(روائي/ لبنان)

استيقظتُ هذا الصباح على صوتها. فتحتُ عينيّ لكنها لم تكن الى جانبي في السرير. اغمضتهما من جديد كي اقول لها اني صرت اسير هذه اللعبة التي تتكرر كل يوم، وان عليها، اذا ارادت ان تبقى معي، مثلما وعدتني في يوم لقائنا الأول، ان تنزع عنها حجاب العتمة، وتأتي.
لكني اعرف انها لن تأتي، واعرف اني حين رضيت بكتابة هذا المقال، كنت في قرارة نفسي اكتب لها رسالة وداعية قبل اوانها.
الحقيقة انها ليست امرأة واحدة. انها امرأتان. واحدة لعتمة الليل وثانية لعتمة الحبر. اعيش معهما منذ ثلاثة اعوام، واكتشف متعة ازالة الحجاب بالحجاب. ازيل حجاب الليل بحجاب الحبر، وانزع الحبر حين انتظر الليل كي ارى الضوء في عينيها، واستسلم لحكايات لا تنتهي ترويها لي او ارويها لها.
معها اشعر ان الكلمات تشبه الركام. لم يسبق للغة ان تشظت هكذا. استمع الى الكلمات تأتيني اصواتا مفككة، وعليَّ ان افهم المعنى وحدي. وانا لا أعرف. الحقيقة اني لا اعرف كيف اتعامل مع سيل من الحكايات التي لا تحكي، ومنامات متشابكة تتداخل الى ما لا نهاية.

لكني احبها.
لم اقل لها هذه الكلمة، ليس لأني اخاف من الحب، او من كلمة مؤلفة من حرفين، لا تعني شيئا لأنها تعني كل شيء. بل لأن من العبث الكلام معها على هذا الموضوع. ابدأ كي اقول فأرى في عينيها ظلال المنام الذي حلمته وحلمت اني احلمه. تعتقد هذه المرأة ان الحب يتجلى حين يرى العاشق منامات المعشوق. وانا لا اوافق، لأني اخاف ان اصير مجرد منام، وان يكون كل هذا الحب الذي اعيشه معها مجرد وهم، لأن "الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا".
وقعتُ في الفخ. كنت اعتقد في الماضي، حين اقرأ الروائيين الذين احبهم، ان الكتابة هي المتعة. اتخيل الكاتب يعيش في متعة تأليف الشخصيات واللعب معها والتلاعب بها، ثم ينصرف الى حياته، كي يعيشها. اكتشفت ان هذه الصورة ليست خاطئة فقط، بل ومضللة ايضا. نُقبل على الكتابة، ونختار هذه الحياة تحت تأثيرات شتى، ربما اهمها اللذة الكبرى التي توفرها لنا القراءة. وحين نتورط ونغرق في سيل الأصوات والكلمات، نكتشف شيئا آخر.
الكاتب لا يتلاعب بالكلمات ويلعب بها، بل هو اداتها. وحين ينغمس في الشخصيات التي تأتيه من مكان خفي يجمع الذاكرة الى الخيال، يصير اسيرها، ويفقد الحياة التي يعتقد انه سوف يعود اليها لحظة يضع القلم جانبا ويذهب الى عمله. اللعبة متشعبة، لكنها تقود الى مكان واحد. تصير الحياة، التي ندّعي اننا نكتب من اجل التعبير عنها، مجرد ذاكرة للكلمات. هكذا يصير كلّ شيء في خدمة عالم يصنعه مجهول كبير لا ندري الى اين يقودنا، ومتى سوف يطلق سراحنا.
هذه المرأة التي لن اقول اسمها قبل ان توافق على ان الحكاية انتهت، رمتني في مناماتها، واقنعتني ان كل الحكايات التي اكتبها مجرد تفاصيل صغيرة في حكايتها التي تصنعها بالخوف والحب الأخرس والمنام والموت.
حاولتُ اقناعها بأن تأتي معي الى حيث اذهب. امسكت بيدي وجرّتني اليها. قلت لها اني لا اعرف هذه الطرق الجديدة والخطرة. التمعت عيناها بالرغبة وهمست لي بأن امضي معها.
مشكلتي الوحيدة اني لم اسمع صوتها مرة واحدة. تأتي كلماتها من قعر الصمت، وعليّ ان انفّذ ما تقول، واكتب ما تروي. لا اريد ان أفهم في شكل خاطئ. ما كان الشعراء العرب القدامى يطلقون عليه اسم شيطان الشعر او الصاحب الذي يملي على الشاعر قصيدته، لا وجود له. حتى إن وجد فأنا لا علاقة لي، لأني لست شاعرا. اردت ان اقول اني حين اكتبها اشعر أنها تكتبني. وان اللعبة بلا حدود. وانها استطاعت ان تستولي على حياتي، بحيث صرت اخاف ان أنهي الكتاب فأجد نفسي مجرد اسم على غلافه.
قلت اني استيقظت هذا الصباح فلم اجدها الى جانبي، وانا اكذب بالطبع. لا اكذب لأني اريد اخفاء الحقيقة، بل لأني لا اعرفها، فأضطر الى هذا الذي يسمّيه الناس كذبا، وهو في الحقيقة محاولة للكلام. الكلمات لا تكشف الأشياء، بل تغطيها. تراكمت الكلمات وتراكمت الأغطية بحيث لم اعد قادرا على قول الحقيقة التي اريد الوصول اليها.
استيقظتُ هذا الصباح، فرأيتها الى جانبي. مددتُ ذراعيّ كي اضمها، فلم اعثر الا على الكلمات. اغمضتُ عينيّ وحلمت ان الرواية التي اكتبها انتهت، واني استطيع الآن ان اروي لمن يريد ان يقرأ يوما لم اعشه.