إسكندر حبش

إسكندر حبشيُقال إن الصيف يبدأ هنا. في هذا الصباح الباكر، فتحتُ نافذتي المطلّة على المرفأ القديم، لكني لم أستطع أن أراه مطلقا: كلّ شيء كان مُغطى ببياض الضباب الذي يلفّ تفاصيل المكان بأسره. لم أجد بدّاً، عند ذاك، إلاّ أن أعود إلى سريري الكبير لأعيد محاولة التدرب على تقنية "النوم مجددا"، تلك التقنية التي علّمني إيّاها منذ أعوام، صديق فرنسي، شاعر، ذو هيئة تثير الشفقة، قام بزيارتي لأيام عدة في منزلي ببيروت، وهو، مذ ذاك، لا يتوقف عن زيارتي، كلّما سنحت له الفرصة بالعودة إلى لبنان، وكأن أحدا يلاحقه على الدوام. مع ذلك لم أستطع أن أغفو مجددا، إذ كانت الأفكار الأكثر عادية ويومية قد بدأت تحتل مكانها في رأسي. نهضتُ دفعة واحدة، وبينما كنت أسير متنقلا بين جدران المطبخ، فاجأتني أغنية شعبية فرنسية قديمة، بدأت بتردادها. كان مطلعها يقول "هذا هو مصير الذي يرغب في الهجرة". قد يبدو الأمر مثيرا للشفقة، وبخاصة أنني هنا لفترة معينة، أي بمعنى آخر، لست مهاجرا، وإن كان ذلك لا يمنع من التفكير بالأمر جديّا. أضحكني الأمر، إذ تيقنت من أن لاوعينا لا يتوقف عن العمل مطلقا، حتى ونحن نائمون، أو ونحن نفتح علبة سردين، أو حتى ونحن نلعب لعبة اللامبالاة. اللاوعي عامل لا يكلّ أو يتعب. يختبئ في داخلنا، مثلما يختبئ بحّار في غواصته أو في قاعدته البحرية المحصنة وهو يستعد لإطلاق نيران مدافعه على بوارج الأعداء المتقدمة صوبه.

قررتُ أن أخرج من الشقة الواقعة في الطبقة العاشرة من مبنى ضخم بناه الأميركيون بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. في الواقع، لقد أعادوا بناء المدينة بأكملها بعدما دمّروها برمتها. كان عذرهم أنهم لم يستطيعوا تدمير القاعدة البحرية التي كان يستعملها الجيش النازي حيث يبحر منها ليقطع جميع المنافذ في المحيط الأطلنطي. لذلك يبدو التجوال في هذه المدينة أمرا سهلا، إذ لا تخشى من أن تتوه. لقد بُنيت وفق مربعات، ترى أنه من اليسير أن تتجول فيها. ركبت المصعد، البطيء الحركة، الى درجة القتل من الضجر. لم يكن يتوقف إلا على الطبقات المزدوجة، ومن وقت إلى آخر، كان يتعطل ويتوقف عن العمل، وفي أحسن الأحوال، يتصل الناطور برجال الإطفاء فيأتون مسرعين ليخرجوك من هذا القفص العالق داخله، ما عدا اليوم الأول من السنة، إذ يقال إنهم يحتفلون بعيد القديس سيلفستر، الذي يصادف في الأول من كانون الثاني من كل عام. فهمت اليوم، هذه الورقة المعلقة داخل المصعد "الرجاء عدم محاولة الخروج إذا توقف المصعد بين طبقتين". قرأتها ونزلت طبقاتي على مهل لأخرج وأصطدم بهذا الضباب الكثيف.

كانت لا تزال الثامنة صباحا. في الحانة، ثلاثة "رفاق"، التقيتهم في الأيام الأولى لوجودي هنا، كانوا قد بدأوا باحتساء أولى كؤوسهم اليومية. كان هناك النحيف الأبكم الذي أراه كل يوم وهو يتصفح جريدته بصمت. النادلة الناعمة والهادئة قالت لي بصوتها المليء بالإغواء "يقال إن الصيف قد بدأ" وأشارت إلى الضباب. ابتسمت لها وطلبت قهوتي المزدوجة. في هذه الأثناء، لا بد أن "الخبّازة" الشابة الجميلة الساحرة، التي تعمل في الباتيسري المجاور، كانت تعدّ الكرواسان والباغيت والساندويتشات.

