إيمان حميدان يونس
(لبنان)

من أين ابدأ يومي؟ هل أبدأ من لحظة الاستيقاظ أم من لحظة النوم أم أحكي عن تلك اللحظات الممتدة بين اليقظة والنوم؟ أيّ يوم أختاره في حياتي؟ عنوان المقال يوحي أن هناك تنظيما ما لأيامنا وان من الممكن اختيار أيّ يوم للتشابه بين الأيام. إلا أن أيامي لا تشبه بعضها، وفي حالة كهذه من الصعب الاختيار. يومي غير عادي ولا يتكرر. هكذا لكل يوم خصوصيته. اذاً، عن أيّ يوم أكتب؟ عن يوم سلم في بيروت أم عن يوم حرب؟ ذلك أن الحرب ليست حادثاً غير عادي هنا، بل هي نمط عيش يتوازى مع شؤون أخرى، بعيدة ومتناقضة. اليوم نفسه، له بدايات موازية، ساعات موازية، أفكار موازية وخيانات موازية. لا يمرّ يوم من دون خيانة صغيرة، خيانة للكتابة وللحلم، خيانة للامس، لكن أيضا ولحسن الحظ خيانة لليأس الذي رسم حدود النهار. تتشابه أيامي في كونها حافلة بكل شيء. إلا أنها خالية من العادات. غياب العادة يجعل من كل يوم يوماً خاصا عندي.
اليوم لم يبدأ صباحي من لحظة بل خيِّل اليَّ انه مستمر مع تقطعات نوم متكررة وقصيرة أثناء الليل. العصافير التي تحوم عند الفجر فوق شجرة الأكاسيا في حديقة بناية العسيلي لا تزال هنا رغم الشتاء. شجرة الأكاسيا التي أرادت فاطمة الحاج يوما رسمها. الشتاء يكذب أحيانا، فيوهم الأشجار والعصافير. انه الربيع. يوهمني أنا أيضا. أُرسل تحية صباحية الى السماء القريبة مني. تدخل من النافذة الكبيرة وأنا لا أزال في السرير. تدخل بغيومها وشمسها ورماديتها. أحبها كيفما هي. أقترب من النافذة فقط لأتاكد انه لا يزال في إمكاني رؤية البحر. أتفحص تلك الكوة الضيقة بين المباني أمامي والتي تصلني بالبحر. أبحث عنها لأتأكد أنها لا تزال هنا وأنها لم تسد بعد بمبنى آخر يرتفع حديثا. تبدو تلك الكوة كثقب في جدار. ثقب أخترعه بقوة كل صباح.

يقول ليونار كوهين في إحدى أغانيه ان لا بد من إحداث ثقب في الجدار وان هذا الثقب يفتح مجالا لشيء آخر وآخر، لاحتمال حياة. يتغيّر الثقب في جدار يومي. يكفي شعاع شمس صغير أو كوب كبير من النسكافيه الساخنة أو جملة قرأتها، أو كلمة كتبتها في رواية لم تنجز بعد، أو هاتف من بلد بعيد، أو...

الذاكرة تخونني دائما، لذا عليَّ العودة الى برنامجي اليومي. ما عدت استعمل المفكرة الورقية منذ سنتين على الأقل. أحفظ مواعيدي وبرنامجي اليومي على هاتفي النقال: الانتهاء من كتابة المقالات، ترجمة أوراق للسفارة تتعلق بطلب الهجرة، مدرسة ابنتي ميرا، السوبرماركت، تصليح طابعة الورق، البريد، موعد في مقهى، مكتبة الجامعة الأميركية. لا يزال الوقت مبكرا أقول لنفسي. أخرج وامشي في أحياء الأشرفية الصامتة. أستمتع برؤية المنازل القديمة ذات الشرفات الملونة. أنظر إليها بشعور من يودّع شخصا يحبّه ولن يراه ثانية. أعود الى البيت، الى غرفة مكتبي الصغير.
اخترت صالة صغيرة من المساحة المخصصة للجلوس والاستقبال وحوّلتها مكتباً تطل شرفته على البحر أيضا. أجلس أمام شاشة الكومبيوتر لأقرأ بريدي الالكتروني. رسائل كثيرة عليَّ الإجابة عنها. أشرب كوبا ثانيا من النسكافيه، أرد على أكثر الرسائل إلحاحا واترك الباقية لأوقات أخرى. أسرع في تحضير نفسي للخروج. ضيقة وصغيرة هي المساحات التي تتوزع فيها أمكنة عملي ولقاءاتي ومواعيدي. بين الأشرفية ورأس بيروت تدور حياتي. في بيروت، للأيام علاقة غريبة بالمكان. تصغر مساحة الحركة المدينية مع كل يوم جديد يمرّ. هذا شأن خاص بتلك المدينة الملعونة بيروت. في السيارة أنظّم الأوقات الشاردة من يومي. أجري اتصالاتي الملحّة رغم إشارات شرطي السير المتكررة لي بألاّ أستعمل الهاتف الخليوي أثناء القيادة. أقول له من بعيد لا وقت آخر لديّ. أكتب أيضا رسائل تحوي خواطر وجملا لروايتي. أرسلها الى نفسي عبر sms وانا أقود سيارتي أو أنتظر إشارة السير. تجربتي مع ذاكرتي علّمتني أن أدوّن كل ما أفكر فيه، ذلك أني غالبا ما أنسى كل شيء.

