخصي، لا من الخارج ولا من الداخل: أنه لم ينفصم متحولا إلى شخصيتين متباينتين؛ وخصوصاً إذا كان هذا الكاتب يستمتع بتفاصيل "صناعة" الكتاب ويجيد بنسبة ما تصريف مراحلها: قراءة النص، اختيار الحرف وحجمه، إخراج الصفحات الداخلية، توليد التصميم الأولي للغلاف ثم تنفيذه على الكومبيوتر، إلخ. أما عن تسويق ذلك كله، بيعا وشراء؛ فحدِّث ولا حرج: ليست هذه لعبتي، ومن هنا تبدأ متاعب العمل ومآزقه!
لا بأس. على الحياة أن تمضي، وعلينا أن نعبرها بدورنا. بأقلّ الخسائر.
أوصل إبني، الحديث التخرج، إلى مقر عمله قبل مروري اليومي بالبريد لتفقد صندوقي هناك. في السيارة لا يتحرج بإعلان تأففه من دخان السيجارة العابق؛ فالفصل شتاء، والبرد الصباحي قارس، والنوافذ مغلقة، لكن السبب ليس هذا فحسب: إنه قلق عليَّ وخائف! فإثر الجلطة الثانية بات الخطر ماثلا في الثالثة. كما ليس لديَّ أي تأمينات صحيّة في زمن العلاج الأكثر من باهظ، والرقود المحترم الذي لا يتوافر إلاّ في المستشفيات ذات الخمس نجوم!
أبتسم بنصف تهكم، بنصف مرارة؛ وأحوّل نظره تجاه فتاة يافعة بمثل عمره، تذكّرني بأني تجاوزت منتصف العقد الخامس، وأقول: "أنظر! أليست جميلة يا ولد؟ أنظر إلى الصدر! أنظر إلى القد الميّاس! أنظر إلى القفا! يا لطيف!". فلا يكون منه إلاّ أن ينحرج، هذه المرّة، محتجا بلطف وتهذيب حقيقي: "بـابـا!". فأفكر في كم سيصمد إبني البكر هذا محتفظا بحشمة باتت من مخلّفات عصر الديناصورات، وهل سيقوى على سفالات الأيام المقبلة؟ أم تراه، إذا صان ما علّمناه إيّاه من أخلاق الصدق والأمانة وسواها من "بضاعة" انتهت صلاحيتها، كما يبدو، سوف يحقق نجاحه الخاص؟ أثق به؛ غير أني لا أستطيع إخراس مخاوفي عليه.
أدخل مكتبي، ملقيا تحية الصباح على إحسان ونسرين، وأمارس محبتي لهذا المكان حتى الظهر. عند الثانية وحفنة دقائق بعدها، أغادر إلى البيت. بدأ التعب ينال مني ويتجلّى عليّ. لم أعد كالسابق. أمنّي نفسي بقيلولتي الباذخة، بعد وجبة غداء لا أسأل عنها.
قيلولتي نوم كامل أغرق فيه. أغرق فيه تماما. قيلولتي ليست قيلولة أبدا؛ إذ هي إبحار في لذة ربما تكون، في وجهها الآخر، مرضا غير معلن! أو علّها أحد وجوه الهرب من أثقال لم أعد أتحملها، والفرار من مواجهة سدود الأفق وصدود العلاقات وانغلاقها على بناها الناقصة! ولِمَ لا يكون النوم، في هذه الحال، خيراً من صلات بتنا نفشل في مدّها بهواء الحياة؟ أجل. هذا هو الأرجح. أنام في صدفتي وألتذّ بذلك. أحلم بالآخرين، فأرى الواحد منهم يتخندق في جزيرته، مكتفيا بذاته! عجيب! أقوم من قيلولتي الخرافية عند التاسعة أو العاشرة ليلا؛ مثلما حدث اليوم. أعدّ فناجين قهوتي وأشربها. أفتح علبة سجائري وأحرقها. أجلس لأكتب ما سوف أنهيه الآن، قبل أن يصل من نافذتي نداء صلاة الفجر. وأشرع بابي على وردة أعرف أنها طفقت تفرد بتلاتها بالسرّ المستور لتنفرد (وأنا معها) بالشهادة على خليقة لا تتعب من تكرارها لنفسها ولخلائقها العاشقين لها رغم تعبهم، أو ربما بسببه.