(شاعر/ لبنان)

انه الارق. باكراً يوقظه، يحاصره، يسدّ عليه منافذ الهرب، واخيراً بعد صراع موجع، ينحني كاتب هذه الكلمات، ومسترخيا، يستسلم له، كسنبلة في سهول الريح.
مع هذا، للأرق حسنات. يطيل مساحة الوعي في الحياة، وهذا شيء رائع للقابع في رماد العمر حتى العنق، وهو يمد الخيوط للأفكار الداكنة، فتعبر وتجيئ، ونحن نعرف ان الفكرة التي تجيئنا اعمق واشمل من الفكرة التي نجيئها ونلهث وراءها، كذلك هو في غالب الاحيان يوقظ نجمة الشعر في سماء العالم الداخلي.
حوالى الثامنة صباحا يهجر الفراش. ربما يتناول القهوة، ويتجه من بيت شباب الى بيروت في سيارة هرمة كبلّوطة المقابر. وفي طريقه الى مكتبه في الجامعة اللبنانية – الاميركية يتوقف على كورنيش المنارة، حيث الهاربون من الموت يمارسون الرياضة، غافلين عن حقيقة بديهية، هي ان الموت ابدا ودائما تحت العتبة، في البيت، في الثياب والفراش والصحون، وانه ابداً ودائما يسكن الجلد والعروق والدماء والجمجمة. انهم يجهلون ان الانسان "كائن للموت".
على كورنيش المنارة يتمشى، يتكىء على حاجزه المعدني، ويبحر: صياد على صخرة، صنارته في الماء تتأرجح، ينتظر، يعرف ان الوجود انتظار، سفينة تتجه جنوبا، يتمنى لو كان من بحارتها، يمضي العمر بين الموانىء والوجوه الغريبة، يمامة تحدق الى الغور ولا تتحرك، تعرف ان البحر امرأة تحت راية القمر.
يتساءل: لماذا هذا الحنين الدائم الى البحر؟ ربما لأن البحر بيته الاولي، كل شيء منه واليه، كما يرى منبع الفلسفة الغربية طاليس، وعلى هذا الاساس تكون الحياة الارضية غربة واقتلاعا:

ربما في البحر كنا
عشبةً او صَدَفهْ
من ملايين السنينْ،
ثم جاء المدُّ والطوفانُ
للبرّ خرجنا
ونسينا
بيتنا المهجور في القاعِ،
نسينا
اننا في البحر كنا
عشبةً او صَدَفهْ
من ملايين السنين.

او ربما سبب الحنين هذا هو ان البحر يرمز الى الاسفار والاغتراب، ما يلبّي قليلا من العطش الداخلي الذي يعيشه كاتب هذه السطور الى الرحيل والتشرد، او ربما لأن البحر تخوم خلف تخوم، كالاسرار، التي يجاورها شاعر الشعر.
من كورنيش المنارة ينطلق في سيارته صوب مكتبه في الجامعة. ومع انه متقاعد، رأت ادارة الجامعة ان تسمح له بالاحتفاظ بمكتبه الذي امضى فيه من الوقت اكثر مما امضاه في بيته، وهي بالطبع مشكورة لهذا القرار.
في مكتبه المغلق يعود الى عزلته، يقرأ كتاباته الطرية من شعر ونثر، يمزق معظمها في غالب الاوقات ويبقي بعضها حتى تغربلها الايام في ما بعد، مقياسه لانقاذ ما يمكن انقاذه من كتاباته – خصوصاً الشعرية منها – هو القدرة على تجسيد اعمق التجارب وأشملها بالكلمة البسيطة، الشفافة، المثقلة بتناغم داخلي. بعد هذا يلتفت الى الانترنت، هذه الآلة الخرساء التي معها لا يجيد الحوار مهما حاول، فيطلب المساعدة لتوليد ما تضمره من الرسائل الالكترونية التي تصل اليه في غالبيتها من مناطق وراء بلاد الخليج – المحيط، يقرأها، وبالبريد العادي، واحيانا بالفاكس الجامعي، يبعث الاجوبة.
واخيرا يمضي ما تبقّى له من الوقت في قراءة الفلسفة والشعر في اللغة الالمانية، في عالم هذه اللغة تضيء صداقة حميمة بين الفكر والشعر، في عالم هذه اللغة وفي بيتها يسكن المقدس مع الكينونة.
وفي النهاية تنحدر الشمس، مع البحر تلتقي في الافق، فيمضي الى سيارته، وبعد العبور بين ادغال من السيارات العمياء، يعود سالما الى عائلته بما يشبه المعجزة.
في بيته يلجأ مساءً الى الكأس المنقذة، فكما يقول شاعر الشعر هولدرلن: لكن حيث الخطر/ ينمو المنقذ ايضاً .
بعد هذا يتعشى، يشاهد التلفزيون، يشاهد كائنات غريبة الملامح، في جلودها الوبر وفوق عيونها ما يشبه القرون، كما لو انها في الطريق الى الانقراض. يصيبه الخوف، الى عينيه يتسرب النعاس، يتحرك الى فراشه، يطمر رأسه، ينام ولا ينام.