منذ وصولي إلى هنا، حددتُ نقاط استدلالي في هذا الحيّ الواقع ضمن منطقة المرفأ القديم: البواخر والمراكب، من جميع الأحجام، التي تمرّ من أمام المنزل. الجسر المتحرك الذي يشبه صوتُ تحرّكه صوتَ الرعد، أو بالأحرى صوت القذائف التي كانت تفاجئنا خلال الحرب. على الأقل، هذا ما ظننته حين سمعته للمرة الأولى. أنوار المرفأ والجسر البعيد التي كنت أميّزها بوضوح حين أستيقظ في الليل، متسائلا عمّا أفعله هنا. هناك أيضا ذلك الرجل العجوز، صاحب الغدّة المتدلية من رقبته، كان ينزّه كلبه. لم أر كلبا، في حياتي، يخاف إلى هذه الدرجة. ربما بسبب هذه الشوارع القاحلة، التي تزداد حزنا وكآبة، حين يهبط ظلام الليل. منذ أيام، كان ذلك نهار الأحد الماضي، شاهدت السفن المثلثة، للمرة الأولى في حياتي. سفن ساحرة ذات هيكل مركزي وهيكلين صغيرين مربوطين به من الجانبين ربطا محكما. تسمّى هنا بالـTrimarans. سفن تحيل كلوديو، بائع التبغ، شخصا مجنونا. تراءت لي أشبه بحشرات بلاستيكية ضخمة ذات صوارٍ مرتفعة لتعلّق عليها الأشرعة العالية جدا. أشرعة أشبه بقوائم ثلاث طافية وخيط بلاستيكي يتأرجح عليه طاقم السفينة، بخفة مدهشة، كما لو أن الأرض فقدت نقطة ارتكازها. كانت حركاتهم تذكّرني برواد الفضاء، على الرغم من رشاقتهم وأجسادهم الرياضية المفتولة. كان أحدهم يقفز مثل سنجاب فوق الصاري، بينما ينظر الجميع إليه وأنوفهم في الهواء. بلى، كان هناك العديد من الأشخاص الذين وقفوا للفرجة، لكنهم كلهم كانوا يبحثون بعيونهم، داخل "بطن" الـ"تيماران" عن الربان، عن هذا البحار الأسطوري. لذلك جاء الرجال وهم يصطحبون أولادهم وزوجاتهم ليشاهدوا السكيبور" (الربان). اسم يرنّ بطريقة خاصة بدون شك.

أنهيتُ قهوتي وخرجت لأقوم بنزهتي اليومية على الشاطئ. نزهة تتيح لي أن أرى الطحالب الكثيرة والنوارس والكلاب التي تتصارع على الرمل والصخور المنبثقة من أعماق البحر كأنها تلك "المنير" (Menhirs) التي تحدث عنها الشاعر الراحل أوجين غيوفيك بالإضافة إلى الصيادين بشباكهم المعلّقة برافعات يحرّكونها بواسطة بكرات يشدّون عليها بأيديهم الواضحة العروق. أرى أيضا العشاق وهم يلمّون الأصداف حين تنحسر المياه إلى داخل البحر.

بعد ساعة أعود إلى وحدتي المشتهاة. أعود إلى هذه الغواصة التي تخرج، من وقت إلى آخر، من مخبئها، لأشعر بسخرية لا أعرف معناها. تماما مثلما لم أفهم معنى الحلم الذي راودني حيث كانت طائرة ورقية، زرقاء اللون، تسقط على الأرض كلما ارتفعت قليلا في الريح. في أي حال، في تلك الليلة وقعتُ في حب مطربة. حب أفلاطوني. حدث الأمر على الشكل الآتي: كنت في حفل لموسيقى نروجية حيث كانت تغنّي تلك "السوبرانو" بصوتها اللامع، الى درجة أني لم استطع إشاحة نظري عنها. كانت بدينة إلى درجة كبيرة، ربما يفوق وزنها المئة كلغ. كانت تملك تلك النظرة التي تغلّف كل شيء، أي تلك النظرة التي تتمتع بها نساء أوروبا الشمالية. تنظر، في أغلب الوقت، إلى الفراغ كي تستمر في تركيزها على دورها الغنائي. إلا أن عينيها كانتا تقعان عليّ في بعض الأحيان. واثق أنا من ذلك، لكني كنت أتظاهر بأن شيئا لم يحصل. لم أكن أجرؤ حتى على الابتسام لكي لا أشتتها، وإن كنت متيقنا من أنها لاحظتني بين الجمهور. كانت ترتدي ثوبا أسود وسترة زرقاء وعقدا من الألماس الذي يجرح النظر.

يقال إنه الصيف الذي يبدأ هنا. لكن الضباب المتصاعد يجعلني أعود إلى المنزل مخافة أن يبدأ عقلي بالضعف والوهن، مخافة أن أكتسب عادات الناس الذين يعيشون هنا: تناول كأس من "الموسكاديه" عند الثامنة صباحا. هذا ما يحدث يوميا: يدخل المرء إلى الحانة (البيسترو)، يصافح الموجودين الذين يأتون كل يوم، يطلبون كأسا ليبدأ نهارهم.

  • من كتاب يصدر قريبا بالفرنسية، بعنوان "إلى الجانب الآخر من الريح – يوميات سان نازير" عن منشورات "منزل الكتاب الأجانب والمترجمين الأدبيين" ومنشورات "فيردييه".
  • يرجى من أي موقع الكتروني أو ورقي عدم إعادة نشر هذه المادة إلا بموافقة كاتبها