من على الجسر الذي يصل الأشرفية برأس بيروت والذي سمّي الرينغ في سنوات الحرب الأهلية، أرى سهلا شاسعا من الخيم البيضاء والزرقاء الممتدة في قلب بيروت. منظر سوريالي وصفه صديق بـTent land . أتابع قيادة السيارة وأنا أشعر بأني أعيش لحظات موازية مختلفة، متناقضة، ومتعايشة في آن واحد. أفكر ان كل حادث يتحول بسرعة الى نمط عيش في بيروت. الى شأن عادي. رغم ذلك، نادراً ما تنجو أمورنا العادية من الخوف والقلق. لا يمنعنا الخوف والقلق من متابعة حياتنا. أخاف وأتابع سيري الى حيث عملي ولقاءاتي ومواعيدي. يغدو القلق جزءا من يومياتي، من حركتي. أتذكر ما قاله لي أحد الأصدقاء المصريين خلال زيارتي الأخيرة للقاهرة حين علّق على ما يجري في وسط بيروت قائلاً: "دانتم 4 ملايين نفر مش عارفين تعيشوا مع بعض ليه... داحنا في شبرا، حي من أحياء القاهرة، 12 مليون وما حدش متضايق من حد"!

يمضي يومي بسرعة ضوئية. لا يتسع الوقت لحركتي، لذا أشعر أحيانا أني أتحرك خارج الزمن. رسالة على شاشة الهاتف من ابنتي تطلب مني شراء أغراض لها ثم المرور الى المدرسة لاصطحابها. أردّ عليها بكلمات سريعة غير مكتملة كما تفعل هي. أجد لغة رسائل الهاتف النقال مناسبة لحركتي.
أدخل الى مكتبة الجامعة حيث أغراضي وكتبي. أتابع ما بدأته في الأمس من التفتيش عن أعمال أكاديمية حول الاختفاء القسري في العالم العربي. لا أجد شيئا. في قسم الجرائد والمجلات أتصفح جرائد اليوم. أقرأ أن طفلا تركيا مات وهو يقلّد عملية إعدام صدام حسين شنقا. أقرأ أيضا أن طفلا أميركيا سبقه في ذلك. أقرأ خبراً لوكالة الصحافة الفرنسية أن عدد الأطفال الذين قلّدوا عملية الشنق وقتلوا، تجاوزوا السبعة. هدايا الميلاد الإعلامية قاتلة للأطفال. قرأت أيضا أن الروائي الاسباني خافييه مارياس قال ان الإصغاء هو اخطر عمل يقوم به الإنسان.

أتابع كتابة مقالات عليّ إرسالها هذه الليلة. أفكر في الرواية التي تنتظر مني إنهاءها منذ أكثر من سنتين.

في طريق العودة الى البيت أمر بالمصبغة والسوبرماركت والصيدلية. شؤون يومية أعيشها بضجر ومن دون سؤال. اسمع أصواتاً قوية تأتي من وسط المدينة. ازدحام سير خانق في الطريق من رأس بيروت الى الأشرفية. أصوات تتصاعد من ميكروفونات، أغان حماسية غير موجهة اليّ. أغان لا تعنيني. تذكّرني بزمن غابر. كأن ما مضى كان حقيقيا وما يجري الآن كاريكاتور له. أقول في نفسي أيضا إن عليَّ أن أتوقف عن استعمال كل الكلمات المشتقة من كلمة الحقيقة. فليحذف من يقرأني اذاً كلمة "حقيقيا".

الوقت تجاوز الأولى بعد منتصف الليل. طائرتي في الثامنة صباحا ولم أحضّر حقيبتي بعد. أحلم بيوم كسل طويل لا يشعرني بالذنب، أتلذذ فيه بقراءة رواية "البطء" لكونديرا.

أطفئ النور إلا أن جملة توقظني فأكتبها في الظلمة مستعينة بالأوراق التي قرب سريري: يخيّل إليَّ أني أمضي يومي بإسناد الجدران حولي خوفا من الإنهيار. لكن ما لي لم اعد أرى الجدران!